هل هو فعلاً بطل العالم في الرشوة؟ مصر مشغولة بأسئلة عن وقائع الجريمة وجدّية محاربة الفساد والقضية "بطنها مفتوح"

تم النشر: تم التحديث:
MJLSADDWLH
social media

الخبر ما زال عصياً على التصديق، والأسئلة التي يرددها الجميع أكثر من المعلومات الضئيلة التي وردت في البيانات الرسمية، ولم يهضمها الرأي العام المصري حتى الآن.

إنها أكبر قضية رشوة في التاريخ المصري القريب، فالأموال المضبوطة في بيت المتهم تصل إلى ما قيمته 150 مليوناً من الجنيهات المصرية، الأمر الذي جعل الشبكات الاجتماعية تطلق على المتهم لقب "بطل العالم في الرشوة".

قرار نيابة أمن الدولة العليا بحبس المتهم، وهو مسؤول مشتريات بإحدى الجهات القضائية المصرية، 4 أيام على ذمة التحقيقات في تقاضيه رشوة، قال إن السلطات عثرت بمنزله على 24 مليون جنيه، و4 ملايين دولار أميركي و2 مليون يورو، ومليون ريال سعودي، بخلاف مشغولات ذهبية وأصول ملكية عقارات، وبدأ الجدل عن المبلغ، فهو الأكبر الذي تضبطه الهيئة مع موظف عمومي.

مصدر مسؤول بمجلس الدولة، قال لـ"هافينغتون بوست عربي" إن المستشار وائل شلبي، الأمين العام للمجلس، قرر تشكيل لجنة خاصة بالمجلس تعمل تحت إشرافه شخصياً، وحدد مهمتها بمراجعة جميع التوريدات التي أشرف عليها المتهم في السنوات الخمس الأخيرة، لافتاً إلى أن من بين القرارات أيضاً، "وقف الموظف عن العمل لحين معرفة نتائج التحقيقات"، وأضاف المصدر أن المجلس وصله خطاب رسمي من نيابة أمن الدولة العليا، التي تحقق في القضية وطلبت بياناً بملفات الشركات التي تتولى تنفيذ تعاقدات المجلس.

وفي الوقت الذي لمح فيه البعض إلى أن تلك القضية المقصود بها مجلس الدولة ذاته؛ لكونه صاحب أحكام تاريخية.

قال المصدر القضائي، إن هذا أمر مستبعد؛ "مجلس الدولة كيان كبير وله تاريخ رائع، وأي انتقاص من قيمته، هو انتقاص للدولة المصرية ذاتها"، وأضاف: "في كل جهاز بالدولة هناك فاسدون، والأهم أن تقاوم تلك الجهات الفاسدين الذين يعملون لديها، لا أن تتستر عليهم"، وسأل: "هل لو ضبط موظف فاسد في مؤسسة الرئاسة يعني ذلك أن المؤسسة كلها فاسدة.. دا كلام غير منطقي!".


من المتهم في القضية؟


الخبر الذي نشرته هيئة الرقابة الإدارية لم يعلن في بداية الأمر اسم المتهم بالرشوة، وكان الخبر من دون أي تفاصيل تقريباً.

وانفتح باب التأويل عند مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وذهب بعضهم للقول بأن من بين المتهمين قاضياً بمحكمة مجلس الدولة (إحدى الهيئات القضائية المصرية)، بالإضافة إلى نواب بالبرلمان المصري.

وهو سرعان ما لم يثبت، خاصة أن البيان الصادر عن نيابة أمن الدولة العليا، صباح الأربعاء، بحبس المتهم جمال اللبان، 4 أيام على ذمة التحقيق في قضية اتهامه بالحصول على رشوة، لم يشر إلى متهمين جدد.

وكذلك، نفى بيان رسمي لمجلس الدولة أن يكون المتهم عضواً بالهيئة القضائية بمجلس الدولة، وأن المتهم يعمل موظفاً إدارياً بمجلس الدولة، ومسؤول المدير العام للمشتريات، بالمجلس، وأكد البيان أنهم لن يسمحوا بالتستر على الفساد.


مَن شركاؤه في الواقعة؟


لم تفصح نيابة أمن الدولة العليا التي تحقق في قضية الرشوة، تفاصيل كثيرة عن القضية؛ بل ولم تصدر بياناً رسمياً بمسار التحقيقات، ولا عن شركاء المتهم بشكل رسمي، ولكن أشارت تسريبات التحقيق إلى أن شركاء المتهم (مالك شركة أثاث)، وزوجته، وحققت النيابة معهما لقرابة 10 ساعات وقررت حبسهما 4 أيام على ذمة التحقيقات. وفي أثناء التحقيقات، واجهت النيابة المتهم بتلقي الرشوة "اللبان" بتحريات هيئة الرقابة الإدارية بأنه اتفق مع صاحب شركة الأثاث وزوجته على الحصول على رشوة مقابل إسناد عملية توريد مستلزمات إدارة مشتريات مجلس الدولة إلى شركة المتهم الثاني بالمخالفة للقانون.


