30 عاماً من الفشل الأميركي في الشرق الأوسط.. تساؤلات مربكة ومحبطة حول استراتيجية واشنطن بالمنطقة

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

ما الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط؟ وكيف قامت واشنطن بتحديد هذه الأهداف وسعت لتحقيقها على مدى العقود الثلاثة الماضية؟ ما المعايير التي يمكن من خلالها تقييم النجاح؟ وهل نحن اليوم أفضل حال مما كنا عليه قبل 15 أو 20 سنة؟

بالنسبة لأندرو باسيفيتش، العقيد المتقاعد من الجيش الأميركي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بوسطن، فإن الإجابة عن هذه الأسئلة مربكة في أحسن الحالات، ومثيرة للإحباط في أسوئها، وفق تقرير نشره موقع Vox الأميركي.

يعد باسيفيتش واحداً من أكبر النقاد للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، وقد ألف العديد من الكتب، على غرار كتاب "حدود القوة" وكتاب "الحرب الطويلة"، التي توثّق في مجملها تورّط الولايات المتحدة واضطرابها في الخارج. وفي كتابه الأخير الذي جاء بعنوان "حرب الولايات المتحدة من أجل شرق أوسط كبير"، قدم باسيفيتش نظرة شاملة حول السياسات الأميركية في الشرق الأوسط منذ إدارة الرئيس جيمي كارتر.

وفي الواقع، ينطلق هذا الكتاب من فترة إدارة الرئيس كارتر لأن هنالك حدثين في سنة 1979 حددا مسار أميركا في الشرق الأوسط حتى وقتنا الحالي؛ هذان الحدثان هما: الثورة الإيرانية والغزو السوفييتي لأفغانستان. وقد أدى هذان الحدثان لتشكيل قناعة لدى الزعماء السياسيين الأميركيين مفادها أن النفوذ الأميركي في الخليج العربي الغني بالنفط، الذي يعد أمراً لا تنازل عنه بالنسبة لهم، هو مكسب يجب العمل على حمايته بكل الطرق.

وعلى الرغم من أنه كان يبدو ضعيفاً في ذلك الوقت، إلا أن الرئيس كارتر عمل على تبني سياسة القوة، معلناً أن الخليج العربي يمثل مسألة أمن قومي ومصلحة حيوية بالنسبة لأميركا. وكل رئيس جاء بعد كارتر، كل بطريقته الخاصة، حافظ على هذه القناعة. كما أن الكثير من التحركات الأميركية التي جاءت نتيجة لهذه الفكرة في منطقة الشرق الأوسط، كانت تهدف للمحافظة على هذا المعقل الاستراتيجي.

ويبدو تشخيص باسيفيتش للمشروع الأميركي في المنطقة خلال العقود الماضية قاسياً جداً، حيث يقول إنه "كأميركي يهتم بشكل كبير بمصير بلده، يتوجب عليّ القول بكل صراحة إن هذه الحرب الدائرة، التي دخلت عقدها الرابع، لم ننجح إلى حد الآن في الظفر بها. نحن لسنا بصدد تحقيق الانتصار، والمشكلة هي أن القيام بالمزيد من المحاولات لن يؤدي على الأرجح لأية نتائج أفضل".

هذه "الحرب الدائرة"، كما وصفها باسيفيتش في مقدمة كتابه، تجسد المساعي الأميركية المحمومة لفرض إرادتها على منطقة الشرق الأوسط، واستعمال قوتها الغاشمة للتحكم في الأوضاع المنطقة وتغيير مجرى التاريخ لفائدتها. وكان هنالك اعتقاد شائع بأن أميركا، حتى وإن لم تقم بإعادة تشكيل المنطقة بحسب نظرتها الخاصة، فهي تستطيع على الأقل تغييرها لتكون أكثر تلاؤماً مع المصالح الأميركية. ولكن في النهاية ما حصلنا عليه كان فقط المزيد من المشاكل الأمنية، والتدخلات العسكرية غير المثمرة، فضلاً عن منطقة تغرق بشكل مستمر في الفوضى. وبالنسبة لباسيفيتش، فإن العقيدة العسكرية الأميركية يغذيها افتراض خاطئ بشأن قدرات ومدى فعالية القوة العسكرية؛ حيث إن الافتراض بأن القوة إذا تم استعمالها بالشكل الكافي ستمكن من تحقيق الأهداف السياسية المرغوبة على مستوى العالم، هو اعتقاد خاطئ وخطير، بحسب باسيفيتش الذي يرى أن القائمين على السياسة الخارجية الأميركية غير قادرين على تغييره.

