"السعادة مهمة كالغذاء".. صحفية بريطانية تروي تجربتها مع مهرّجين يجلبون الضحك للأطفال اللاجئين.. فكيف كانت النتائج؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

يخيم البؤس على حياة الأطفال اللاجئين في المخيمات المنتشرة باليونان، والتي وصلوها هرباً من العنف والحروب في بلدانهم، ما أثر سلباً على نفسياتهم.

ويواصل متطوعون جهودهم لتخفيف آلام هؤلاء والتقليل من مصاعب اللجوء، ومن بين المتطوعين فرقة تطلق على نفسها اسم "النورس الطائر"، وتقدم في مخيم للاجئين باليونان عروضاً فكاهية مستخدمة شخصيات "المهرج المَرِح".

وتروي آنا ليش، نائب رئيس تحرير شبكة المهنيين العالمية، لصحيفة "الغارديان" البريطانية، ما عاشته من تجربة مع أعضاء الفرقة، ومشاركتها إياهم في إسعاد الأطفال، متحدثة في مقال نشرته بالغارديان عن تحسن في سلوكهم مع محاولة الفرقة إدخال السرور إلى قلوبهم، واعتبرت أن السعادة في حياة الإنسان مهمة كالغذاء.

نص المقال:

رفعت فتاة جميلة، تبلغ من العمر 6 سنوات وترتدي معطفاً وردياً، يديها نحوي، بينما تطالبني عيناها الخضراوان بمعانقتها. وإلى جوارها، ترفع فتاة أخرى أكبر سناً ذات شعر مجعد وعينين سوداوين يديها تجاهي أيضاً. قمت برفع الطفلة الأولى فوق ظهري والتجول بها بضع لحظات قبل أن أنزلها ثانية بلطف. فالألعاب سوف تبدأ وقد حان الوقت لعمل دائرة والانتباه.

أرتدي قميصاً مرقطاً وسروالاً واسعاً للغاية وجورباً مخططاً وقبعة بولينغ لامعة. هذه ليست أدوات عملي المعتادة، ولكني أقوم بزيارة مخيم اللاجئين اليوناني متخفيةً في شخصية مهرج مع فرقة النورس الطائر.

وهناك أرى الكثير من الأطفال الصغار يتسكعون بحرّيةٍ في أنحاء المخيم، فقد انتقل آبارهم معهم من سوريا والعراق وأفغانستان؛ آملين أن يعيشوا بعيداً عن العنف والفقر. والآن، تتقطع بهم السبل داخل مخيمات باليونان، بينما يناقش رجال السياسة الأماكن التي يمكن توطينهم بها.

تزور فرقة النورس الطائر هذا المخيم يومياً لتقديم الألعاب الترفيهية والعروض المنظمة للأطفال. وقد شهد مدير الفرقة، آش بيرين، تحسناً في السلوكيات منذ بدء العمل.

ويقول: "كان الأمر يستغرق 15 دقيقة قبل أن نرى وجوههم الطفولية. فقد كانوا يحضرون عابسين. والآن، بمجرد أن يرونا، نستشعر فيهم تلك الوجوه الطفولية. فهم يستجيبون بصورة رائعة".

الألعاب بسيطة وتعتمد على الصوت والحركة التي يسهل فهمها بعيداً عن استخدام اللغة. ويقول بيرين: "لو احتجت لاستخدام الكلمات للتعبير عن ذلك، فلن تفهم شيئاً. نحاول ألا نتحدث كثيراً؛ نظراً لوجود شيء ضمني يجعلك لا تحتاج لفهم الكلمات كي تمارس اللعبة. فالدائرة هيكل قوي للغاية ليس له بداية أو نهاية، ولا يكون هناك أحد في المقدمة. فهو شكل رائع".

شهد بيرين علامات واضحة على الصدمة التي تصيب الأطفال. يقول: "نرى أطفالاً ذوي وجوه جميلة للغاية، وفجأة تتحول تلك التعبيرات على وجوههم إلى حالة من الغضب والعنف".

رأيت ذلك بنفسي، فقد اعتادت الفتاة الأكبر سناً، التي طلبت مني معانقتها في وقت سابق، الطفلة الأخرى وعضت يدها بشدة وتحولت تعبيرات وجهها من الابتسام إلى الغضب والهياج.

