هكذا جعل ترامب عمليات القرصنة الروسية على الانتخابات الرئاسية أكثر نجاحاً

تم النشر: تم التحديث:
S
ص

تحولت الوثائق المسربة حول هيلاري كلينتون من مجرد وثائق عادية حول مرشحة في الانتخابات الأميركية، إلى فضيحة من العيار الثقيل بسبب الاستغلال المُبالَغ فيه من قبل دونالد ترامب.

ولا زال الموالون للمرشح الجمهوري السابق، والرئيس الأميركي الجديد، يصرّون على وجود "محاولة لنزع الشرعية من دونالد ترامب"، في كل مرّة تطفو فيها على السطح معلومات جديدة حول الدعم الذي تلقّاه ترامب من طرف أجهزة المخابرات الروسية لتشويه صورة هيلاري كلينتون خلال الحملة الانتخابية. وهو نفس الادعاء الذي سمعناه مرة أخرى يوم الخميس الماضي، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة The Atlantic الأميركية.

من جهة أخرى، إذا كان الموالون لترامب يعتقدون أن هذه المعلومات قد تؤثر سلباً على شرعيته، فهُم على حق في ذلك تماماً، فالرئيس الأميركي المنتخب لم يكن ليفوز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة دون ممارسة بعض النشاطات السرية، بمساعدة أجهزة مخابرات أجنبية معادية. ولذلك، من المُستبعد تخيّل سبب آخر أكثر إقناعاً يمكن أن يؤدي إلى أزمة شرعية.

وفي الحقيقة، إن تأثير هذه المعطيات على شرعية دونالد ترامب، يتضمن أسباباً كافية تدفعنا للتطرق إليها وتحليلها، أكثر مما يتضمن أسباباً قد تمنعنا من الحديث عنها باعتبارها مجرد إشاعات أو تهم.


لعبة خطرة


وعموماً، كان بوتين يشارك في لعبة خطيرة من خلال التدخل في الانتخابات الأميركية. وإذا كانت الانتخابات الرئاسية قد شهدت منعرجاً حاسماً في بداية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، فإن بوتين كان يخاطر بخسارة المعركة، التي قد تضعه في النهاية في مواجهة هيلاري كلينتون في حال وصولها إلى البيت الأبيض.

وتجدر الإشارة إلى أن بوتين أقحم نفسه في معركة الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة، عندما قرر دعم دونالد ترامب في مواجهة هيلاري كلينتون، موظفاً في ذلك كل إمكانيات التجسس والتضليل لصالح المرشح الجمهوري، وهو ما لم يجرؤ أي رجل من القادة السوفييت على القيام به في الماضي.

كما أن استحضار كلمة "السرية" لوصف الإجراءات التي اتخذها بوتين بهدف دعم المرشح الجمهوري، يلخص طبيعة الجدل القائم اليوم. وفي الحقيقة، تميل كل حكومات العالم إلى دعم مرشحين بعينهم خلال الانتخابات.

ولا يخفى على أحد أن كلاً من ألمانيا وفرنسا تمنّتا خسارة جورج بوش في الانتخابات الرئاسية في سنة 2004، أو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تمنى خسارة أوباما في الانتخابات الرئاسية في سنة 2012.

ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تعلن بعض الأطراف الحكومية حول العالم تخوفها أو دعمها لمرشح بعينه عن طريق وسائل قانونية وتقليدية تعارفت كل الدول على اللجوء إليها. أما أن تقوم إحدى الدول بتسخير إمكانياتها الاستخباراتية والتقنية لخرق القانون في ذلك البلد من أجل دعم مرشح ما في مواجهة مرشح آخر، ثم أن يتمكن ذلك المرشح من الفوز بالانتخابات، فهو أمر لا يمكن أن تقوم به سوى روسيا.

