ماذا يريد بوتين حقاً وأي علاقة يريدها ترامب مع روسيا؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

في حملته الانتخابية ولقاءاته؛ لمح دونالد ترامب إلى سياسة مختلفة للولايات المتحدة تجاه روسيا لا تشبه سياسة أسلافه، فبدلاً من محاولات احتواء الطموحات الإقليمية لروسيا، يبدو أن ترامب يتجه نحو المزيد من التكييف والتسوية والإعجاب؛ بل وربما حتى التعاون.

وفي حال حدث ذلك، فسوف نعرف أياً من النظريات المتنافسة حول التدخل الروسي في القوقاز وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط هي الأدق .

لدى روسيا مؤامرة ممتدة على مدى سنوات طويلة للتأثير على سياسات البلقان. يمكن للولايات المتحدة تعلم الكثير من ذلك.

اثنتان من النظريات الرئيسية


1


الأولى؛ يفسر بعض المراقبين -وخاصة من صناع السياسة الروسية وكذلك البعض في الغرب- غزوات روسيا المتكررة في شبه جزيرة القرم وسوريا وجورجيا بأنها ردود فعل تعبر عن القلق والضيق تجاه محاولات الولايات المتحدة لتحجيم قوتها، ويتهم صناع السياسة الروس الولايات المتحدة وأوروبا بتهديد موسكو من خلال جلب صواريخ حلف شمال الأطلسي (الناتو) أقرب من أي وقت مضى، وكذلك من خلال الإثارة السرية "للثورات الملونة" بين دول الاتحاد السوفييتي السابق، على أمل استبدال "بوتين" وأنصاره في نهاية المطاف.


2


والثانية؛ يجادل مراقبون آخرون -خاصة من الليبراليين الغربيين- بأن المغامرات العسكرية الروسية صُممت خصيصاً لصرف مواطنيها عن المشاكل الداخلية والاقتصادية، مثل خفض الإنفاق الاجتماعي بسبب انخفاض سعر النفط، والفساد المُنظّم، والنظام السياسي الذي يقدم مظهر المنافسة السياسية فقط مع غياب جوهرها.

(هل تعني سياسة "تجفيف المستنقع" ما يفهمه الكرملين من معناها؟)

إذا خلقت الولايات المتحدة في ظل ترامب بيئة دولية معتدلة ومحمودة من جانب روسيا، فسنكون قادرين على استنباط أي من هذه النظريات صحيح وفقاً لرد فعل بوتين.

لنشرح ذلك.


هل ستتغير سياسة الولايات المتحدة تجاه روسيا من الاحتواء إلى الانفراج الجديد؟


لم يحدد الرئيس المنتخب ترامب سياسته تجاه روسيا، ومع ذلك، فإن بيانات حملته، واختياره لـ"ريكس تيلرسون"، الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، في منصب وزير الخارجية، وتصريحات "كارتر بيج"، مستشاره السابق في شأن روسيا والطاقة؛ كل ذلك يشير إلى بعض المجالات التي ستتغير فيها عقيدة ترامب إلى حد كبير عن أوباما.

فتحت قيادة ترامب، ربما نشهد وضع حد للعقوبات ضد روسيا لاستيلائها على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا ودعمها للتمرد هناك، وكذلك تخفيض الدعم لقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، ما يعني مناوشات أقل مع روسيا بشأن قضايا مثل حقوق المثليين وحرية التعبير.

وعلاوة على ذلك، تبدو رؤية ترامب للعالم متوافقة مع نظيرتها لدى بوتين. فترامب، مثله في ذلك مثل بوتين، يُعلي من قيمة سيادة الدولة فوق الجهود المبذولة في الحوكمة العالمية، ويفضل القومية الاقتصادية على الأسواق المفتوحة والتجارة الحرة، والقيم الاجتماعية المحافِظة على النظام والتقاليد على القيم الليبرالية من الحقوق والحريات الفردية.

(اتهمت الولايات المتحدة روسيا بقرصنة الانتخابات الأميركية. يالها من صفقة كبيرة جداً!)

حدد ترامب وهو مرشح أهداف السياسة الخارجية الرئيسية في تدمير تنظيم "الدولة الإسلامية"، وحماية أرض الولايات المتحدة الأميركية. وربما نستطيع أن نتوقع بعد ذلك أن سياسة أقل مواجهة مع روسيا قد تمتد لتشمل شراكة في محاربة "الدولة الإسلامية" والإرهاب على الصعيد العالمي، كما سعى بوتين منذ خطابه عام 2015 في الأمم المتحدة.


ها هو تفسير الحكومة الروسية لسياستها الخارجية


تجادل الحكومة الروسية، علناً أو في الحسابات الصحفية كما يقول ميخائيل زيغار في كتابه "كل رجال الكرملين"، بأنها كانت تدفع ضد التوسع الغربي القاسي في مناطق مصالحها، وتقاوم الدعم الأميركي-الأوروبي للثورات الملونة وتغيير النظام.

