"نطارد الإخوان والشيوعيين".. تعديلات قوانين القضاء في مصر تهدِّد بإنهاء شهر العسل بين القضاة والنظام

تم النشر: تم التحديث:
ASFF
sm

تتجمع في الأفق سُحب أزمة جديدة بين البرلمان والسلطة في مصر من جهة، والقضاة من جهة ثانية، بسبب مشروع قانون لتعديل قوانين السلطة القضائية، تقدم به أحد النواب.

التعديل الذي سيلحق بقوانين السلطة القضائية ومجلس الدولة وهيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية، يسمح لرئيس الجمهورية باختيار رئيس محكمة النقض من بين ثلاثة نواب يرشحهم مجلس القضاء الأعلى، واختيار رئيس مجلس الدولة من بين ثلاثة نواب ترشحهم الجمعية العمومية للمجلس، كما يسمح التعديل للرئيس باختيار رئيسي النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة من بين ثلاثة مرشحين من المجالس العليا للهيئتين، كل على حدة.

ومجلس الدولة، هو أحد الأعمدة الثلاثة التي تشكل السلطة القضائية في مصر، مع "الدستورية العليا"، ومحكمة النقض"، والذي يختص (عبر المحكمة الإدارية العليا) بالفصل في المنازعات الإدارية التي تثور بين الأفراد والجهات الرسمية في الدولة، ويختص بإلغاء قرارات تصدرها الحكومة.


بداية الأزمة


في أعقاب تقدم وكيل اللجنة التشريعية في مجلس النواب النائب أحمد الشريف بمشروع القانون الذي يعطي الرئيس حق تعيين القضاة، شهدت الساحة القضائية المصرية جدلاً ورفضاً من البعض لمشروع القانون على خلفية وجود نصٍّ واضح في قانون مجلس الدولة ينظم آلية اختيار رئيس مجلس الدولة منذ إنشائه، حيث ترشح الجمعية العمومية أقدم أعضائها ويعينه الرئيس مباشرة.

وأصدر نادي القضاة بيانًا السبت الماضي ، يرفض فيه التعديل المقترح، ووصفه بـ "الاعتداء على استقلال القضاء لمساسه بالثوابت القضائية المستقرة"، وأكد أن "طريقة تعيين رؤساء الهيئات القضائية هي من صميم استقلال القضاء"، والتقى أعضاء النادي بأعضاء مجلس القضاء الأعلى أمس الثلاثاء لبحث أزمة القانون المعدل.

وفي حين عقد البرلمان جلسة مساء الأحد الماضي لبدء مناقشة القانون، وأرسل نسخة منه إلى خمس هيئات قضائية كبرى، عقد قضاة مجلس الدولة اجتماعاً الثلاثاء مع أعضاء مجلس القضاء الأعلى لبحث الرد على هذا القانون وبيان أسباب رفضه، فيما هددت هيئات قضائية بعقد جمعيات عمومية للحشد ضد القانون.

ويتعارض القانون الذي تقدم به عضو البرلمان، "أحمد حلمي الشريف" مع العرف القضائي المستقر كقانون، والقائم على اختيار مجلس القضاء الأعلى أقدم القضاة ليكون رئيساً لمحكمة النقض، واختيار الجمعية العمومية لمجلس الدولة أقدم النواب ليصبح رئيساً له، واختيار مجالس النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة أقدم أعضائها ليكون رئيساً لها، ويقتصر دور الرئيس في كل حالة على ثم إصدار قرار جمهوري بتعيين كل رئيس هيئة قضائية، بحسب المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة السابق.


استبعاد أي قاض له ميول سياسية


"هدف القانون هو أن يختار الرئيس، القاضي المناسب من الثلاثة اختيارات التي تعرضها عليه كل هيئة قضائية، فلا يعقل أن يكون في هذا المنصب أي إخواني أو يساري أو من له هوى أو أي انتماء سياسي معين".

