"ترك حل الدولتين يتلاشى من التاريخ".. هل جاءت تحركات أوباما في الشرق الأوسط متأخرة للغاية؟

تم النشر: تم التحديث:
H
ه

يبدو أن الربيع العربي وإسقاط الأنظمة والحروب التي أعقبته في ليبيا وسوريا أعطت البيت الأبيض ووزارة الخارجية أشياء أكثر إلحاحاً للتفكير فيها عوضاً عن عملية السلام" العربية الإسرائيلية.

وكذلك فإن سعي أوباما إلى إبرام الاتفاقية النووية الإيرانية قد عمّق من العداوة بينه وبين نتنياهو.

لكن الخطاب الأخير لوزير الخارجية الأميركي جون كيري والذي تناول الوضع بين الفلسطسنيين والإسرائيليين كان طويلاً، وعاطفياً في مواطن كثيرة، حيث تواجدت إداناته القوية ومخاوفه العميقة بشكلٍ واضح. ونادراً ما تحدث مسؤول أميركي بمثل هذا الوضوح وهذه الحمية.

وقد كتب بول آدامز، مراسل وحدة شؤون العالم في هيئة الإذاعة البريطانية BBC، المتمركزة في لندن. والذي خدم سابقاً في منصب مراسل شؤون العالم في لندن، قبل انتقاله إلى واشنطن، مقالاً حول تحركات الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري في الشرق الأوسط قبيل انتهاء ترك منصبيهما.


نص المقال


لماذا الآن؟ ما الذي تهدف إليه إدارة أوباما؟ أليس كل هذا أقل من اللازم، ومتأخر أكثر من اللازم؟

لقد حكّ الكثيرون رؤوسهم منذ اتخاذ الولايات المتّحدة الخطوة غير المعتادة بالسماح بتمرير قرارٍ يدين سياسات الاستيطان الإسرائيلية أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الأسبوع الماضي.

ومنذ خطاب جون كيري الأربعاء الماضي، وقد انتقد معارضو أوباما الرئيس ووزارة خارجيته على ما يرونه خيانة لا مبرر لها.

إيليوت أبرامز، الدبلوماسي الأميركي السابق، الذي يكتب في صحيفة "ويكلي ستاندارد" المحافظة، نعت الخطاب بأنه "آخر دفاعات سياسية لم تحقق شيئاً إلا الإضرار بالعلاقات الثنائية".

أشار آخرون إلى أنه بينما لم يكن هناك أي شيءٍ جديد في الحلول التي اقترحها كيري - أي شخصٍ على دراية بعقود الدبلوماسية العربية الإسرائيلية الأخيرة سيكون قد أدرك المعادلات الثابتة بشأن المستوطنات والقدس واللاجئين.. إلخ، فإن التوقيت هو ما جعل الفعل كله غير ذي جدوى.

في صحيفة Times of Israel، قال الصحفي آفي إيساشاروف إن كيري قد أسّس مبادئ "يعرف أي شخصٍ عقلاني أنها ستشكل أساس أي مفاوضات مستقبلية بين الأطراف المعنية".


"يتلاشى من التاريخ"


لكن باعتباره شخصاً كان قد رحّب بالمجهودات المبكرة لإدارة أوباما بهدف الوصول إلى حل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، قال إيساشاروف إن كيري وأوباما قد تركا حل الدولتين "يتلاشى من التاريخ".

كتب إيساشاروف "ربما كان بنيامين نتنياهو هو من كسر حماسه. وربما (الرئيس الفلسطيني) عباس. ربما كلاهما. لكن كيري والحكومة الأميركية رفعا العلم الأبيض"، مركزين بدلاً من ذلك على تأمين اتفاقية نووية مع إيران.

صحيحٌ بالتأكيد أن جهود الرئيس أوباما المكثفة آلت إلى لا شيء. ويبدو على الأرجح أن علاقته المسممة بالقائد الإسرائيلي كانت أحد العوامل.

لكن في الحقيقة، لقد كانت "عملية السلام" العربية الإسرائيلية تحتضر لأعوام قبل تولي باراك أوباما الرئاسة.

كان الأمر يتطلب معجزة ما لإحيائها.

بدا كذلك أن الربيع العربي، وإسقاط الأنظمة والحروب التي أعقبته في ليبيا وسوريا قد أعطت البيت الأبيض ووزارة الخارجية أشياء أكثر إلحاحاً للتفكير فيها.

