حذفت منه أيامٌ وتنافس الملوك على أسماء شهوره.. أسرار التقويم الميلادي بين السياسة والدين

تم النشر: تم التحديث:
CALENDAR
FPG via Getty Images

يُعدّ التقويم الميلادي التقويم الرسمي لغالبية دول العالم، فعلى أي أساس تم اعتماده، ومن حدده وهل تغيّر عبر القرون؟

لم تكن السنة الميلادية المتّبعة في أغلب دول العالم مشابهة للتقويم الذي نتبعه حالياً، لكنها تطورت عبر العصور بين حذف وإضافة، ولم يعتمده العالم أجمع إلا في القرن العشرين.


التقويم اليولياني


بدأت فكرة استخدام تقويم سنوي عام 45 قبل الميلاد، حين أرسى يوليوس قيصر التقويم اليولياني، كي ينهي فوضى التقاويم التي كانت تتغيَّر بحسب أهواء رجال الدين في الإمبراطورية الرومانية، وتفضيلهم لسياسيين بعينهم.

عندها قرر يوليوس قيصر أن يكون التقويم السنوي هو ما يساوي دورة كاملة لكوكب الأرض حول الشمس، فوجدها تساوي 365.25 يوماً أرضياً، أي ما يعادل 365 يوماً و6 ساعات. ومن هنا نشأت السنوات الكبيسة، فتكون كل سنة مكونة من 365 يوماً فقط، وتأتي سنة كبيسة كل أربع سنوات تتم بها 366 يوماً.

حين أرسى يوليوس قيصر هذا التقويم، كان عدد شهور السنة 12، الفردية منها تتكون من 31 يوماً والزوجية من 30 يوماً، ما عدا شهر فبراير/شباط فيكون 30 يوماً في السنة الكبيسة فقط، و29 يوماً فيما عداها. بعدها بعدَّة سنوات وتقديراً لدور يوليوس قيصر في هذا التقويم، أُطلق على الشهر السابع اسم "يوليو/تموز".

لكن وفي عام 33 قبل الميلاد قرر الملك أوكتافيوس "أغسطس" أن يحمل الشهر الثامن اسمه ويُصبح "أغسطس/آب" وكان لابد أن يكون الشهر كاملاً، فحوّله ليصبح 31 يوماً بعدما أخذ يوماً من شهر فبراير/شباط، وحتى لا يصبح في التقويم ثلاثة شهور طويلة متتالية، غيّر في الأربعة أشهر التي تلي هذا الشهر فأصبح شهر سبتمبر/أيلول 30 يوماً، وشهر أكتوبر/تشرين الأول 31 يوماً، وشهر نوفمبر/تشرين الثاني 30 يوماً، وشهر ديسمبر/كانون الأول 31 يوماً.


علاقة التقويم اليولياني بالمسيح


بالرغم من أن التقويم الحالي يُطلق عليه التقويم الميلادي، إلا أن حساب السنين في البداية بدأ منذ إنشاء العاصمة الرومانية روما. لكن في منتصف القرن السادس، طالب أحد القساوسة ببدء حساب السنوات منذ ميلاد السيد المسيح، وليس منذ إنشاء روما، ليتحول رقم العام وقتها من 753 إلى 532 ميلادياً.


التقويم الغريغوري


في عام 1582 وتحديداً في يوم 11 مارس/آذار، اكتشف البابا غريغوريس الثالث عشر أنَّ فصل الاعتدال الربيعي أتى قبل موعده بعشرة أيام كاملة، مما يؤثر على موعد الاحتفال بعيد القيامة، فقرر حذف 10 أيام من السنة.

بعد الاتفاق على شكل التقويم الجديد، والذي سُمي بعد ذلك بالتقوم الغريغوري، انتهى يوم 4 أكتوبر/تشرين الأول ليبدأ اليوم التالي 15 أكتوبر/تشرين الأول، وكانت هذه السنة الوحيدة التي حُذف منها 10 أيام كاملة من التقويم.

لم يكن هذا هو التعديل الوحيد الذي أجراه غريغوريس، فقد أقرّ حساباً آخر للسنين يجعل نسبة الخطأ بين التقويم المعمول به والتقويم الشمسي يوماً واحداً كل 3030 سنة (وقد تصل بحسابات فيزيائية وفلكية أخرى إلى 7700 سنة)، بدلاً من نسبة الخطأ التي كانت موجودة في التقويم اليولياني، والتي كانت يوماً كل 128 عاماً.

طبق غريغوريس ذلك عن طريق خفض عدد السنين الكبيسة لتصبح 97 سنة كل 400 عام بدلاً من 100 سنة خلال المدة نفسها. إذ كان التقويم اليولياني يعتبر كل سنة تقبل القسمة على 4 سنة كبيسة، إلا أن التعديل الغريغوري أضاف إلى هذه القاعدة اعتبار السنوات التي تقبل القسمة على 100 بأنها ليست سنوات كبيسة، إلا في حالة واحدة إن كان يمكن قسمتها أيضاً على 400 بدون كسور. وبهذه الطريقة أمكن استبعاد 3 سنوات كل 400 عام من التقويم اليولياني.


العمل بالتقويم الغريغوري


بعد تعديل الكنيسة الكاثوليكية للتقويم بالطريقة الغريغورية، عملت بهذا التقويم كل الدول التي كانت تقع تحت سيطرتها، بينما قاومت باقي الدول التعديل حتى بدايات القرن العشرين، لما يُحدثه من فوضى في ترتيب الأيام والأعياد والمناسبات.

لكن الكنائس القبطية والرومية والأرثوذكسية الشرقية تمسكت بالتقويم اليولياني لأعيادها الدينية، لذا نجد أن كل الكنائس تعترف بعيد الميلاد في 25 ديسمبر/كانون الأول، بينما تحتفل كنائس التقويم اليولياني تحتفل في 7 يناير/كانون الثاني.


التقويم الغريغوري في البلاد الإسلامية


كانت مصر من أوائل الدول التي اعتمدت التقويم الغريغوري بديلاً عن التقويم السابق، وكان ذلك عام 1875. تبعتها تركيا فاستخدمت التقويم اليولياني ولكن للسنة المالية فقط، وبدأت العدّ مع بداية التقويم الهجري لا الميلادي. خلق الاختلاف فارقاً في عدد أيام السنة نظراً لأن السنة الشمسية (التقويم اليولياني) أطول من السنة القمرية (التقويم الهجري). ثم غيرت تركيا تقويم السنة المالية إلى الغريغوري في عام 1917، ثم التقويم الرسمي العام 1926.

إلا أن أغلب الدول الإسلامية لم تتعرض لخلل في أيام الأسبوع عند التحويل إلى التقويم الغريغوري، لأنها لم تُضطر إلى حذف أيام من السنة، كما أنها لم تؤثر على تواريخ الأعياد الدينية لكونها تعتمد على التقويم القمري (الهجري).

ومن جهة أخرى تسببت في مشاكل من نوعٍ آخر، تمثلت في رواتب الموظفين والأمور الاقتصادية بشكل أكبر، مثلما حدث في المملكة العربية السعودية عندما قررت أخيراً في أكتوبر/تشرين الأول من العام الحالي 2016 اعتماد التقويم الميلادي في المعاملات الرسمية.

وما زالت محاولات علماء الفلك مستمرة لخفض نسبة الخطأ، وتقديم المزيد من الاقتراحات كإضافة بعض الأيام الزائدة كل 4000 عام عن طريق زيادة عدد السنوات الكبيسة، ولكن حتى الآن لم يتم اعتماد أي من هذه الاقتراحات بعد التعديل الغريغوري.