هل توافرت أركان القضية؟


يحدد قانون العقوبات المصري أركان جريمة الرشوة بركنيْن، مادي ومعنوي: الركن المادي الذي يعبر عن النشاط الإجرامي والأفعال المكوِّنة لجريمة الرشوة، والركن المعنوي الذي يعبر عن إرادة وعلم المرتشي باقتراف أفعال الركن المادي لجريمة الرشوة.

ويقول المحامي عادل سليمان، لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن جهاز الرقابة الإدارية لا يتحرك إلا بعد الحصول على أدلة وليس قرائن، ويختلف هنا عن المباحث العامة، التي يمكن أن تتحرك إذا كان لديها مجرد قرائن وليس أدلة. وأضاف أنه بناء على ذلك، فالقضية المطروحة هي قضية بها أدلة، مسجلة بالصوت والصورة، على طلب الموظف الحصول على رشوة.

وقال سليمان إن القضية حتى الآن تعتبر "بطنها مفتوحاً"؛ لكون المتهم كان مديراً للمشتريات بمجلس الدولة على مستوى الجمهورية، وله تعاملات مع العديد من الشركات والجهات، ومن ثم ستتم مراجعة كل الصفقات التي كان طرفاً فيها خلال العامين أو الثلاثة الماضية.

ولفت سليمان إلى أن التهمة الموجهة لـ"اللبان" الآن هي تهمة الحصول على رشوة، لكنه إذا ثبت عدم حصوله على رشوة فستوجه له تهمة أخرى وهي "من أين حصل على الأموال التي ضبطت في منزله؟"، وهنا تُنقل القضية إلى جهاز الكسب غير المشروع، وبعدما يُنهي تحقيقاته يحيل القضية إلى النيابة العامة، التي تحيلها بدورها إلى نيابة الأموال العامة.


ماذا يقول زملاء المتهم عنه؟


أحد الموظفين العاملين مع المتهم، في إدارة المشتريات الخاصة بتوريد الأوراق والأحبار وأجهزة الحاسب الآلي، بمجلس الدولة -رفض ذكر اسمه- قال لـ"هافينغتون بوست عربي" إن اللبان "شخص على خلق كبير ولم يبدُ عليه ما يثير الشكوك حوله".

يضيف ضاحكاً: "لبّسنا كلنا العمة (خدعنا) وهو كان نايم على بنك لوحده!".

زميل آخر -طلب أيضاً عدم ذكر اسمه- قال إن المتهم ينتمي إلى أسرة ميسورة الحال، ولا يوجد ما يدفعه إلى تلك الجريمة، وأضاف: "أعرفه من 10 سنوات منذ عملي في المجلس، وعندي إحساس بأنه بريء من التهمة دي".

يكمل الموظف شهادته عن زميله لـ"هافينغتون بوست عربي"، بما يعرفه عن المتهم: "أعرف أنه شريك مع عدد من أقاربه في شركة صرافة، وأُغلقت بقرار من البنك المركزي قبل قرارات تعويم الجنيه، اتهموه وقتها بأنه يتاجر في سعر الدولار بالسوق السوداء.. اللبان رجل يعرف الله ويصلي الفروض على أوقاتها".

والمفارقة أن وزير الزراعة السابق الذي اتُّهم أيضاً في قضايا فساد، كان ضمن طلبات الرشى التي طلبها، وفقاً لتحقيقات النيابة، أنه طلب تأشيرات حج وعمرة لأقاربه، وفق ما جاء بقرار إحالة الوزير إلى المحكمة.


ما المقابل لكل هذه الأموال؟


طرح عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أسئلة عن المقابل الذي دفعه المتهم مقابل هذه المبالغ التي ضُبطت معه.

ويقول اللواء محمد أبو حسين، وكيل هيئة الرقابة الإدارية السابق، في حديث لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن جهاز الرقابة الإدارية سلّم كل المستندات، والمعلومات التي لديه إلى نيابة أمن الدولة العليا، والتي تولت التحقيق، ومن المقرر أن تتم مراجعة كل العمليات التي أشرف عليها المتهم خلال السنوات الماضية، واستدعاء شركائه في هذه العمليات والتحقيق معهم.


