هل يتبدد حلم ميركل في ولاية رابعة؟.. العام الجديد يحمل اختباراً صعباً للمستشارة الألمانية

تم النشر: تم التحديث:
S
س

لقد تنامت مشاعر الكراهية حينما قاد أنيس العامري الشاحنة التي سرقها داخل سوق عيد الميلاد في برلين، وقتل 12 شخصاً وأصاب عشرات آخرين. وجاء هذا العمل الإجرامي قبل أسبوع من الاحتفالات الكبرى في العاصمة الألمانية، كما أن هذه السوق لها مكانة كبيرة في قلوب الألمان. وبالتالي ساد شعور بالقهر والتعاطف مع الضحايا.

لكن السؤال الذي يُطرح هو: ما تداعيات العملية الإرهابية من الناحية السياسية؟ فمع اقتراب الانتخابات العامة التي من المقرر أن تُعقد في الخريف القادم، تبحث أنجيلا ميركل عن ولاية رابعة خاصة مع اقتراب انتهاء فترة توليها منصب مستشارة ألمانيا، الذي تميزت فيه بسياساتها المتعلقة باللجوء.

بالتأكيد، وحسب تقرير لصحيفة الإندبندنت البريطانية، فإن لذلك علاقة بكرم هذا البلد مع الوافدين الجُدد وتزايد خطرهم ضد المواطنين الألمان، إلى حد قد يؤثر على الانتخابات العامة. فقد كان هذا على الأقل رد الفعل الغريزي لي وللكثيرين، ولكن ما لبث أن انطفأ هذا الشعور.


هدوء وتماسك



من جهتها، أظهرت أنجيلا ميركل نوعاً من الهدوء والتماسك بعد صدمة الهجوم الإرهابي، فقد رفضت أن تخرج على عجل وتخاطب شعبها حتى اليوم التالي. وقد بدا عليها الحزن أكثر من الغضب، وتطرقت في حديثها عن استهداف الجاني لحُسن الضيافة الألمانية، وشكرت مواطنيها الذين ساعدوا في استقبال اللاجئين.

في المقابل، تقبّل الألمان ما قالته، ووفقاً لاستطلاعٍ قامت به مجلة "سترن" في الأيام اللاحقة، تبيّن أن 28% فقط من الألمان الذين خضعوا للدراسة قالوا إن الحادثة الإرهابية لها علاقة بسياسة أنجيلا ميركل مع طالبي اللجوء، بينما رأى 68% منهم أن لا علاقة للحادثة بسياسة ميركل مع اللاجئين.

وتعتبر هذه النتائج جيدة بالنسبة لمستشارة اعتقدت أن حظوظها في مواصلة قيادة الائتلاف اليميني الوسطي للاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، قد تراجع مع وقوع العملية الإرهابية. لكن الدراسة لم تقف عند هذا الحد، فقد كشفت أن الائتلاف كسب نقطتين في استطلاعات الرأي، وهو دليل على اكتسابه ثقة الشعب في المجال الأمني.

رغم هذا أتساءل إن كانت الأمور تماماً كما تبدو – خاصة في حال كانت أنجيلا ميركل فعلاً متأكدة من فوزها بولاية رابعة.

إن أخذنا دراسة مجلة "سترن" فالأمور مطمئنة، لكن في حال كُنت ألمانياً ووُجّه لك ذلك السؤال حول علاقة سياسة اللجوء بالعمل الوحشي الذي حدث في برلين، كيف ستجيب؟ أنت تعلم ما هو المتوقع من الألماني الحداثي الطيب؛ وتعلم الفرق بين التعميم والتخصيص، كما تعلم أن كل الاعتقادات تستحق الاحترام، وأن الإسلام دين سلام. وبالإضافة إلى ذلك، تعلم أيضاً أن طالبي اللجوء يبحثون يائسين عن مكان آمن وأنت فخور لأن بلادك وفرت لهم ذلك.

ولكن ما مدى عمق هذا الحسّ المرهف داخل الألمان؟ عندما تشاهد الوافدين الجُدد من دون حظوظ عمل وفيرة، وتسمع عن صعوبات الإدماج التي بدأت تطفو على السطح، فكيف ستصوّت بسرية في حجرة الانتخابات؟ لم يكن "ستيفان" أو "مانفراد" مَنْ قاد تلك الشاحنة ودخل بها في سوق في برلين بجوار كنيسة النصب التذكاري. لقد كان تونسياً فشل في الحصول على حق اللجوء، وترك مقطع فيديو مجّد فيه تنظيم الدولة. إن آخر ما يمكن أن يقال عن عملية برلين الإرهابية هو حادثة منعزلة قام بها مجرم له أسبابه.


