"إذا ازدهرت البادية ستمتلك الصحراء حراسها".. هكذا يستطيع البدو إنقاذ شمال إفريقيا

تم النشر: تم التحديث:
S
س

"حياة البدو توشك على الانتهاء".

تأتي هذه التقييمات القاتمة في الغالب من المنظمات غير الحكومية وعلماء الإنثربولوجيا، إلا أنها في هذه الحالة جاءت على لسان محمد طاهر ولد الهادي، أحد كبار قبيلة البرابيش البدوية شمال مالي. أخبرني ولد الهادي قائلاً: "الناس تموت، ليس بسبب نقص الغذاء والدواء وحسب، ولكن أيضاً بسبب نقص الأمل".

ولكن لماذا يشكل هذا فارقاً؟

بغض النظر عن الإرث الثقافي، بل وبغض النظر عن القيمة الاقتصادية من الرعي في طبيعة تبدو شديدة الجفاف لممارسة الرعي غير المرتحل، ثمة سبب وثيق الصلة بالكفاح من أجل الإبقاء على بادية شمال إفريقيا، فبدون البدو لن يكون هناك أمان على الإطلاق في الصحارى الكبرى.

وبحسب ما ذكر تقرير لموقع The Daily Beast الأميركي، فإن انحدار البادية في شمال إفريقيا يعود إلى القرن التاسع عشر. عندما بدأت القوات الفرنسية في التسبب بعداوات في المنطقة، وقد قاد التمرد ضدهم كبار القبائل البدوية. وبعد أن أُخضع هؤلاء بسبب تفوّق المدفعية الفرنسية، وضعتهم السياسات التي قدمها الفرنسيون في موقف صعب. قلب الفرنسيون الموازين لصالح المجتمعات الإفريقية غير المرتحلة؛ وذلك بناءً على تصورات السياسات الزراعية في بلادهم.

وثمة عديد من الأمثلة على عمليات القتل الجماعي ضد سكان الريف (مثل حملة الكابتن فوليت ومساعده شانوان من العاصمة السنغالية داكار وحتى بحيرة تشاد، التي تعد أعتى حملة نفذها الفرنسيون، إذ أُبيد خلالها آلاف الأشخاص)، إلا أن الحدود التي تركها الفرنسيون خلفهم تمثل أفضل انعكاس لسلوك الاستعمار الفرنسي تجاه حياة البادية.


تاريخ الصحارى الكبرى


تمتد الصحارى في 10 بلاد (وأرض محتلة واحدة)، وفي كل بلد من هذه البلاد تُهمّش المناطق التي يسكنها البدو. وفضلاً عن كارثة الاستعمار، كان هناك كوارث أخرى مرتبطة بالمُناخ. فقد شهد تاريخ الصحارى الكبرى عديداً من ظواهر الجفاف (مثل الجفاف الذي حدث في عام 1913 وأدى إلى هجر كثير من البؤر الاستعمارية، كما خلّف وراءه آلاف الوفيات)، إلا أن أياً منها لم يحدث تأثيراً يضاهي ما أحدثه جفاف الساحل الإفريقي العظيم الذي استمر في الفترة بين 1968 و1974، الذي قتل ما يقرب من ثلث ماشية البلاد. كما ضربت ظواهر جفاف أخرى المنطقة في ثمانينات القرن الماضي.

في غضون ذلك، انخفض مستوى المياه الجوفية، وقلّت رطوبة التربة، وضعُف الغطاء النباتي، وماتت الأشجار، كما يُعتقد أن أكثر من 100 ألف شخص قُتلوا بسبب المجاعات والأمراض. ذكر لي كهل، قابلته في وسط مالي، قائمة من 7 أسماء أعشاب مختلفة لم تعد تنمو، إذ إنها أُبيدت بسبب الجفاف.

ويستمر استشعار الآثار الناجمة عن ذلك، ففي مالي تسببت فترات الجفاف في خفض مستوى فيضان نهر النيجر، ما قاد مزارعي الأرز للانتقال إلى منطقة أقرب من مجرى النهر. ونتيجة لذلك، كان رعاة الغنم من الطوارق غير قادرين على إطعام الماشية من الأعشاب التي تنمو بمحاذاة النهر.

