خطة كيري للسلام بالشرق الأوسط.. صدام سياسات وشخصيات في آخر خطاب لوزير الخارجية الأميركي

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن جون كيري أول مسؤول حكومي أميركي يضع خطةً للسلام بالشرق الأوسط قبيل ترك منصبه.

ففي ديسمبر/كانون الأول عام 2000، قدَّم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون عدداً من الشروط لتنفيذ حل الدولتين، مستهدفاً نفس مجموعة الملفات الصعبة: القدس، وحق عودة (أو عدم عودة) اللاجئين الفلسطينيين، وتبادل الأراضي وفقاً لحدود وقف إطلاق النار لعام 1967، وأمن إسرائيل.

خلال خطابه الذي استمر أكثر من ساعة، مضى كيري في شرح الطبيعة المدمرة للذات التي تتسم بها سياسية رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، وتأثيرها على أمن إسرائيل على المدى الطويل، متمادياً في شرحه أكثر من أي وزير خارجية سابق له، وفقا لما جاء بصحيفة الغارديان البريطانية. واستخدم كيري لغةً فظة وغير معتادة لوصف طبيعة الحكومة الإسرائيلية الحالية، وأشار إلى الطريقة التي يرى بها العرب آثار إنشاء دولة إسرائيل على حياة الفلسطينيين، أو ما يسميه العرب بالنكبة.

الاختلافات الأكثر أهمية بين رسالتي كيري وكلينتون هي أن حل كيري يتضمن اعتراف الدول المجاورة لإسرائيل بها كدولةٍ يهودية بشكل واضح، ومشاركة مدينة القدس بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون تقسيمها.


أهم الاختلافات


لكن أهم اختلاف بين حل كلٍ منهما هو السياق الذي طُرحا فيه. فكلينتون تحدث عن مقترحه في مدينة كامب ديفيد في يوليو/تموز عام 2000، وكان حينها على مقربةٍ من إبرام اتفاقٍ شامل بين فلسطين وإسرائيل أكثر من أي رئيس أميركي آخر، وكان من المحتمل الوصول إلى اتفاق بين رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها إيهود باراك والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بعدها بخمسة أشهر. واقترب الطرفان من الوصول إلى اتفاقٍ مرة أخرى في القمة التي عقدت بمدينة طابا في يناير/كانون الثاني عام 2001.

ولكن، وفي تناقضٍ صارخ، ألقى كيري خطابه في وقتٍ تداعى فيه حلُ الدولتين تقريباً، وتحوَّل تقريباً إلى فكرةٍ مجردة، ولم يعد هدفاً مشتركاً لكلا الطرفين. ومثلما أوضح كيري، يستمر نتنياهو في لعب دورٍ مزيف، يدَّعي خلاله دعم حل الدولتين، ويترأس في نفس الوقت "أكثر حكومة تبنِّياً للفكر اليميني في تاريخ إسرائيل، تتبنى برنامج عمل مدفوع من قبل أكثر مسؤولي الحكومة تطرفاً" على حد وصف كيري، وتتبنى الحكومة نهجاً متطرفاً لبناء المستوطنات، الذي يؤدي إلى اتجاهٍ آخر تماماً، وهو حل الدولة الواحدة.

وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، أراد كيري إلقاء خطابٍ مماثل منذ عامين، لكنه أُعيق من قبل البيت الأبيض، الذي رأى فائدة قليلة في إثارة غضب نتنياهو. إذ كان رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها قد أظهر بالفعل استعداده وقدرته على الإضرار بإدارة أوباما وبالحزب الديمقراطي سياسياً على أرضهم.

وبينما كان كيري يُعِد لإلقاء خطابه، هاجم الرئيس الأميركي القادم دونالد ترامب سياسة إدارة أوباما تجاه الشرق الأوسط عبر موقع تويتر.