هكذا يقر النائب أحمد حلمي الشريف، وكيل لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، بالهدف الحقيقي من تقدمه بمشروع القانون مع 60 آخرين من النواب، الذي يسمح بالتعيين وإلغاء قاعدة "الأقدمية" في تولي رئاسة الهيئات القضائية.

وبرر النائب "الشريف"، في بداية حديثه، لـ"هافنغتون بوست عربي" السعي إلى "تعيين" الرئيس لرؤساء الهيئات القضائية، بدلاً عن النظام الحالي عبر اختيار "أقدم القضاة" لرئاسة كل هيئة قضائية، بقوله إن "نظام الأقدمية يحمل القاضي أعباء كثيرة وهو في سن كبيرة، وحالة صحية غير ملائمة بعدما أصبح سن تقاعد القضاة سبعين عاماً".

وعندما سألته "هافينغتون بوست عربي": "ولماذا لا ينظم القانون الموقف إذا كان الهدف هو منع وصول "غير القادرين صحياً"، بدلاً من تدخل الرئيس بالتعيين وتحول سلطة تعيين القضاة للسلطة التنفيذية؟، قال النائب: "بهذه الطريقة فإنه يمكن التثبت من صلاحية المرشحين الثلاثة من خلال التحريات".

وتابع: إن الدستور أباح أخذ رأي السلطات القضائية في التعيين "كرأي استشاري غير ملزم"، ولكن هذا التعديل يعطيهم "حق" ترشيح ثلاثة من قضاة كل هيئة، ليختار من بينهم الرئيس واحداً، بينما كان ممكناً للرئيس عدم الأخذ برأيهم الاستشاري، وتعيين من يرى".


القانون يخالف الدستور


"القانون مخالف للدستور الذي ينص صراحة على استقلال الهيئات القضائية، ويعد انتهاكاً واعتداءً على السلطة القضائية، ويسعى لتسييسها وتطويعها لخدمة قضايا بعينها تخدم مصالح الدولة"، هكذا يرى المستشار "محمد حامد الجمل" رئيس مجلس الدولة سابقاً، هذا التعديل القانوني.

ويضيف لـ "هافينغتون بوست عربي": "هذا التعديل يجعل السلطات مطلقة بيد رئيس الجمهورية، ويجعل السلطتين القضائية والتنفيذية تتصارعان، وأن تغتصب الأخيرة حق الأولى الذي أقره الدستور والقانون".

وحول توقيت ظهور القانون، وحقيقة علاقته بالحكم الذي أصدرته المحكمة حول تيران وصنافير، قال المستشار "الجمل": "بالطبع هناك قضايا عدة أصدر فيها مجلس الدولة أحكاماً، تسببت في أزمات للسلطة، على رأسها الحكم بمصرية تيران وصنافير، وأيضاً الحكم بحبس نقيب الصحفيين وعضوي النقابة والذي أثار غضبة الرأي العام مما يستوجب بطلانه بالنقض لأنه لا يستند إلى أسانيد صحيحة".

ويتابع: "لذا رأت الدولة ممثلة في السلطة التشريعية ضرورة إبعاد كل من يخالف رغبتها في أحكام القضاء وإبعاد قاضى تيران وصنافير من منصبه ورئيس مجلس الدولة"، مؤكداً أن "القضاة سيرفضون بالطبع هذا القانون وسيقفون صفاً واحداً ضده بكل السبل المكنة".


"الأقدمية" منعت تغول السلطة التنفيذية


وحول تقليل مقدمي المشروع من أهمية "الأقدمية" في تعيين رؤساء الهيئات القضائية في مصر، واعتبارها عبئاً صحياً لكبر سن القضاة، يرى المستشار طارق البشري في تصريح لصحيفة "الشروق" أن "الأقدمية منعت تغول السلطة التنفيذية على القضائية".

ويقول إن المشكلة ليست في "الأقدمية" ولكن في "سلطة تعيين القضاة"، مؤكداً أن المشروع المقدم "يعتدى على ما نص عليه الدستور من ضمانات لاستقلال القضاء، ويهدر استقلاله".

