تجسُّس ومتابعة وترصُّد.. هكذا أصبحت حياة الدبلوماسيين الأميركيين والروس في كلا البلدين سيئة

تم النشر: تم التحديث:
AMERICA AND RUSSIA
JOSH EDELSON via Getty Images

يبدو منتجعاً ريفياً. يضم ملاعب تنس وحوض سباحة وحديقة تطل على أحد الأنهار، حيث يتوجه السفراء الروس في الولايات المتحدة في الأوقات الأكثر هدوءاً واستقراراً لقضاء عطلات نهاية الأسبوع.

ويبعد المنزل الجورجي المكون من ثلاثة طوابق عن وسط واشنطن مسافة 90 دقيقة بالسيارة. وهنا قد يتظاهر الدبلوماسيون الروس بأنهم يعيشون بالفعل بمنازلهم الريفية أو الصيفية وسط غابات الصنوبر في ضواحي موسكو الكبرى.

لم يعد الأمر كذلك. فقد أعلنت إدارة أوباما يوم الخميس 30 ديسمبر/كانون الأول 2016 عن إغلاق تلك الممتلكات في بيونير بوينت بولاية ميريلاند، إضافةً إلى عقارٍ روسي آخر في لونج آيلاند بولاية نيويورك.

وذكر مسؤولو البيت الأبيض أن المباني لم يتم استخدامها في ممارسة لعبة البينغ بونغ فقط، بل كانت أوكاراً للتجسس. فقد استغلت وكالات الاستخبارات الروسية المجمع التابع للسفارة في التجسس على مقر جهاز الأمن القومي المجاور وأجهزة حيوية أخرى.

وكانت عمليات إغلاق تلك الممتلكات جزءاً من مجموعة من التدابير العقابية التي اتخذها باراك أوباما رداً على ما ذكر أنه إجراء عدائي غير مسبوق يتمثل في الهجمات الإلكترونية التي شنها الكرملين على الانتخابات الأميركية لعام 2016.

في بداية فترة رئاسته، أجرى أوباما محاولة فاشلة لاستعادة العلاقات مع موسكو. وفي أيامه الأخيرة قبل ترك المنصب، أعرب عن خيبة أمله في توطيد علاقته بنظيره الروسي.

وذكر البيت الأبيض اعتزامه طرد 35 دبلوماسياً روسياً وحظر تسعة كيانات وأفراد. وكانت جميعها من جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية وجهاز الاستخبارات الداخلية الروسية، وهما جهازا الاستخبارات اللذان يذكر المسؤولون الأميركيون أنهما يتجسسان على البريد الإلكتروني الخاص بكبار مسؤولي الحزب الديمقراطي.

وكان هدف الكرملين من وراء ذلك بسيطاً، ويتمثل في التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، وبمعنى آخر، الإضرار بهيلاري كلينتون ومساعدة دونالد ترامب، المرشح المفضل لدى بوتين والفائز غير المتوقع بانتخابات الرئاسة.

وكانت الحكومة الأميركية قد طردت دبلوماسيين روس من قبل، وخاصة عام 2001 حينما قام جورج بوش بطرد 51 دبلوماسياً روسياً. وتأتي خطوة أوباما بعد عام سار لصالح بوتين فيما يتعلق بسوريا وحلب وأيضاً فيما يتعلق بانتصار ترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.


تصعيد كلامي


وقد قدم الرئيس الأميركي القادم وعوداً بإقامة علاقات أكثر دفئاً مع روسيا. وبينما شرع الروس المطرودون في حزم أمتعتهم وأرسلت روسيا طائرة لإعادتهم إلى بلادهم، تحولت الأنظار إلى الكرملين. فما الذي قد يفعله كردة فعل على هذه الخطوة؟

كانت العلامات المبكرة تشير إلى قسوة رد الفعل الروسي. فقد نشرت السفارة الروسية في لندن تغريدة تحمل صورة ساخرة لبطة مكتوب عليها كلمة "كسيحة". وأطلقت التغريدة على خلاف التجسس "الحرب الباردة للمرة الثانية" وقالت أن الأميركيين سوف يشعرون بالسعادة لرحيل قادتهم "البائسين".

وكتبت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا عن أوباما وفريقه على فيسبوك "إنها ليست إدارة، بل مجموعة من الخاسرين والغاضبين والجاهلين في مجال السياسة الخارجية".