من جهة أخرى، تعهد أوباما أمام الشعب الأميركي بالكشف عن ملابسات هذه القضية، قبل أن يغادر البيت الأبيض نهائياً، وهو ما يجب أن نأخذه بعين الاعتبار إلى جانب ما كشفت عنه آلاف رسائل البريد الإلكتروني التي قامت روسيا باختراقها وتسريبها، والتي تضمن بعضها أدلة حول وقوف هيلاري كلينتون إلى جانب مجموعة معينة من المديرين التنفيذيين في وول ستريت.


"مرشح ديمقراطي مدى الحياة"



أما المعطى الأهم الذي كشفت عنه هذه الوثائق فقد تمثل في تأكيد اللجنة الوطنية الديمقراطية على دعمها لمرشح "ديمقراطي مدى الحياة"، على حساب مرشح اشتراكي دخيل انضمّ إلى الحزب دفاعاً عن مصالحه الضيقة.
ومن جانب آخر، كشفت نفس الوثائق عن اختلاف بعض الديمقراطيين، ومن بينهم تشيلسي كلينتون، ابنة هيلاري حول التجاوزات الأخلاقية لبعض المسؤولين في الدائرة المقربة من بيل كلينتون.

وبالإضافة إلى ذلك، بيّنت الوثائق أن هيلاري كلينتون تحاول التمييز بين مواقفها "الشخصية والعامة" فيما يتعلق ببعض القضايا. وعموماً، لا شيء من بين هذه المعلومات قد قارب تشخيص دونالد ترامب لقضية الوثائق المسربة التي كشفت عنها ويكيليكس.

وقد جاء في مقتطف من نص نشره الموقع الرسمي لحملة ترامب الانتخابية أن "هذه التسريبات التي قدمهتا ويكيليكس تثبت للحاضرين معنا اليوم أن هيلاري كلينتون تمثل منظمة عالمية فاسدة تغرق بلادنا وتهدد سيادتنا. وإن هذه الحكومة الإجرامية الفاسدة لا تعترف بالحدود، بل تؤمن بالحكم العالمي، والهجرة غير المحدودة، ونفوذ الشركات".

ويضيف البيان أنه "كلما سرّب ويكيليكس وثائق أكثر، إلا واتضحت لنا طبيعة العلاقة المشبوهة بين منظمة كلينتون، ووزارة الخارجية والتمويلات الخاصة بهيلاري. إذاً؟ متى يمكننا الاعتراف بأن هيلاري كلينتون هي أكثر المرشحين الرئاسيين فساداً على الإطلاق؟".

لم تكن المواد التي نشرتها ويكيلكس حول هيلاري كلينتون لتكتسي تلك الأهمية، لولا المغالطات وسوء توظيف دونالد ترامب لها. وفي الحقيقة، إن التسريبات الأخيرة كان لها تأثير كبير، فقط لأن دونالد ترامب كان على استعداد لمساعدة روسيا في تسليط الضوء عليها.

وفي المقابل، لا زالت هناك تساؤلات حول الوسائل التي استعانت بها روسيا في القيام بعملية الاختراق والتسريب، ويشمل ذلك الدوافع الخفية التي كانت تحرك بوتين. ومن جهة أخرى فقد تبنى دونالد ترامب مواقف مماثلة لمواقف بوتين فيما يتعلق بقضايا رئيسية، مثل الناتو، وسوريا، وشبه جزيرة القرم، والاتحاد الأوروبي.

وتجدر الإشارة إلى أن الغموض لا زال يميز طبيعة العلاقة بين دونالد ترامب وروسيا، ما يجعلنا بعيدين عن التعرف على الأسباب الحقيقية التي دفعت المرشح الجمهوري للارتماء في أحضان روسيا. لكن من مصلحة ترامب أن يتم تأويل القضية باعتبارها محاولة للمسّ بشرعية الرئيس الأميركي القادم، خاصة أن الأسباب الحقيقة قد تكون أكثر سوءاً.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Atlantic الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.