أسئلة عديدة بعد هجوم الحافلة


من جهة أخرى، لم يكن الشعور العام السبب الوحيد في فقدان المستشارة إحساسها بالأمان الذي تعيشه الآن. فكما صرّحت ميركل بنفسها، طفت على السطح عديد الأسئلة حول أمن ألمانيا بعد الحادثة الإرهابية. فقد كان أنيس العامري تحت الرقابة لكن فُقد أثره وارتكب فعلته بكل أريحية بعد أن تم رفض طلب اللجوء الذي تقدم به، وعلى الرغم من ذلك للأسف لم يتمّ تجهيز وثائق الترحيل الخاصة به. فاستطاع مغادرة برلين نحو إيطاليا دون أن يتم تعقبه. وتجدر الإشارة إلى أنه مع تواصل التحقيقات قد يتوقف ركب ميركل، مؤلفة سياسة اللجوء الألمانية.

في المقابل، هناك اتفاق كبير يحمل في طياته بقاء أنجيلا في مأمن، لسبب بسيط وهو غياب منافس جدي لها. هذا صحيح في جزء منه من وجهة نظر سياسية؛ فمهما حصل في أيلول/سبتمبر فلن يتمكن "البديل من أجل ألمانيا" من تصدر نتائج الانتخابات. وإن كان الأمن هو المشكل الرئيسي، فإن ائتلاف ميركل المتمثل في الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب الاتحاد المسيحي اليميني الوسطي سيكون الأفضل للوسطيين واليساريين.

من وجهة نظر شخصية من خارج ألمانيا - بما في ذلك بريطانيا، تعتقد كل من مارغريت تاتشر وتوني بلير أن الحجج نفسها لن تكون مقنعة، حيث تبدو ميركل أقل انفتاحاً للتحدي على غرار ما فعلته في ألمانيا. فهي المحور الأساسي في أوروبا، وهي نصير متفق عليه للقيم الأوروبية، والقائد الذي لا غنى عنه. لكن منذ متى كان غياب البديل المعقول يمنع استبعاد قائد يعتقد أنه أصبح عبئاً انتخابياً؟

كانت ميركل بحد ذاتها غير مشهورة كسياسية من الغرب – بالتأكيد لم يتوقع أي شخص أن تصل إلى هذا المستوى – حتى تسببت في سقوط هلموت كول، الأب الروحي لحزب الاتحاد الديمقراطي ومايسترو الوحدة في ألمانيا. وبالتالي سيكون هناك من هم في الأجنحة يراقبون وينتظرون. وإن كانت المستشارة في خطر، فالخطر الكبير سيأتي من هناك.


ضغوط داخلية


من جانب آخر، ساهمت الضغوط الداخلية في وضع بعض الحواجز والحدود حول سياستها، فقد كبحت حق الإقامة الدائمة لبعض اللاجئين، وحاولت زيادة عدد الذين سيتم ترحيلهم، وأعلنت منعاً - له رمزيته - للنقاب في الأماكن العامة.

والجدير بالذكر أنه ستأتي الأزمة الحقيقية إن فقد كبار الشخصيات في الحزب ثقتهم بقدرة المستشارة على قيادة وتقديم امتيازات، تشعر بأنها غير قادرة على إنجازها.

هذه السنة الميلادية الجديدة ستكون اختباراً جديداً صعباً، ليس على صعيد الأمن الوطني ضد العمليات الإرهابية فحسب، ولكن أيضاً لضمان أن لا يتكرر ما حدث في السنة الماضية. وفي هذه الحالة، يمكنك المراهنة بآخر يورو في جيبك بأن الشرطة الألمانية ستضرب بقوة وستفعل المستحيل من أجل ضمان أن كل الناس، خاصة النساء، يشعرون بالأمان في طرقات المدن.

إن مرّت السنة الجديدة من دون أي حوادث غير مرغوبة فسيكون لميركل فرصة في البقاء مستشارة بعد الانتخابات القادمة، لكن الانطلاقة المحتملة لميركل، وموقف أوروبا من هذه الانطلاقة، سيكونان أكبر سؤالين لا بدّ من إيجاد أجوبة لهما خلال عام 2017.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.