ويريد بيرين وفرقة المهرجين المصاحبة له أن يشعر الأطفال بالسعادة من خلال الضحك وممارسة الألعاب. ويقول: "يمكننا أن نبتكر شيئاً يبدو لطيفاً وحنوناً وليس مجرد تناول الطعام وتوفير المأوى. نبتكر شيئاً يدعم شخصياتهم وروح الانتماء لديهم".

وتضيف ميريام نيدام، الممثلة المحترفة وإحدى أعضاء الفرقة "السعادة مهمة كالغذاء والماء والدفء والمأوى. شهدت التغيير الذي يمكن أن تُحدثه السعادة بالناس وكيف يمكن أن يزيد الضحك من قوتهم. فالسعادة والمتعة تنتقلان بين الأفراد؛ تنتقل من الأطفال إلى الآباء وإلى المجتمع ككل".

وتذكر الإخصائية النفسية جين كرايمز، التي تعمل بأحد مخيمات اللاجئين في جزيرة ساموس اليونانية، أن مشروع مثل فرقة النورس الطائر يفيد الأطفال للغاية هناك، حيث تقول: "أحد الأمور الإيجابية التي تنجم عن وجود فرقة كهذه في البيئة التي يعيشون بها هو أنها تخلق شعوراً بالأمان والقدرة على التواصل مع الحاضر وفرصةً للتواصل مع الأطفال الآخرين. إنها تجربة جيدة وممتعة وتسمح لهم بالنسيان".

وتقول إن الأطفال بالمخيمات يشعرون بالضجر والإحباط. وتضيف: "يصف العديد من الآباء مدى صعوبة إبقاء الأطفال منشغلين على مدار اليوم. فالأطفال يشعرون بخيبة الأمل، ويحدث الكثير من المشاجرات، ويصاب البعض بالانطواء الاجتماعي ويصبحون عدوانيين مع أقاربهم. ويصاب بعضهم بالتبول في أثناء النوم، بما يدل على شعورهم بالقلق الشديد".

تقر البحوث الأكاديمية المتزايدة أهمية اللعب في تنمية شخصية الطفل. ويقول ديفيد وايتبريد، مدير مركز بحوث اللعب في مجالات التعليم والتنمية والتعلم بجامعة كمبردج: "اللعب شيء يمارسه الأطفال طيلة الوقت، فمن خلاله نتطور ونتعلم. وهو مهم للغاية".

ويشير إلى دراسات حول الأطفال الذين تم إهمالهم وتجاهلهم في ملاجئ الأيتام برومانيا خلال التسعينات من القرن الماضي، "فقد تم توثيق أن الشيء الذي يُحدث الفارق في مساعدة هؤلاء الأطفال على استعادة طفولتهم وتطورهم المعتاد، هو العلاج عن طريق اللعب".

ويضيف وايتبريد أن سوء الفهم الشائع حول اللعب والتطور يتمثل في أن الأطفال يكونون في أحسن حال حينما يلعبون بأنفسهم.

يقول وايتبريد: "من المهم أن يكون لديهم الوقت لابتكار ألعابهم. ومع ذلك، تشير الأدلة التي لدينا حتى الآن إلى أننا نحتاج إلى مزيج. فالأطفال يعشقون أن يلعب الكبار معهم، بشرط أن يكون الكبار يلعبون بالفعل ولا يحاولون تنظيمهم. إننا نتحدث عن اللعب الموجَّه، وهو مفهوم شائع للغاية الآن. ويبدو أنه مفهوم فعال للغاية".

ويخطط بيرين لمواصلة العمل بالمخيمات في اليونان حتى العام المقبل. ويقول: "إذا لم يرحلوا إلى مكان آخر، فلن نرحل أيضاً. إنهم بحاجة إلى دعم عاطفي ومعنوي، وإلا فسيصبح لدينا أطفال يكبرون وهم يعانون اضطرابات نفسية متعمقة".

يقول بيرين: "بعد 10 سنوات، لن يكون هؤلاء أطفالاً. سيصبحون كباراً غاضبين ومرتبكين مضطربين نفسياً. كما أن عملية مساعدتهم على التعافي ستصبح أكثر صعوبةً وتعقيداً. ولذا، يتعين علينا أن نفعل شيئاً يؤدي على الفور إلى إحداث التغيير والإيجابية. لا بد أن نفعل شيئاً الآن".

­- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.