لقد جلست مع باسيفيتش في بداية هذا الأسبوع للحديث حول كتابه، والانتقادات التي يوجهها لسياسة التدخل الأميركية في الخارج، وتقييمه العام للسياسة الخارجية الأميركية على مدى العقود الثلاثة الماضية.

شون إيلينغ:

تقوم الأطروحة الأساسية في كتابك على فكرة أن الولايات المتحدة خاضت ما يصل إلى 35 سنة من الحروب في الشرق الأوسط الكبير. فما أسباب هذه الحرب؟ ولماذا لسنا بصدد الفوز فيها؟

أندرو باسيفيتش:
كانت هذه الحرب في الظاهر من أجل النفط. وما أشعل فتيل الحرب في الشرق الأوسط الكبير كان حدثين اثنين وقعا في سنة 1979؛ يتمثل الحدث الأول في الثورة الإيرانية فضلاً عن إقامة جمهورية إسلامية اتخذت مباشرة موقفاً معادياً للولايات المتحدة. أما الحدث الثاني فيتعلق بالغزو السوفييتي لأفغانستان في كانون الأول/ديسمبر سنة 1979.

وتجدر الإشارة إلى أن هذين الحدثين الهامان أوحيا للزعماء السياسيين الأميركيين بأن النفوذ الأميركي في الخليج العربي أصبح على المحك، وفي ذلك الوقت كان الجميع يعتقد أن مستقبل ازدهار الولايات المتحدة ورخائها مرتبط بشكل مباشر بضمان سيطرتها على نفط الخليج.

كما كان هنالك عامل إضافي مرتبط بالأوضاع الداخلية، يتعلق بضعف جيمي كارتر وهشاشة شخصيته. فمع نهاية ذلك العام، أي بين سنتي 1979 و1980، كان كارتر يُنظر إليه كرئيس ضعيف، ولذلك كان بحاجة لتقديم عروض قوة وإظهار صرامته. وعندما عرض هذا الرئيس مقاربته الجديدة التي عرفت باسم "عقيدة كارتر" في 1980 فيما تبين لاحقاً أنه آخر خطاب سنوي له حول حالة الاتحاد، كان كارتر يسعى لتقديم عرض يثبت من خلاله قوته، وكان أيضا بصدد رسم خط فاصل يعلن من خلاله أن الخليج العربي أصبح الآن منطقة سيقاتل الأمريكيون من أجلها، باعتبارها مسألة حيوية للمصلحة القومية الأميركية.

في المقابل، أعتقد أنه من المهم أن نفهم رغم هذا التقييم، أن هذه الحرب التي بدأت من أجل النفط، تغيرت مع الوقت وأصبحت أكبر من ذلك. وعلى الرغم من أننا لم نعد بحاجة إلى نفط الخليج، إلا أن مصالحنا الكبرى لا تزال قائمة، وأنا أعتقد أن أهم تفسير لتواصل هذه السياسة في الشرق الأوسط هو أن الحرب من أجل "الشرق الأوسط الكبير" أصبحت حرباً لإثبات كوننا شعباً لا يعترف بالحدود وأمة تستطيع تجاوز كل الصعاب. ولكننا في الواقع لسنا شعبا لا يعترف بالحدود ولسنا أمة تستطيع تجاوز كل الصعاب.

لكن فكرة كون الولايات المتحدة قد فشلت في سياستها الخارجية في هذه المنطقة، تطرح علامات استفهام كبيرة حول هذا الاعتقاد.

d

شون إيلينغ:
هل يعني ذلك أننا بصدد خسارة الحرب لأن هذه الحرب في حد ذاتها كانت مبنية على اعتقادات خاطئة، مفادها أن القوة العسكرية الأميركية لا حدود لها من حيث القدرة على تغيير الواقع في الخارج.

أندرو باسيفيتش:
نعم، ربما يمكنني إعادة صياغة هذا التعبير بشكل مختلف قليلاً: لقد أصبحت الحرب غير قابلة للظفر بها وانحرفت عن مسارها، نظراً لأنها حرب تهدف لفرض العقيدة التوسعية الأميركية، وبالطبع هذه العقيدة هي التي يتبناها جميع الأميركيين في واشنطن ويلتزمون بها.

شون إيلينغ:
ومن المثير للاهتمام أن هذا الفشل تورّط فيه كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فكل الرؤساء منذ كارتر، كل بطريقته الخاصة، أعاد المراهنة على نفس هذه الاستراتيجية.

