استياء بعد اغتيال عشيرة شيعية لعنصر بالمخابرات.. مَن المسؤول عن تفاقم الثأر بلبنان حزب الله أم ضعف الدولة؟

تم النشر: تم التحديث:
LBNAN
social media

في معظم بلدان العرب، يشكو المدنيون من تجاوزات العسكريين والأمنيين، أما في لبنان فيبدو العكس هو الصحيح.

فقد أثار اغتيال إحدى العشائر الشيعية بمنطقة البقاع عنصراً في مخابرات الجيش اللبناني، الذي يعد من أهم الأجهزة الأمنية في البلاد، استياءً شديداً وجدلاً حول ظاهرة الثأر وعصابات الخطف والمخدرات المتمركزة في هذه المنطقة.

كما تجددت الاتهامات لحزب الله بمسؤوليته عن الانفلات الأمني في هذه المنطقة، من خلال توفير غطاء سياسي وأمني للعشائر الشيعية في البقاع الذي يعد من مناطق نفوذ الحزب التقليدية.

الجريمة التي وقعت في شوارع العاصمة السورية دمشق الثلاثاء 27 ديسمبر/كانون الثاني 2016 واستهدفت العريف في مخابرات الجيش اللبناني علي ماجد القاق، نُفذت على الأرجح على يد عشيرة آل جعفر وجاءت ثأراً لمقتل ابن العشيرة الشاب هادي محمد جعفر بطريق الخطأ برصاص الجيش اللبناني.

فقبل 3 أشهر -أي في شهر سبتمبر/ أيلول 2016- حين كان الشاب هادي محمد جعفر (من بلدة الشواغير-الهرمل)، ابن الـ19 عاماً، يحتفل بمرور شهر على زواجه بابنة بلدته زهراء، وفي أثناء مروره أمام كمين كانت تنصبه مخابرات الجيش لأحد المطلوبين، وقع تبادل لإطلاق النار بين الجيش والمطلوب فأصيب هادي وفارق الحياة.

عشيرة آل جعفر اتهموا العريف في منطقة أبلح علي ماجد القاق بالمسؤولية وكان يترصدونه ويتوقون إلى هدر دمه؛ انتقاماً لمقتل هادي.


آل جعفر ينفذون الثأر

مصادر في عشيرة آل جعفر أكدت لصحيفة "الأخبار" اللبنانية، المقربة لحزب الله وسوريا، أن الثأر نُفذ بعدما تم التثبت من هوية مطلق النار، ومراقبة حركة تنقلاته العسكرية، مع توافر معلومات عن نيته السفر إلى تركيا عبر سوريا، ورفضت المصادر إعطاء تفاصيل حول كيفية حدوث عملية الثأر.

إلا أن تسجيلاً صوتياً أشار إلى أن ما يسمى "الوحدة الأمنية للشهيد هادي جعفر" هي التي نفذت عملية "القصاص" من القاق.

وأضافت المصادر أن "الثأر حدث نتيجة تراخي قيادة الجيش في الوفاء بالعهد الذي قطعته بمحاسبة مطلقي النار على ابنهم، وإنزال أشد العقوبات بحقهم، ولكن يبدو أنها نسيت دم هادي نتيجة ضغوط أو محسوبيات، الأمر الذي دفع المعنيّون للاقتصاص من القاتل نفسه".


الجيش اللبناني يتحرك

من جانبه، تحرك الجيش اللبناني بعد الجريمة؛ فدهمت قوة عسكرية منازل لآل جعفر في منطقة القصر بالهرمل في البقاع (شمال شرقي لبنان)، وألقت القبض على المشتبه في علاقتهم بالجريمة، وقد تمكنت القوة من توقيف شخصين، وضبطت بحوزتهما كمية من الأسلحة الفردية والذخائر والعتاد العسكري المتنوع.

وقال مصدر عسكري لبناني إن الجيش لن يسكت عن جريمة قتل القاق، مؤكداً أنه عمل إجرامي جبان، وسيلاحَق القائمون والمحرِّضون عليه أينما كانوا حتى القبض عليهم وتقديمهم للعدالة.


حزب الله يتبرأ

قضية مقتل القاق فتحت النار على ظاهرة قضية الثأر عند العشائر البقاعية، وتحديدا البقاع الشمالي، بعد أن بدا أن هذه العشائر لا تأبه لهيبة الدولة، وفِي ظل اتهامات بأنها تحتمي بحزب الله، صاحب النفوذ الأكبر في البقاع الشمالي.