ترامب يغرد


كتب دونالد ترامب تغريدةً قال فيها: "لا يمكننا الاستمرار في ترك إسرائيل تُعامل بهذا القدر من الازدراء وعدم الاحترام. اعتادت إسرائيل أن لديها صديق مهم في الولايات المتحدة الأميركية، لكن هذا لم يعد الحال الآن. كانت بداية نهاية هذه العلاقة الصفقة الإيرانية المروعة، والآن هذا القانون! (مشروع الأمم المتحدة الذي صدر منذ أيام بشأن التوسع الإسرائيلي في بناء المستوطنات). حافظي يا إسرائيل على قوتك. 20 يناير/كانون الثاني يقترب بسرعة"، في إشارةٍ إلى قرب

ورد نتنياهو بحرارةٍ. وكتب في تغريدةٍ على موقع تويتر، مضيفاً بعض الرموز التعبيرية للأعلام الإسرائيلية والأميركية: "الرئيس المنتخب ترامب، شكراً لكم على صداقتكم الحميمة ودعمكم الواضح لإسرائيل!".

وكتب بيتر بيكر، مدير مكتب صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في القدس، قائلاً إن خطاب كيري الذي طال انتظاره كثيراً حول الشرق الأوسط تناول أربع شخصيات كبيرة تمثِّل مقاربتين مختلفتين جذرياً، في اشتباكٍ بالغ الأهمية.

في الطرف الأول لهذا الاشتباك، كان كيري ينفِّس عن سنواتٍ من الغضب نيابةً عن الرئيس أوباما وعن نفسه تجاه ما يعتبرانه تعنُّتاً وعناداً من قبل إسرائيل.

أما في الطرف الآخر، كان نتنياهو وترامب يردُّون الضربات تجاه ما اعتبراه خيانةً ونفاقاً لأقرب أصدقاء أميركا في الشرق الأوسط، بحسب ما ذكرت صحيفة "نيويوك تايمز" الأميركية.

وإذا كان أوباما وكيري يقومان بذلك من أجل التاريخ، فإنَّ نتنياهو وترامب يستهدفان كسب الوقت.

وانقسمت ردود الفعل على خطاب كيري بطريقةٍ مشابهةٍ، لكن مع تبدُّل المراكز. إذ قالت ميري ريغيف، وزيرةٌ متشدِّدة في حكومة نتنياهو، لإحدى وكالات الأخبار الإسرائيلية، إنَّ خطاب كيري "يمنح أملاً للمنظمات الإرهابية في القضاء على إسرائيل خطوة بخطوة". وتحدَّت أيضاً الوزير الأميركي طالبةً منه اقتراح "تقسيم واشنطن" كما يقترح تقسيم القدس.

وجاء التدهور الأخير بين كيري ونتنياهو، ومن ورائهما رعاتهما أوباما وترامب، بعد سنواتٍ من المحادثات التي لم تؤد إلى الاتفاق الذي كان كيري يسعى لتحقيقه.

وأشار كيري إلى إجرائه لمحادثاتٍ كثيرةٍ مع نتنياهو، أكثر مما كان مُعلناً، على أمل بناء علاقةٍ تمكِّنهم من تجاوز خلافاتهم الفكرية. لكن نتنياهو لم يرَ أنَّ من مصلحته، أو من مصلحة إسرائيل، أن يجاري هذا التدخُّل الأميركي المتطفل.

ووسط هذه التراشقات الحادة المتبادلة، كان هناك شعورٌ متزايد بأنَّ حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي تدعمه أكثر دول العالم لم يعُد معقولاً، للوقت الراهن على الأقل. وعندما أشار كيري إلى ستة مباديء لاتفاقٍ أخير يقوم على فكرة الأرض مقابل السلام، فإنَّه كان بذلك يسير بشكلٍ كبيرٍ على خطى العقيدة الأميركية تجاه الصراع. لكن، وعلى عكس الحل المشابه الذي اقترحه الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون منذ 16 عاماً، بدت مباديء كيري كما لو كانت رثاءً لحل الدولتين، أكثر منها خطةً لتنفيذه.