وفي صباح الجمعة، كان رد الكرملين واضحاً. فقد ذكرت المواقع الإخبارية الروسية أن سيرجي لافروف، وزير خارجية بوتين، قد اتخذ تدابير مضادة. وقال ديميتري بيسكوف، المتحدث الصحفي باسم بوتين، أن تلك التدابير ستكون "مقلقة للغاية".

كانت التدابير المقترحة تعد رداً مماثلاً، فحواه طرد 31 أميركياً من السفارة في موسكو وأربعة دبلوماسيين بالقنصلية الأميركية في سانت بطرسبرج. ووفقاً للمعايير الروسية، يعد ذلك إجراءً رادعاً.

أشار لافروف أيضاً إلى أنه سيغلق مبنى السفارة الأميركية في سربرياني بور، وهي جزيرة ريفية من الغابات والشواطئ الرملية المطلة على نهر موسكو.

ويعد المنزل القائم وسط الغابات مكاناً يستطيع الدبلوماسيون الأميركيون الاسترخاء فيه. ويضم المنزل طاولة بلياردو ولعبة سهام ومناطق للتنزه. إنه مبنى بسيط ومتواضع. وقد شبهه أحد الزوار بأحد أكواخ الكشافة خلال سبعينيات القرن الماضي.

ويعد المنزل الريفي ملاذاً من ضغوط الحياة الصاخبة في موسكو. ويوجد بجواره بعض المقاهي الخشبية. وفي الشتاء، يمارس مواطنو موسكو رياضة التزحلق فوق النهر المتجمد واصطحاب أطفالهم معهم. وفي الصيف، يستطيعون السباحة أو التشمس. وعلى الجانب الآخر من الجزيرة، يوجد ترواتسي ليكوفو.

تعد القرية التي تضم كنيسة ذات قبة فضية متلألئة مسقط رأس الكاتب ألكسندر سولزينتسين، الذي كشف نظام معسكرات العمل السوفيتية وأصبح أحد أشد مؤيدي بوتين في الوقت الحالي.


"رحابة صدر"


وفي مساء الجمعة، أصدر الكرملين بيانه الذي طال انتظاره والذي كشف أنه بعد 16 عاماً في السلطة، أتقن بوتين فن مراوغة خصومه وخداعهم.

لم تطرد روسيا في الواقع أي دبلوماسيين أميركيين أو على الأقل لم تفعل ذلك حتى الآن. وذكر الرئيس أنه لا يريد أن يثير مشاكل. وتحدث بأسلوب يتسم برحابة الصدر وحسن التدبير.

وذكر البيان "بينما نحتفظ بالحق في الرد، إلا أننا لن نهبط إلى هذا المستوى من الدبلوماسية غير المسؤولة". وسوف تتخذ إدارة بوتين "خطوات أخرى للمساعدة على استعادة العلاقات الروسية الأميركية" بمجرد وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

وتضمن البيان أمنية بعام سعيد لكل من أوباما وترامب والشعب الأميركي. ودعا البيان أيضاً "كافة أبناء الدبلوماسيين الأميركيين" لزيارة شجرة عيد الميلاد بالكرملين.

وبدلاً من إبداء الوضاعة، تقمص بوتين دور ديد موروز، النسخة الروسية لشخصية عيد الميلاد. وذكر أحد أعضاء الكرملين بقناة فيستي التلفزيونية أن أوباما مثل دور سانتا الشرير.

وكان ذلك بمثابة إشارة ماكرة لهؤلاء الذين تمكنوا من فهمها بأن وكالة الاستخبارات الروسية لديها معلومات دقيقة عن أبناء العاملين بالسفارة الأميركية. وأنكرت وزارة الخارجية الروسية يوم الجمعة تقارير حول رقابة موسكو للمدرسة الأنجلو أميركية، التي يلتحق بها أبناء الدبلوماسيين والعاملين بالبنوك وفي مجال النفط.

ويجلب العام الجديد خيارات واسعة أمام موسكو وواشنطن. فلم يكن قرار أوباما بطرد الدبلوماسيين بمثابة احتجاج على الهجمات الإلكترونية الروسية التي اضطلعت بها مجموعات قرصنة روسية، من أجل قرصنة رسائل البريد الإلكتروني التي تستهدف استدراج الضحايا لكتابة أسماء المستخدم وكلمات السر الخاصة بهم.