أندرو باسيفيتش:
نعم بالتأكيد هذا صحيح. وأعتقد أنك قمت بتوصيف الواقع بشكل دقيق؛ فكل رئيس منذ جيمي كارتر تبنى هذه الاستراتيجية وضاعف الرهان عليها. وفي نفس السياق كل رئيس أميركي تقريباً واجه مصيره المحتوم بالفشل، فابتدع أسلوبه الخاص لخوض هذه الحرب. ولذلك فعلى مدى العقود الثلاثة أو ما يزيد، حاولنا اتباع أسلوب إلحاق "الصدمة والألم". وحاولنا القيام بالغزو والاحتلال متوقعين أننا سننجح في إعادة تشكيل المجتمعات، وحاولنا أيضا الدخول في المواجهة مع حركات التمرد والمجموعات الإرهابية، وحاولنا القيام بالحروب عبر وكلائنا، كما حاولنا أيضا تطبيق كل الطرق المتاحة لفرض القوة العسكرية. لكن على الرغم من تنوع هذه الطرق، إلا أنه من الصعب علينا وصف أي واحدة منها بأنها كانت ناجحة أو جلبت أية نتائج تذكر.

شون إيلينغ:
لقد كتبت مؤخرا في مقال لك صدر في صحيفة "ذا نايشن" أن السياسة الخارجية لأوباما حققت حصيلة متواضعة ومعقدة. فما الحصيلة التي حققها على هذا الصعيد؟

أندرو باسيفيتش:
أعتقد أنها حصيلة مختلطة، إلى حد أن الحرب من أجل الشرق الأوسط الكبير، التي ورثها عن الإدارة السابقة له، لا تزال نقطة اهتمام محورية في السياسة الأميركية، ومن الصعب علينا الادعاء بأنه قام بعمل جيد. كما يمكننا أن نعترف له بالفضل لأن أداءه لم يكن بنفس السوء الذي كان عليه سابقه، وهذا يظهر من خلال التكاليف التي تحملناها والتي كانت أقل من التكاليف التي تكبدناها تحت إدارة بوش، سواء احتسبت هذه التكاليف بمقياس الدم أو الأموال. ولكن إذا كان المقياس المعتمد هو تحقيق الأهداف السياسية، فإنه من الصعب علينا أن ندعي أن أوباما حقق أي نجاح أو تفوق على جورج بوش.

شون إيلينغ:
هل يمكنك تقديم أمثلة دقيقة حول فشل أوباما في تحقيق الأهداف السياسية المعلنة؟

أندرو باسيفيتش:
في الحقيقة، وعد أوباما عند خوضه للسباق الانتخابي بإنهاء الحرب في العراق بطريقة مسؤولة، وتعهد بكسب الحرب في أفغانستان. والآن سيغادر البيت الأبيض وهو لم يحقق أياً من هذه الوعود. ولذلك فإننا إذا ما قيمناه بحسب إدارته للحرب في الشرق الأوسط الكبير، فإنه سيحصل على علامة متدنية.

كما أن الفكرة التي أردت توضيحها في مقالي هذا هي أنه إذا تركنا جانبا هذه الأمور ونظرنا للجوانب الأخرى من سياسته الخارجية، فإن أوباما سيحصل بالتأكيد على علامة أفضل بكثير في هذا التقييم. ولكن سيتوجب علينا الانتظار قليلا لنرى كيف ستتطور الأمور مع مرور الوقت.

بالنسبة لملفات أخرى مثل اتفاق المناخ في باريس، والاتفاق النووي الإيراني واستعادة العلاقات مع كوبا، يمكن أن نعتبرها نقاطا مضيئة قد تأتي بنتائج إيجابية في المستقبل.

شون إيلينغ:
إذا كان هناك شيء ميّز السياسة الخارجية لأوباما، فهو اعتماده اللافت على القوات الخاصة والطائرات دون طيار لخوض الحرب على الإرهاب. أعتقد أن سبب ذلك واضح جداً، ولكن هل ترى أن ذلك كان خطأ؟

أندرو باسيفيتش:
نعم أنت محق، لكنني سأضيف لذلك استعمال الطائرات المقاتلة إلى جانب الطائرات دون طيار. فقد شن أوباما عدداً لا بأس به من الغارات الجوية في أماكن مثل سوريا والعراق، ولم يعتمد دائماً على الطائرات دون طيار.

وبالنسبة للسؤال حول مدى صحة هذه الاستراتيجية، أعتقد أنها كانت بالتأكيد حذرة وتهدف لخفض التكاليف لأقصى حد، وهذا شيء يجب أن نشكره عليه. ولكن ما فشل فيه في النهاية هو تقديم بدائل للسياسة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط التي باتت عقيمة باعتراف الجميع بما في ذلك أوباما.

شون إيلينغ:
قد نعتبر أن رغبته في عقد اتفاق مع إيران مثّلت بديلاً عن الحلول العسكرية.