وأين ستذهب الأموال المصادَرة؟


يقول المحامي شعبان محمد، إن الأموال التي تمت مصادرتها من المتهم ستوضع في خزينة المحكمة حتى يصدر حكم نهائي في القضية، فإن كان المتهم بريئاً تُردُّ له أمواله مرة أخرى، أما إذا ثبتت عليه التهمة، فستصادر الدولة هذه الأموال.


وهل تدل القضية على حجم الفساد في مصر؟


وبسبب المبلغ الكبير الذي صادرته الرقابة الإدارية في منزل الموظف المتهم، طرح العديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أسئلة حول حجم الفساد في مصر.
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10209980791049163&set=a.1753389347335.96774.1016954478&type=3&theater

وذكر عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أن تلك الواقعة دليل على صدق ما قاله المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، الذي تم إعفاؤه من منصبه بعد حديثه عن حجم الفساد في مصر.

غير أن الرئيس عبد الفتاح السيسي رأى أن تلك الواقعة دليل على محاربة البلاد للفساد، وقال في أول تعليق له على الواقعة، إن "القبض على مسؤول مشتريات مجلس الدولة، لا بد أن تكون هذه قضية رأي عام؛ لأنها تثبت محاولات الدولة لمحاربة الفساد".

ويقول الدكتور عبد الناصر حسونة، أستاذ الإدارة بجامعة المنصورة، في حديث لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن القبض على موظف مرتشٍ لا يعني بالضرورة أن هناك حرباً من الدولة على الفساد، وإنما يعني فقط أن هناك جهازاً رقابياً يقظاً يقوم بعمله، وإنما ما نحتاجه فعلاً هو تفعيل الاستراتيجية التي أقرتها الدولة لمحاربة الفساد.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد دشن في 2014 استراتيجية قومية لمحاربة الفساد.

ورغم تلك الاستراتيجية أعلنت منظمة الشفافية الدولية، في استطلاع عن الفساد بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا ونشرته في مايو 2016، إن مصر سجلت أعلى نسبة فساد في المنطقة بعد اليمن، وأكدت على أن نصف المصريين يضطر لدفع الرشاوى للحصول على الخدمات العامة.


هل هناك قوانين تكفي لمكافحة الفساد؟


"الأزمة ليست في وجود استراتيجيات وخطط، وإنما في تنفيذ هذه الخطط والاستراتيجيات"، كما يرى النائب سمير غطاس، عضو مجلس النواب، في حواره مع "هافينغتون بوست عربي". يضيف: "عندنا استراتيجيات كثيرة للتعليم، ومكافحة الفساد، والإسكان، والصحة وغيرها، لكن هل هناك شيء من هذا يحصل على أرض الواقع؟!".

يسأل غطاس ويجيب على نفسه: "كل ما يحدث هو محاولات فردية من مسؤولين في مواقعهم، لكن لا توجد رؤية عامة تحقق الهدف الأكبر من الاستراتيجية". ويضيف أن محاربة الفساد لا تكون بالأمن وحده، وإنما بالتشريعات التي تغلق كل الثغرات التي يمكن أن يحدث من خلالها الفساد.


هل القوانين غير رادعة؟


الدكتور أحمد صقر عاشور، أستاذ الإدارة الاستراتيجية والموارد البشرية بجامعة الإسكندرية، وخبير لدى الأمم المتحدة بمكافحة الفساد، يقول لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن معضلة محاربة الفساد في مصر تتعلق بشكل أساسي بثغرات موجودة في القوانين المنظِّمة لعمل الأجهزة الرقابية المسؤولة عن مكافحته، وغياب تقييم أداء ممارسات المؤسسات الحكومية.

وأضاف الخبير الدولي أنه "حتى الآن، لا يوجد قانون مصري لمحاربة الفساد، ويتم الاعتماد على مواد بقانون العقوبات، تجرّم الرشوة وإساءة استخدام المنصب لتحقيق مكاسب خاصة".

ووقعت مصر في عام 2003 على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والتي تلزم الأعضاء بتأسيس جهة مستقلة لمحاربة الفساد، ووجود قانون لمحاربة الفساد، وكذلك ألزم الدستور المصري في المادة الـ218 بمحاربة الفساد، ورغم ذلك لم ينشأ حتى الآن جهاز مستقل لمكافحة الفساد.

ويعتبر اللواء محمد أبو حسين، وكيل هيئة الرقابة الإدارية السابق، أن الفساد في مصر تغوّل وطال كل مفاصل الدولة، و"لا يمكن محاربته إلا بالقانون، خاصة أن هناك إرادة سياسية واضحة من جانب الرئيس السيسي".