وذكر أندريه سولداتوف، خبير الخدمات الأمنية الروسي، أن الملف الذي نشره مكتب التحقيقات الفيدرالية ليكون بمثابة دليل على تلك الهجمات كان مخيباً للآمال. فقد أخفق في تقديم تفاصيل هامة –ليست تقنية- وتمت معرفتها بفضل شركة تكنولوجيا الأمن الإلكتروني الأميركية المعروفة باسم كراودسترايك. وقال إن المعلومات حول "المقترفين والأشخاص والإدارات" مفقودة.

وأضاف "إننا نعيش في عالم صحافة المعلومات. ويريد القراء فحص البيانات بأنفسهم. وفي هذه الحالة، لا يمكنك القيام بذلك. ويعني ذلك أن هؤلاء الذين يشكون في مسؤولية روسيا عن الهجمات الإلكترونية سيظلون مرتابين".

وانتقد آخرون التقرير باعتباره يتضمن معلومات ضحلة. وشبه جوناثان زدزيارسكي، الباحث الأمني رفيع المستوى، تقرير العمل المشترك بمركز لأنشطة الأطفال. وكتب توم كيلاليا، أحد مديري أمن شركة أمازون السابقين قائلاً "إن الهجوم الإلكتروني الروسي على لجنة الحزب الديمقراطي يماثل العديد من الهجمات الأخرى خلال الخمسة عشر عاماً الماضية. والسؤال الرئيسي هنا هو: لماذا يكون رد الفعل على هذا الحادث ضعيفاً هكذا؟"


"اقتحموا منازل دبلوماسيين"


ولم ترتبط التدابير التي اتخذها أوباما بعمليات القرصنة فحسب، بل كانت أيضاً رداً على ما تعتبره واشنطن تعقباً للدبلوماسيين في موسكو على مدار سنوات طويلة. وقد شكا أوباما ووزير خارجيته جون كيري سراً من هذا الأمر لكل من بوتين ولافروف. واستمرت المضايقة والإزعاج.

وتعتقد الولايات المتحدة أن عملاء الاستخبارات العسكرية الروسية قد اقتحموا منازل الدبلوماسيين الأميركيين مراراً. وبالإضافة إلى زرع أجهزة التنصت، فإنهم تركوا أدلة واضحة. وابتكرت الاستخبارات الروسية هذه الحيل النفسية خلال ستينيات القرن الماضي، وقامت قوات الشرطة السرية الألمانية في وقت لاحق بإتقان آلياتها.

تعقب العملاء الروس الدبلوماسيين الأميركيين في شوارع موسكو. ووجد آخرون يقودون سيارات تحمل لوحات دبلوماسية أنهم يتعرضون لتوقيف سياراتهم كثيراً. وفي يونيو/تموز، تم الاعتداء على دبلوماسي أميركي أثناء دخول مجمعه السكني. وتتلقى زوجات الدبلوماسيين مكالمات هاتفية تخبرهن –عن طريق الخطأ – بوفاة أزواجهن في بعض الحوادث.

ويتعين على جهاز الاستخبارات حالياً أن يقرر ما إذا كان سيواصل تعقب وترهيب العاملين بالسفارة الأميركية أو التوقف عن إزعاجهم مع تولي ترامب مهام منصبه. وفي الفترة التي سبقت الانتخابات الأميركية، امتدح ترامب بوتين مراراً وذكر أنه سيقوم بإلغاء العقوبات المفروضة على الكرملين.

ومن ناحيته، يتعين على ترامب اختيار ما إذا كان سيتجاهل النتائج التي توصل إليها مكتب التحقيقات الفيدرالية ووكالة الاستخبارات الأميركية حول سعي قراصنة المعلومات الروس إلى تخريب وتشويه سمعة الديمقراطية الأميركية. وقد يرغب ترامب في الكشف عن التدابير التي تم اتخاذها يوم الخميس، ولكنه إذا فعل ذلك، فإنه يخاطر بأن يبدو كما لو كان عميلاً لدى الكرملين.

وقد وصلت العلاقات الأميركية الروسية إلى مثل هذا المنعطف الخطير في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. وربما سوف تتحسن الآن. وفي غضون ذلك، فقد أصبحت حياة الدبلوماسيين في كلتا الدولتين أكثر سوءاً إلى حد كبير.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية٬ اضغط هنا.