أيضاً فإن سعي أوباما إلى إبرام الاتفاقية النووية الإيرانية قد عمّق من العداوة بينه وبين نتنياهو.

لم يبدُ أن الصراع العربي الإسرائيلي يُفضي إلى أي شيء. كان هناك عنف بالطبع - في النزاع بين إسرائيل وقطاع غزة في صيف 2014، و"انتفاضة السكاكين" التي بدأت في أواخر 2015 وامتدّت إلى العام الحالي.

لكن مع اشتغال رقعة أوسع من الشرق الأوسط، لم يبدُ هذا أكثر من الأعراض الأخيرة لنمطٍ مألوف أكثر من اللازم.

إلا أن الواقع على الأرض، كما أشار جون كيري، استمرّ في التدهور بخطى ثابتة.

وما قد يبدو على أنه مجرد المزيد من الأمور نفسها - العنف، والتحريض والتوسّع في بناء المستوطنات اليهودية على الأراضي المحتلة، يدفن في الحقيقة كل آفاق التفاوض على تسوية، ومعها حل الدولتين.

قال كيري: "الوضع الحالي يقود إلى دولة واحدة واحتلال لا نهاية له".

كان خطاب السيد كيري طويلاً، وعاطفياً في مواطن كثيرة. إداناته القوية - ومخاوفه العميقة - تواجدت بشكلٍ واضح. نادراً ما تحدث مسؤول أميركي بمثل هذا الوضوح وهذه الحمية.

وماذا في هذا؟

مع بقاء ثلاثة أسابيع فقط على رحيل باراك أوباما عن السلطة، وتولي رئيس منتخب موالٍ لإسرائيل بقوة يُلاحق كل أفعاله (غالباً عبر تويتر)، ما الهدف من مجرد شجب العالم لما هو عليه؟ بعد أعوامٍ من عدم فعل شيء، هل يُحتمل أن يتمخض لهذا التدخل المتأخر عن أي نفع؟

يشعر الرؤساء الراحلون أحياناً بالحاجة إلى تسوية المماطلة العربية الإسرائيلية قبل التنحي وتسليم مفاتيح البيت الأبيض إلى خلفائهم.

فعلها بيل كلينتون في ديسمبر/كانون الأول من عام 2000، معلناً عن مجموعة من "المعايير"، مشابهة في اللهجة للمبادئ التي أوجزها كيري في نهاية خطابه، وإنما أكثر تفصيلاً.

استتبع هذه المعايير، في أواخر يناير/كانون الثاني من عام 2001، قمة طابا التي قربت المفاوضين الإسرائيليين والفلسطينيين من الوصول إلى اتفاقية أكثر من أي وقتٍ مضى.

لكن رحيل بيل كلينتون عن السلطة تبعه، خلال أسابيع، هزيمة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في الانتخابات.

ومع اشتغال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وتولي قائدٍ إسرائيلي أكثر ولعاً بالقتال، وهو آرييل شارون، نُسي اتفاق طابا سريعاً، وهو لمحة مغرية عمّا كان يمكن أن يتحقق.

ويتصادف أن مؤتمر سلام يلوح في الأفق هذه المرة أيضاً.

سيلتقي ممثلون من عشرات البلدان في باريس في منتصف يناير/كانون الثاني، وهناك إشارات إلى أن الاتفاقيات التي سيتم التوصل إليها هناك ستجد طريقها إلى قرارٍ آخر للأمم المتحدة قبل تولي دونالد ترامب الرئاسة.

لكن النُّذر ليست جيدة. قمة طابا كانت كل شيءٍ لن تكونه قمة باريس: كانت حميمية، ومفصّلة.

مع انتهاء محادثات طابا، أخبرني مسؤول فلسطيني رفيع المستوى بأن جانبه للمرة الأولى يرى ملامح دولة مستقبلية فاعلة.

هل يمكن لمحادثات باريس أن تتمخض عن مخطط ما، يتبعه ختم دولي بالموافقة من الأمم المتّحدة؟

يُحتمل، لكن مع قول دونالد ترامب لإسرائيل بأن "تبقى قوية"، ووعده بدعمٍ أكثر قوة بكثير لرئيس الوزراء نتنياهو، فإن أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل قد تقرر ببساطة عدم فعل شيء، والانتظار حتى انتهاء العاصفة.

هذا الموضوع مترجم عن موقع BBC. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.