يفترض ذلك بالطبع ضمناً أن الغرب يتظاهر نفاقاً باعتناق المثل العليا مثل قيم الحقوق والديمقراطية كوسيلة لإخفاء مصالحه الحقيقية؛ وهي توسيع عدد الدول غير المُهددة له، ومن ثم دعمه للثورات الملونة للإطاحة بنظام بوتين في نهاية الأمر. وإن كانت أسباب روسيا هذه حقيقية؛ فالاستجابة الشرعية الوحيدة التي يمكنها اتخاذها هي استعمال القوة لمنع تغيير النظام للدفاع عن نفسها وحلفائها، وكذلك استخدام القوة لاعتراض الحكومات المعادية.


تفسير باحثي الولايات المتحدة وواضعي السياسات للسياسة الخارجية الروسية


لا يتفق الباحثون وصناع القرار في الولايات المتحدة مع الافتراض القائل بمحاولات الإطاحة ببوتين من جانب الولايات المتحدة، لكنهم يختلفون حول تفسير دوافع التوسع الروسي.

فهناك جانب الواقعيين، مثل جاك مالتوك وستيفن كوهين وجون ميرشايمر، الذين يجادلون بأن روسيا إنما تتخذ رد فعل تجاه التوسع المفرط من حلف شمال الأطلسي في أوروبا الوسطى والشرقية، وأن التدخل الروسي رد فعل للمساعدة الذاتية على قصور الغرب في تحجيم نفسه عندما كانت روسيا في موقع ضعيف. ومن ثم، فإن دول الناتو بزعزعتها ميزان القوى في أوروبا، وتحديها لإدراك روسيا لأمنها؛ لا تجني إلا ما زرعت.

وعلى النقيض من ذلك؛ يَردُّ الباحثون الليبراليون، مثل مايكل ماكفول وكاثرين ستونر وستيفن سيستانوفيتش، التوسعية الروسية لأسباب داخلية، من محاولة صرف الروس عن رضاهم عن الانتخابات المزوّرة، والفساد، إلى تراجع الأداء الاقتصادي في الآونة الأخيرة. وبالإضافة إلى ذلك، يشيرون إلى شعور الكرملين بالتهديد إزاء بدء السياسيين الأوكرانيين في إجراء إصلاحات اقتصادية ومؤسسية، ما وضع القادة الروس الفاسدين في موقف حرج، ومن هنا بدأوا في شن حربهم التضليلية.


الدوافع الحقيقية لروسيا


أيها صحيح؟ من شأن مسار السياسة المقترح من جانب ترامب -ربما يكون من قبيل الانفراج من جانب واحد- سيختبر هذه النظريات:

* إن كان التدخل العدواني الروسي هو استجابة لدعم الولايات المتحدة للثورات الملونة وتوسعية الناتو؛ فإن سياسة ترامب الجديدة يجب أن تُنتِج سياسة روسية أقل عدوانية؛ وذلك لزوال مصدر الخطر.

* وإن كانت التدخُّلية الروسية بسبب السعي لممارسة دور أكبر في هيكل السياسة الدولية؛ فلن يغير نهج تارمب الجديد شيئاً من السياسة الروسية ما لم تتنصل الولايات المتحدة وحلف الناتو صراحة من التزاماتهم الأمنية، أو لم يأتوا بترتيبات أمنية جديدة في المناطق المحيطة بروسيا نفسها.

* أما إن كان التدخل الروسي بالخارج هو محاولة لصرف مواطنيها عن حالة الاقتصاد والضجر من الانغلاق والكليبتوقراطية، فلن يغير توجه ترامب الجديد هذه السياسة، ولن تنقضي المغامرات الروسية حتى يتحسن الاقتصاد أو يفقد الروس الأمل في التغيير أو يغير الكرملين قادته.
وماذا إن كان السبب هو كل ما سبق؟ ماذا إن كان القادرة الروس يريدون تغيير هيكل القوة الدولي ووضع روسيا في منزلة أكثر قوة، وبذلك يريدون صرف مواطنيهم عن الاستياء والضجر؟ ستؤدي رئاسة ترامب في هذه الحالة إلى مزيد من التدخل الروسي.

(حاولت الولايات المتحدة تغيير حكومات دول أخرى 72 مرة خلال الحرب الباردة)

لماذا؟ لأن الجمع بين حالة الاقتصاد السيئة، وعدم وجود تنسيق بين المعارضة الغربية، يقدم للكرملين فرصة مثالية لبناء قوتها الذاتية وتغيير هيكل السياسة الدولية كبديل عن الإصلاحات الاقتصادية بينما تنتظر ارتفاع أسعار النفط.

وبينما تصبح سياسة ترامب تجاه روسيا أكثر وضوحاً وتوفيراً لبيئة دولية معتدلة وأقل توتراً؛ يحصل بوتينعلى فرصة أفضل لصياغة وتنفيذ السياسة الخارجية الروسية.

وسيرى الباحثون وصانعو السياسات وعامة الجمهور الدوافع الحقيقية وراء السياسة الخارجية الروسية.

- هذه المادة مترجمة عن صحيفة The Washington Post الأميركية، للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.