ويشدد "البشري" على أن استقلال القضاء الذي يتحدث عنه الدستور "لا يتحقق إلا بأن يكون اختيار المناصب الرئاسية في القضاء بيد القضاة وحدهم، وليس بيد رأس السلطة التنفيذية".

وأنه "لا يجوز منح رئيس الجمهورية حق الترجيح والاختيار بين عدة مرشحين للمنصب الرئاسي القضائي، لأنه لا يجوز لرئيس الجمهورية من الأساس مشاركة الجمعية العمومية لمحكمة النقض أو لمجلس الدولة في اختيار رؤسائهم".


اختيار الرئيس "الأنسب"


بالمقابل يرى المستشار زكريا شلش رئيس محكمة الاستئناف، والمرشح السابق على رئاسة نادى القضاة أن مشروع القانون الجديد "لا يجب أن يمثل قلقاً للقضاة".

ويؤكد لـ "هافينغتون بوست عربي" أن القانون الجديد سيجعل الاختيار للأصلح، لأن الأقدمية كنظام معمول به منذ ثمانين عاماً، ليس الأنسب"، معتبراً أن "ترشيح ثلاثة لاختيار أحدهم من قبل رئيس الجمهورية لرئاسة الهيئات القضائية سيجعل المناخ متاحاً لاختيار الأفضل والأنسب وليس الذي عليه الدور في الترقية".


هل تيران وصنافير السبب؟


وأثيرت تكهنات حول أن الهدف من القانون الجديد هو استبعاد المستشار يحيى الدكروري نائب رئيس مجلس الدولة، صاحب حكم "مصرية" جزر "تيران وصنافير"، والمرشح لرئاسة مجلس الدولة كأقدم الأعضاء، بعد تقاعد الرئيس الحالي للمجلس، المستشار محمد مسعود، نهاية يونيو المقبل 2017.

ووصف مصدر قضائي لصيحفة "الوطن" لجوء مجلس النواب لتعديل قانون الهيئات القضائية جاء للرد على ما يعتبره نواب سلب "مجلس الدولة" اختصاص البرلمان بنظر، وربما تمرير، اتفاقية تيران وصنافير التي تعتبر الجزيرتين ملكية سعودية لا مصرية.

وأوضح أن "مذكرة القانون الإيضاحية كشفت الغرض الأساسي لإصداره، حيث يستهدف المستشار يحيى دكروري النائب الأول لرئيس مجلس الدولة (قاضي تيران وصنافير)، الذي يحل عليه الدور في الأقدمية ليكون رئيساً للمجلس".

وذكر المصدر القضائي أن "توقيت تقديم الاقتراح قبل موعد النطق بالحكم في قضية (تيران وصنافير) في 16 يناير يمثل تأثيراً على هيئة المحكمة الإدارية العليا، ما يمثل منعطف خطير سيؤدي إلى تصادم السلطات وليس الفصل بينها".

ونشر نشطاء سياسيون وحقوقيون تعليقات تشير لأن مقترح إدخال تعديلات على قوانين الهيئات القضائية الكبرى، يستهدف المستشار يحيى الدكروري الذي سيكون رئيس مجلس الدولة القادم، وقالوا إن السلطة ترغب في استبعاده بتعديل القانون، والانتقام منه بسبب حكمه بـ "مصرية" تيران وصنافير.

وعقب كشف الرقابة الإدارية جريمة رشوة "أحمد جمال الدين محمد إبراهيم اللبان" مدير المشتريات بمجلس الدولة، تحدثت صحف مصرية عن اتهام مسئولين بمجلس الدولة بتلقي الرشاوي بالإضافة إلى الموردين، وربط نشطاء بين هذا وبين ما أسموه "الحرب على مجلس الدولة".


هل ينتهي شهر العسل؟


ويهدد مشروع القانون الجديد بمواجهة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، قد تنهي شهر العسل بين السلطتين بعد 3 أعوام ونصف العام من تعاونهما في عزل الرئيس السابق، محمد مرسي.