أندرو باسيفيتش:
هذه نقطة مهمة، ولهذا أعتقد أن الاتفاق النووي الإيراني يبدو واعداً. ولكن في الظاهر يبدو أن الاتفاق كان يهدف إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي. في المقابل، أعتقد أن السبب الحقيقي أعمق من ذلك، وهو إطلاق مسار جديد لإعادة إيران إلى حظيرة المجتمع الدولي، والسماح لها بلعب دور مسؤول في السياسات الإقليمية، هذا طبعاً إذا اختارت الحكومة الإيرانية الذهاب في هذه الطريق. وهنا أؤكد مرة أخرى على أننا لا نعرف إذا ما سيكون هذا الرهان مثمراً في النهاية.

شون إيلينغ:
أنت تقر بفضل أوباما في التخلي عن الأفكار الطوباوية والخيالية التي يتبناها المحافظون الجدد، لكنك في نفس الوقت تلومه على الفشل في تقدير حدود القوة الأميركية.

أين يمكننا أن نرسم خطاً في المنتصف بين سياسة التدخل الخارجي وسياسة الانعزال؟ فأميركا ليست دكتاتورية مسيطرة على العالم، ولكن معظم الناس يرون أننا نلعب دورا متفردا في هذا العالم. هل تتعلق هذه المسألة باعتماد الأساليب الناعمة عوضا عن القوة الغاشمة؟

أندرو باسيفيتش:
أعتقد أننا لسنا مجبرين على الاختيار بين التحكم في هذا العالم أو الانعزال عنه، ولسنا مجبرين على الاختيار بين الاعتماد الكامل على القوة العسكرية أو الاعتماد على القوة الناعمة. أين هي الحلول الوسطى؟ هذا ما يجب أن نبحث عنه وهذا يعد جزء من فن إدارة الدول، إنه فن صعب جدا بالتأكيد.

شون إيلينغ:
لقد عبرت منذ قليل على هذه الفكرة بالقول أننا الآن ننتظر خليفة غير مرغوب فيه سيعوض أوباما في شهر كانون الثاني/يناير. ما الأشياء التي تثير قلقك حول السياسة الخارجية لترامب: خطابه القريب من روسيا أم خطابه العدائي تجاه الصين؟

أندرو باسيفيتش:
في الحقيقة لست متأكدا، ومن الصعب الآن فهم موقفه المتصلب تجاه مسألة السباق النووي وتغير المناخ. كما أنه من الصعب الحكم عليه في هذه المرحلة، ومن الصعب أخذ تصريحاته على محمل الجد.

فعندما يكون الشخص بصدد خوض السباق الانتخابي، يُصدر تصريحات بحسب ما تمليه عليه الظروف. حيث يقول الناس أشياء لا يقصدونها فعلا، والجميع يقولون أي شيء حتى يفوزوا في الانتخابات، ولكن الآن بعد نهاية الحملة، لا يزال ترامب يطلق تصريحات غريبة ومستهجنة، ولذلك من الصعب في هذه المرحلة الخروج باستنتاجات من وراء تصريحاته.

شون إيلينغ:
أرى أنك اطلعت على تغريدته الأخيرة خلال الأسبوع الماضي، والتي قال فيها إن على أميركا تعزيز قدراتها النووية إلى أن "يعود العالم إلى رشده".

أندرو باسيفيتش:
من يعرف ماذا يعني بهذا الكلام؟ آمل فقط أن يأخذ العالم تغريدات ترامب على أنها نوع من الدعابة، وينتظر حتى يدخل الرئيس المنتخب إلى واشنطن ونرى ما الذي سيحصل حينها. عندها سيكون لدى ترامب مستشارون ومساعدون يتحدثون بالنيابة عنه سيكون بإمكان هؤلاء تفسير ما كان يعنيه أو ما كان يجب أن يفهم من كلامه، ولكن الأسلوب المتسرع الذي يعتمده ترامب الآن يبدو بلا شك غبيا ومثيرا للقلق.

شون إيلينغ:
يبدو ترامب كسياسي هاوٍ لا يملك أية رؤية محددة للملفات الجغراسياسية، فمن الذي سيحدد سياسته الخارجية؟ وهل يمكننا توقع ما ستكون عليه هذه السياسة؟

أندرو باسيفيتش:
لذلك نحن نتابع بكل اهتمام طريقة تشكيل دائرة المقربين من الرئيس، فعندما نرى أن الجنرال المتقاعد مايكل فلين سيكون مستشاره للأمن القومي، لا يمكننا أن نشعر بالارتياح. فالجنرال فلين شخص متشدد ومصاب بالإسلاموفوبيا، لدرجة أنه يتبنى نظرة مفادها أن هذا العالم مليء بالمخاطر والأعداء، وأن "الولايات المتحدة مطالبة بمضاعفة جهودها لمحاربة الوحوش".

