صفعة كيري الأخيرة.. لماذا لا يجب التفاؤل بالموقف الأميركي من إسرائيل؟

تم النشر: تم التحديث:
S
س

"كلمات قوية وواضحة من جون كيري، العالم وأغلبية الإسرائيليين يعتقدون مثلما يعتقد. لكن نتنياهو واقف على حافة الهاوية ويبدو مصمماً على التقدم إليها".

على الرغم مما قد توحي به هذه الكلمات من أنها صدرت من سياسي معارض لإسرائيل، فإن الحقيقة أن
رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك هو من عبر عنها في تغريدة له على موقع تويتر.

كان إيهود باراك يشير إلى تصريحات وزير الخارجية الأميركي الذي يوشك على مغادرة منصبه خلال
الأسابيع القادمة، جون كيري، والتي قال فيها إن "الاستيطان يقوّض فرص حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي".

جاءت تصريحات كيري في سياق رؤيته لـ"ما وُصفت بأنها رؤية شاملة لإحياء المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية"، وأكد فيها أن حكومة نتنياهو عززت من سيطرتها على الضفة الغربية بالمستوطنات منذ عام 2009، أي منذ تولي إدارة الرئيس باراك أوباما السلطة في الولايات المتحدة الأميركية، معلناً عن أرقام تُظهر الزيادة في أعداد المستوطنين والمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كانت تلك التصريحات النارية قد أعقبت إقرار مجلس الأمن الدولي مساء الجمعة الماضية 23 ديسمبر/كانون الأول، بأغلبية ساحقة، مشروع قرار لوقف الاستيطان الإسرائيلي، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك بعد سحب مصر مشروع القرار بعد مكالمات هاتفية استقبلها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، ولقراءة نص القرار اضغط هنا.

العديد من المعلقين تابعوا تطورات التوتر بين واشنطن وتل أبيب وخلص بعضهم إلى أنه يمكن للعرب المدافعين عن القضية الفلسطينية التفاؤل الآن بتحول الموقف الأميركي وربما الدولي تجاه الاحتلال الإسرائيلي، فإلى أي مدى يمكن الثقة بهذا التفاؤل؟


ما أهمية قرار مجلس الأمن؟


أثار قرار مجلس الأمن لغطاً كبيراً قبل صدوره، فمنذ أبريل/نيسان الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الفلسطينية عزمها التوجه إلى مجلس الأمن لتقديم مشروع لوقف الاستيطان، عبر الدولة العربية الوحيدة في المجلس، مصر، وذلك بعد مشاورات مع المجموعة العربية.

ومنذ ذلك الوقت، تضافرت الجهود الإسرائيلية لعرقلة التحرك الفلسطيني، إلا أن الفلسطينيين استطاعوا الخروج بمسودة وعرضها على الدول الأعضاء بمجلس الأمن لرصد ردود الفعل حوله بداية ديسمبر الجاري. وبُعيد منتصف الشهر، عُقدت في القاهرة مشاورات ضمت وزراء خارجية مصر والأردن وفلسطين وممثل المغرب في الجامعة العربية انتهت إلى أهمية طرح مشروع القرار على الدول الأعضاء في مجلس الأمن قبل نهاية العام، وقبل أي تغيير سيطرأ على تركيبة المجلس، ما قد يغير الدفة لصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي.

كانت الضغوط على مصر أكثر مما تحتمل القاهرة، فسحبت مشروع القرار بعد موافقتها على تأجيل طرحه، إلا أن ماليزيا والسنغال ونيوزيلندا وفنزويلا، وهي الدول الأربع الأعضاء في مجلس الأمن كذلك، أعلنت أنها تحتفظ بحق طرح التصويت على مشروع القرار، وهو ما تم بالفعل، لتمتنع الولايات المتحدة عن استخدام حق النقض (الفيتو) لصالح إسرائيل لأول مرة منذ 36 عاماً.

قرار مجلس الأمن ينص على عدم شرعية إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأرض المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، ويعتبر إنشاء المستوطنات انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين وإحلال السلام العادل. كما يطالب القرار بوقف فوري لكل الأنشطة الاستيطانية على الأراضي المحتلة، معتبراً أن أي تغييرات على حدود عام 1967 لن يُعترف بها إلا بتوافق الطرفين.


القرار الأقسى ضد إسرائيل


جاء نص القرار في عبارات شديدة القسوة، إلى الحد الذي دفع مسؤولاً أميركياً رفيع المستوى إلى مقارنته بقرار مجلس الأمن إدانة الهجوم العراقي على الكويت، ففي تصريح له لقناة بي بي إس الأميركية قال جيمس جيفري، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأدنى والسفير الأميركي السابق لدى العراق، إن "قرار مجلس الأمن هو الأقسى في عباراته منذ قرار الأمم المتحدة رقم 181 والقاضي بتقسيم فلسطين عام 1947".

لكن أخطر ما في تصريح جيفري هو تأكيده أن القرار قد صار في حكم القانون الدولي، وهو "يدين نقطة التفاوض الأساسية للإسرائيليين، وهي أن الأرض مقابل السلام، وينقلها بشكل كامل إلى مساحة الاحتلال غير القانوني".

من ناحية أخرى، تعطي عبارات القرار دفعة قوية لحركات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)؛ إذ إن مجلس الأمن يطالب دول المجلس بالتمييز في معاملاتها بين إقليم دولة إسرائيل والأراضي المحتلة عام 1967، وهو تحديداً الخطاب الذي تتبناه حركة المقاطعة.