يقول عالم البيئة تشارلز غريمونت: "في فترة قصيرة للغاية، انقطعت الروابط المتعددة بين الناس وبين الموارد التي يوفرها وادي النيجر، التي طالما شكلت عاملاً أساسياً في تاريخ طوارق الجنوب".
ويشرح هذا النوع من الانحدار المناخي جذور الصراع الحالي في مالي.

يشبه الاستعمار والتغير المناخي وحشاً ذا رأسين يلقي بظلال بعيدة. إذ إن المجتمعات الزراعية التي كانت مزدهرة من قبل، تجد نفسها الآن معدمة. فقد أُعيقت طرق الرعي جرّاء السياسات الاقتصادية النيوليبرالية وخصخصة امتلاك الأراضي، وعلى الرغم من أهميتها لصناعة الألبان واللحوم (فضلاً عن المنتجات الجلدية)، لا ينُظر بعين الاعتبار إلى قيمة رعي الماشية.

ونادراً ما تصل المساعدات المخصصة لتمويل المجتمعات النائية في الصحراء، بينما يستمر بناء الفيلات الفخمة في المدن الكبيرة (على سبيل المثال، في العاصمة المالية بامكو، ثمة منطقة تُعرف باسم "حي الجفاف"، لأن كثيراً من المباني مُولت من اختلاس أموال الإغاثة). مع انحدار أعداد الماشية وإنتاجيتها، يجد كثير من الأشخاص أنفسهم دون وظيفة مربحة. وفي مثل هذه الظروف، يصيرون فريسة سهلة للتجنيد على يد وكلاء الجهاديين.


مرآتان مشوشتان


تُعدّ كل من إفريقيا والشرق الأوسط مرآتين مشوشتين تعكس كل منهما الأخرى. قبل اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، فقد الرعاة في شمال شرق البلاد ما يقرب من 85% من ماشيتهم خلال أسوأ جفاف حدث منذ 900 عام. ثم عانوا من أزمة التهجير التي طالت 1.5 مليون شخص من سكان المناطق الريفية، والتي أحال المحللون الأمنيون سببها إلى الحرب الأهلية السورية.

في العراق، تسببت السياسات المعادية للسُنّة، التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة وداعموها، في إضعاف قبائل الأنبار شبه البدوية، ما مكّن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من تثبيت أقدامه، بعد أن كانت القبائل قد رفضته من قبل.

في إفريقيا، تواجه المجتمعات البدوية مستويات مشابهة من نقاط الضعف. فقد سمحت الحركة الوطنية لتحرير الأزواد التي أسسها الطوارق- والتي قاتلت في 2011 من أجل الحصول على تمثيل حدودي وفرص اقتصادية- بأن تشارك الجماعات الجهادية المسلحة في خياراتها، ما تسبب في إطلاق الدمار في مالي.

وفي نيجيريا، تستغل جماعة بوكو حرام رعاة شعب الفولاني؛ لكي تفاقم من التوتر بين الرعاة والمجتمعات الزراعية. لذا يصعب على الأشخاص كسب قوتهم في تلك المناطق. حتى في غياب الجهاديين، سيكون هناك توترات ونزاعات، وبإضافتها إلى المزيج السابق، لا يمكن وقف المجزرة على أي حال.

هل هناك مخرج؟ بالتأكيد. فحياة البادية في حاجة إلى استثمار. كما أن طرق الرعي بحاجة إلى الحماية. وثمة حاجة إلى حفر مزيدٍ من الآبار. أما البدو فهم بحاجة إلى الوصول للمعدات والدواء والتعليم البيطري.

إن ازدهرت حياة البادية، ستمتلك الصحراء حراسها، وستنكمش محفزات التعاون مع الجهاديين، بالإضافة إلى تجار المخدرات، ومهربي السلاح، ومهربي البشر. لطالما كانت المعادلة التي يتبعها الغرب فيما يتعلق بشمال إفريقيا تشير إلى أن المنطقة متقلبة للغاية لأن نستثمر فيها.

لكن الحقيقة تقول: استثمروا فيها، لأنها متقلبة. طالما يسيطر الجفاء على علاقتنا بهذه المنطقة التي تفتقر إلى الاتزان، ستبقى شوكةً في ظهر أوروبا. فلا يمكن لكلا المنطقتين أن تزدهرا إلا من خلال العمل معاً.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع The Daily Beast الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.