وفي المقابل، شاهدنا تعيينات أخرى على رأس وزارتي الدفاع والخارجية، وهؤلاء المعنيون يبدون كأشخاص يستحقون الثقة. ولكن ما هي نواياهم؟ بصراحة لا أرى أن المؤشرات تبشّر بخير، خاصة تعيين رئيس تنفيذي لشركة نفطية عملاقة على رأس وزارة الخارجية.

من جهة أخرى، يبدو الجنرال المتقاعد من البحرية جايمس ماتيس في كل الأحوال كشخص يحظى بالاحترام داخل الجيش، وهو رجل ذكي، وعلى عكس ترامب فهو يقرأ الكتب ويأخذ الأفكار على محمل الجد. ولكن ما الذي يعنيه أن يكون المسؤول عن وزارة الدفاع جنرالاً يحمل أربع نجمات على كتفه وقضى 15 سنة في إدارة الحروب؟
لا يمكننا التنبؤ بأي شيء.

شون إيلينغ:
دعني أسألك بشكل أكثر تحديدا حول الصين، هذه القوة العالمية التي لم تفصح بعد عن طموحاتها في القرن 21، كيف ترى حدود الدور الأميركي في التأثير على طريقة تفكير الصينيين؟ وما هي الآثار بعيدة المدى لذلك؟

أندرو باسيفيتش:
أنا متردد في قول هذا، بما أنني لست متخصصا في الشأن الصيني. وأنت لخصت رأيي بشكل دقيق، من خلال قولك إن السؤال المحوري هو "ما الذي تريده الصين؟" كيف يرون موقعهم مستقبلا في النظام العالمي؟ ما هي طموحاتهم؟ في تقديري هم أنفسهم لم يقرروا هذا بعد.

والجدير بالذكر أن مهمة الولايات المتحدة تتمثّل في فعل كل ما بوسعها لتجعل من صعود الصين لمصافّ الدول العظمى أقل ضرراً لمصالحها. يجب أن لا نحرم الصين من الاحترام الذي تتوقعه هي منا كقوة عظمى، ونجد طريقة لتتأقلم طموحاتنا مع طموحاتها وطموحات اليابان وكوريا الجنوبية ومجموعة من الدول الأخرى.

d

شون إيلينغ:
لقد شارف الوقت على الانتهاء، لذلك أود أن أسمع توقعاتك بشكل عام حول ما تسير إليه الأمور، إذ يبدو أن النظام العالمي الذي تم ترسيخه بعد نهاية الحرب الباردة يتآكل شيئاً فشيئاً.
إلى أين يجعلنا نسير؟ هل نحن إزاء نظام عالمي ثنائي القطبية أم متعدد الأقطاب أم أن الأمر يتعدّى ذلك؟

أندرو باسيفيتش:
أعتقد أننا نسير نحو عالم متعدد الأقطاب. سنحافظ على مكانتنا باعتبارنا اللاعب الأكثر أهمية وقوة على الصعيد الدولي، ولكن القواعد التي تم وضعها مع نهاية الحرب الباردة حول عالم أحادي القطبية تحكمه قوة عالمية واحدة مسيطرة أصبحت الآن أمراً مذموماً، وهذا موقف مفهوم.

إن ما نراه الآن هو نظام عالمي سيكون فيه عدد من اللاعبين الكبار، وسيتوجب أخذ مشاغل ومخاوف كل هؤلاء اللاعبين بعين الاعتبار. من جهة، توجد الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي، واليابان، وروسيا، ومن جهة أخرى توجد عدد من الدول الأخرى ذات الدور الأقل أهمية على غرار تركيا وكوريا الجنوبية.

ولذلك فإن التحدي الذي نواجهه يتمثل في التوصل لطريقة ما للمحافظة على نوع من التوازن والاستقرار، وكيف يمكن جعل هذه القوى تتعامل بشكل إيجابي فيما بينها. كما يجب أن يكون التعايش المشترك هو هدفنا، ليس فقط الشعارات الجوفاء مثل "السلام على الأرض" و"النوايا الطيبة تجاه الإنسان"، التسامح والتعايش المشترك يجب أن يكون هدفاً واقعياً.

سيكون هذا تحدياً كبيراً، ولكن هذا هو التحدي الذي يجب على المجتمع الدولي مواجهته.

هذا الموضوع مترجم عن موقع Vox الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.