وعزّز الحزب وجوده العسكري في هذه المنطقة في السنوات الأربع الماضية؛ من أجل مهاجمة الثوار الإسلاميين بسوريا وفي محيط بلدة عرسال اللبنانية السنّية الواقعة على الحدود مع سوريا، على اعتبار أن هذه المناطق الشيعية تُعدّ ملجأ آمناً لجنوده ومدفعيته.

وقيل إنّ الحزب حاول تشكيل ميليشيات مؤلّفة من أبناء العشائر الشيعية التي تقوم بزراعة مخدر الحشيش؛ لقتال المجموعات الجهادية؛ مثل: "جبهة النصرة"، و"داعش".

وسبق أن لوح وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق، ممثل تيار المستقبل (أكبر تيار سياسي سني بلبنان)، في الحوار مع حزب الله بإنهاء الحوار والاستقالة من الحكومة السابقة؛ بسبب عدم استجابة الحزب للجهود الرامية إلى فرض الأمن في مناطق البقاع التي يتمتع فيها الحزب بنفوذ قوي، مشيراً إلى أن الخطة الأمنية للبقاع بقيت حبراً على ورق.

في المقابل، فإن حزب الله يتبرأ من هذه الجرائم، وتكررت دعوات الأمين العام للحزب حسن نصر الله لأبناء وعشائر البقاع والهرمل بضرورة القيام بجهد متواصل لتكريس فكرة أن القتل والإجرام وحمْل السلاح أمور مدانة ومستنكَرة.

وقال نصر الله إن حزب الله وحركة أمل، مع الأجهزة الأمنية والجهات المعنية، سيبذلون جهداً خاصاً ومضاعَفاً لتقوم الدولة بوضع اليد واعتقال المجرمين واللصوص.

وشدد على ضرورة أن يخلع البقاع عباءة الثأر وأن يترك الأمور للدولة وأجهزتها للقيام بواجباتها.

وخلال لقاء أقامه الأمين العام لحزب الله مع أفراد ورؤساء عشائر البقاع في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2016، ذكّرهم بالميثاق الموقع بينهم وبين السيد موسى الصدر، مؤسس حركة أمل (أحد القيادات الشيعية التاريخية في لبنان)، منذ عام 1970، وقوله لهم إنه "إذا كانت قضية الثأر لا تُحل إلا إذا أخذتموني وقتلتموني لتفشوا خلقكم (تنفسون عن غضبكم)، وحتى جماعة الثأر يأخذوا ثأرهم، فأنا حاضر".

وحذر نصر الله خلال اللقاء من أن ما حدث في الأشهر القليلة من ناحية العدد والنوع كان مزعجاً ومخيفاً، بحيث إن أهل المنطقة يشعرون بالخوف على أنفسهم وعائلاتهم وممتلكاتهم، موضحاً أنه في بعض المناطق أصبح الأهالي يتجنبون الخروج ليلاً.

واعتبر أن هناك من يُريد أن يشوه سمعة المنطقة وأهلها، مشيراً إلى أن هذه المنطقة احتضنت المقاومة وضحّت بخِيرة علمائها، على رأسهم عباس الموسوي، الأمين الراحل لحزب الله، الذي اغتالته إسرائيل.


تاريخ الدم

وجاء كلام نصر الله بعد تاريخ طويل لثأر العشائر في لبنان، خاصة في البقاع.

ففي عام 2009، قام أفراد من عشيرة آل جعفر بنصب كمين لدورية للجيش اللبناني في منطقة الرياق البقاعية، وأسفر عن مقتل 4 عسكريين، وقد نُفذت العملية حينها ثأراً لأحد تجار المخدرات، والذي قُتل على حاجز للجيش اللبناني في منطقة شليفا (غرب بعلبك).

وفي عام 2007، نُفذت عملية ثأرية طالت الرقيب الأول في قوى الأمن الداخلي عباس الزين، الذي كان ضمن دورية طاردت عصابة سرقة سيارات وقتلت أحد أفرادها من آل زعيتر، فما كان من عشيرته إلا أن ثأرت له بقتل شقيق الزين ووالدته.

ويمكن أن تُدرج في هذا الإطار أيضاً، العملية الثأرية التي تبناها معروف حمية وهو والد محمد حمية أحد جنود الجيش اللبناني، الذين أُسروا لدى جبهة النصرة خلال أحداث عرسال، وتمت تصفيته من قبل الجبهة في عام 2014.