ولم تشهد فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي أي شهر عسل مع القضاة، بعدما حلت المحكمة الدستورية أول برلمان منتخب بعد ثورة 2011، ثم بدأت في نظر دعوتين قضائيتين؛ اﻷولى تطالب بحل مجلس الشورى، والثانية تطعن في دستورية قانون معايير انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية لإعداد مشروع دستور جديد.

وتصاعد الصراع عقب إصدار مرسي في نوفمبر 2012، وقبل الجلسة المحددة لنظر القضيتين بعشرة أيام، إعلانًا دستوريًا تضمن تحصين أعمال الجمعية التأسيسية للدستور، ومجلس الشورى من الحل، بما يجعل حكم المحكمة بلا قيمة، فأعلنت المحاكم تعليق العمل في جميع القضايا المنظورة أمامها لأجل غير مسمى.


مبارك تراجع


وأثيرت مناقشات عديدة خلال حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، بشأن تقليص سلطة القضاء، ولكن مبارك لم يقدم على أي تعديل يغضب القضاة، في ظل انتفاضة مستمرة في نادي القضاة ضد أي تحركات للسلطة التنفيذية لتقييد عمل القضاة، وتراجع نظام مبارك أمام تهديدات القضاة.

وهدد مجلس إدارة نادي القضاة بعدم اﻹشراف على الانتخابات الرئاسية في 2005 إذا لم تتبن الدولة إصلاحات جوهرية تضمن استقلال القضاء وتعديل قانون السلطة القضائية بما يضمن هذا الاستقلال.
وأعلن نادي القضاة حينئذ رفضه لمشروع قانون جديد للسلطة القضائية أعدته الحكومة دون إشراك القضاة.


عبد الناصر والسادات والقضاة


وتكررت صدامات السلطة التنفيذية والتشريعية في عهدي الرئيسين الراحلين عبد الناصر والسادات، أيضاً، حيث سعى النظامان لأسلوب السيطرة المباشرة والالتفاف على الهيئات القضائية، وتقريب قضاة من السلطة وتعيينهم في مناصب تنفيذية.

ووقعت مواجهة سابقة بين نظام عبد الناصر و"مجلس الدولة"، الذي كان يرأسه المستشار عبد الرازق السنهوري حينئذ، والذي هو نفسه مصدر الأزمة الحالية مع نظام السيسي.

وفي عام 1955، صدرت قوانين حكومية، أعادت تشكيل مجلس الدولة وأسقطت حصانة أعضائه، كما قام نظام عبد الناصر بإدخال تعديلات على صلاحيات النيابة العامة، لتجمع بين سلطتي الاتهام والتحقيق، بعد فصلهما عام 1951، وأصبحت تتبع النائب العام الذي يتبع وزارة العدل.

وعقب هزيمة عام 1967، حاول نظام عبد الناصر إدخال القضاة إلى العملية السياسية عبر دمجهم في الاتحاد الاشتراكي، وابتداع ما يسمى بالقضاء الشعبي بما يسمح بإشراك غير القضاة في أعمال القضاء، وأصدر نادي القضاة بياناً أوضح فيه رفضه لمحاولات السلطة التنفيذية السيطرة على القضاء.

ورد نظام عبد الناصر في أغسطس 1969، بما سمي "مذبحة القضاة"، بحل جميع الهيئات القضائية واستبعاد نحو 200 قاض، منهم رئيس محكمة النقض، ونائب رئيس مجلس الدولة، وتشكل "المجلس اﻷعلى للهيئات القضائية"، (مجلس القضاء اﻷعلى اﻵن)، برئاسة عبد الناصر.

وعندما تولي الرئيس الراحل انور السادات، حاول مصالحة القضاة، فأعاد المفصولون، كما صدر قانوني السلطة القضائية ومجلس الدولة عام 1972، ولكن أبقت هذه القوانين على هيمنة وزارة العدل على الهيئات القضائية، واستمر العمل بهذه القوانين مع إدخال بعض التعديلات عليها حتى الآن.