فعلها كيري قبل أن يرحل!


عندما سألت كبيرة المراسلين الدوليين في قناة إم إس إن بي سي وزير الخارجية، جون كيري، عن موقف الولايات المتحدة الممتنع عن التصويت والرافض لاستخدام الفيتو، قال كيري بصوت حانٍ إن إدارة أوباما دعمت إسرائيل كما لم تفعل أي إدارة أخرى، وإن ما تقوم به إسرائيل من توسع في الاستيطان يصعّب من إمكانية التوصل لحل الدولتين، وهو ما يضع المنطقة تحت تهديد حقيقي. وأضاف كيري: "لقد دافعنا عن إسرائيل طوال الوقت، ونحن نفعل ذلك الآن بتمريرنا هذا القرار".

لم يبالغ كيري أبداً في تلك التصريحات، فقبل 3 أشهر فحسب توصلت إدارة أوباما وحكومة نتنياهو إلى اتفاق يقضي بمنح إسرائيل مساعدات عسكرية تبلغ قيمتها 38 مليار دولار، وهو رقم قياسي جديد في سلسلة المساعدات الأميركية لإسرائيل. لكن إدارة أوباما الديمقراطية ربما أرادت أن ترسل رسالة غضب إلى إسرائيل بعد الدعم الفج من قبل اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، ومن قبل الساسة الإسرائيليين على اختلافهم، للرئيس الأميركي المنتخب والمرشح عن الحزب الجمهوري دونالد ترامب.

ربما أراد الرئيس الأميركي وإدارته أيضاً القيام بضربة أخيرة للضغط على إسرائيل بعد فشل 8 سنوات من محاولات الدفع بعملية السلام لإحراز أي تقدم، فبينما كان الرؤساء الأميركيون قادرين دوماً على الحصول على تنازلات ولو صورية من القادة الإسرائيليين، قضى أوباما فترتيْه بصحبة "بيبي" الذي لم يكن على استعداد لتقديم أي تنازلات تؤثر في تحالفاته الانتخابية والحكومية النازعة نحو اليمين. هذه الضربة تظل محسوبة تماماً، بحسب بين وايت، أحد المعلقين الذي لا يرى في حديث كيري إلا "مساواة بين المحتل والشعب الواقع تحت الاحتلال، ويعتبرهما طرفين ذوي مسؤوليات متماثلة".

أياً كان ما أراده كيري، يظل رحيل إدارته بعد 3 أسابيع هو المعلم الأبرز في المشهد.


20 يناير/كانون الثاني.. بداية جديدة للجميع


بعد 3 أسابيع، سيأتي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بثلة من المستشارين والمسؤولين الجُدد الذين يقف جميعهم في صف الدولة اليهودية، وتوسع الاحتلال، ويرفضون في معظمهم الدولة الفلسطينية بالأساس.

ترامب لم ينتظر كي يتولى مسؤولياته رسمياً، فكتب على تويتر ليعلن رفضه "أن تُعامل إسرائيل بهذا الكم من الاحتقار". وتابع الرئيس المنتخب قائلاً: "كانت إسرائيل صديقة الولايات المتحدة، لكن لم يعد ذلك هو الحال. كانت بداية النهاية في صفقة النووي الإيراني البشعة، والآن مع قرار الأمم المتحدة!". وختم ترامب تغريدتيه بالقول: "ابقي قوية يا إسرائيل، اقترب 20 يناير، وإن غداً لناظره قريب!"

من المؤكد أن الموقف الأميركي من إسرائيل لن يظل كما هو لفترة طويلة، لكن قرار مجلس الأمن وخطاب كيري يؤكدان عدداً من الملاحظات المتعلقة بالولايات المتحدة. فمثلاً، تحولت قضية دعم إسرائيل إلى قضية حزبية مختلفٍ عليها داخل واشنطن، وهو الأمر الذي استجد على السياسة الأميركية.

كذلك، من الممكن أن يؤثر ذلك التحول في خطاب الديموقراطيين إلى جعل مهمة اللوبي الإسرائيلي في واشنطن أكثر صعوبة من أي وقت مضى؛ إذ إن مؤيدي إسرائيل لن يكونوا قادرين على الاستمرار في تبرير ما اعتبره القانون الدولي "احتلالاً وانتهاكاً صارخاً".


إذاً، ما الذي يمكن لمؤيدي القضية الفلسطينية توقعه؟


على مدار العقود الماضية، لم تلتزم إسرائيل بأيّ من قرارات مجلس الأمن أو الأمم المتحدة التي من الممكن أن تقلّص من قدرتها على السيطرة الكاملة على الأراضي الفلسطينية. إقليميّاً، لا يمكن التعويل على دور القوى الإقليمية في الاستفادة من هذا القرار، فلا يمكن تصوّر أن تؤيد مصر في ظل توازنات النظام الحالي أي حل يمكنه أن يؤثر سلباً على علاقة القاهرة بتل أبيب.

أخيراً، لم تستفد جهود المقاومة الشعبية وحملات الضغط والمقاطعة وغيرها من تلك القرارات أو من تدخلات المجتمع الدولي، ولا يبدو هذا القرار استثناءً، ما يقوم به الناشطون سيقومون به في كل حال، وهذا هو ما تفعله إسرائيل أيضاً.