ورغم كون محمد ابن المؤسسة العسكرية، فقد انتقم "حمية" لابنه بقتل ابن شقيق الشيخ مصطفى الحجيري (بدعوى علاقة الشيخ الحجيري بـ"النصرة") في شهر مايو/ أيار 2016 ، محققاً لابنه "عدالة العشيرة" المناقضة لأعراف المؤسسة التي ينتمي إليها، ورغم أن الشخص الذي قتله ليس له علاقة بالقضية، بقي معروف حمية حراً طليقاً.


يمنيون

والطابع الغالب للشيعة في منطقة بعلبك-الهرمل (البقاع الشمالي) عشائري، بخلاف الطابع الفلاحي الزراعي للعائلات الشيعية في جنوب لبنان.

ويتفق معظم العلماء والمؤرّخين اللبنانيين على أنّ العائلات الشيعية التي تقطن لبنان أصلها يعود إلى قبائل يمنيّة هاجرت إلى منطقة جبل عامل في وقتٍ ما قبل القرن العاشر. لكن، يبقى المكان الذي تحدّرت منه العشائر مجهولاً بالنسبة إلى الكثيرين.

وفي هذا السياق، لدى المؤرّخ اللبناني سعدون حمادة، الذي يتحدّر هو نفسه من قبيلة الحماديين الكبرى، نظريته الخاصة: بأن أجداده كانوا من قبائل البدو الرُحّل الرعاة الذين غادروا العراق بسبب الصراع الطائفي، واستقروا في جبل لبنان وفي عكار وحكموهما قبل مجيء الصليبيين.

https://mobile.mmedia.me/lb/ar/تحقيقات/565457-ماذا-تبقى-من-العشائر-الشيعية-في-البقاع

وسبق أن قال أحد أعيان عشيرة آل جعفر: "نملك أكبر جناح عسكري، وتاريخياً، اعتادت العشائر أن يكون لديها أسلحة ثقيلة ومتوسطة، والأسلحة التي نملكها اليوم حديثة ومتطورة حتى إن الجيش لا يملكها"، رافضاً الإفصاح عن مصدرها.


حرب إلكترونية ضد العشائر

بعد مقتل القاق، توالت ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي.


ماذا لو فعلها سُنّي؟!

وكتب رياض سيف تدوينة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك يقول فيها: "لو مسلم سني، خاصة من طرابلس، كان الجيش طلع بيان وقال: (إرهابي يقتل عنصراً أمنياً)، وداهموا بيته وأخذوا أمه وأخته وخيو وبيت عمو والسلالة تبعو، وكان القاتل فوراً طلع عم جهز لعمليات إرهابية ولقطوا عنده سلاح ومتفجرات، وطلع عالشاشات كلاب الدولة كلها تستنكر!".

وعلق بلال السباعي بالقول: "لو كان سنيّاً القاتلُ، كانت هتكون مؤامرة ضد أمن الدولة وغيرها، ولكن القانون عندنا بلبنان عالم بسمنة وعالم بزيت!" (في إشارة إلى ما يعتبره كثير من السنة تمييزاً ضدهم ومحاباة للشيعة).

وهاجم أحمد زكريا الجيش قائلاً: "شو! هل الجيش يورط عناصره وبالآخر ما بيقدر يحمي ولا حتى يعمل ردة فعل حفاظاً على هيبة الدولة".


ثأر أوليّ

لم يكن اغتيال القاق هو أول رد فعل على مقتل الشاب هادي الجعفر برصاص الجيش خطأ؛ إذ قام آل جعفر عَقب مقتله في 18 سبتمبر /أيلول 2016 بإطلاق قذائف "آر بي جي" على حواجز الجيش، لكن ذلك لم يبرد ظمأهم للانتقام؛ إذ إنه من المعروف عن تلك القبيلة تمسكها بالثأر في أي قضية تمسهم.

وعلى الرغم من زيارة مدير فرع مخابرات الجيش في البقاع ممثلاً لقيادة الجيش، يومها، لآل جعفر لتقديم واجب التعازي في الشاب هادي وتطمينه للعائلة بأن قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي توعد بمحاسبة الفاعلين وإنزال أقصى العقوبات بهم، فإن ذلك لم يغير من مسلكهم الثأري.

وباغتيال القاق، تكون عائلة جعفر قد تخلفت عما وعد به والد الشاب القتيل هادي، بتسليم الأمر إلى القيادة العسكرية للقصاص من "مرتكب الخطأ" الذي أودى بحياة ابنه.