صدام يتصاعد.. إليك أبرز ملامح الحرب المرتقبة بين أميركا والأمم المتحدة

تم النشر: تم التحديث:
A
ع

يخطّط الكونغرس حتى منذ ما قبل تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتّحدة، لتصعيد الصدام على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة المناهض لإسرائيل إلى نزاعٍ شاملٍ بين أميركا والأمم المتّحدة.

إن اعتنق ترامب هذه الاستراتيجية -وكل الإشارات تؤكد أنه سيفعل- فربّما تصير هذه المواجهة الأولى لإدارة ترامب مع منظمة دولية كبرى، بتوابع مهمّة لكنّها غير متوقّعة، بحسب ما ذكرت صحيفة Washington Post الأميركية.

بعد امتناع إدارة أوباما الجمعة الماضي عن التصويت على إدانة المستوطنات الإسرائيلية واعتبارها غير قانونية، وهو القرار الذي مرره مجلس الأمن بأربعة عشر صوتاً مقابل صفر، انتقد ديمقراطيون وجمهوريون على الفور الأمم المتحدة والحكومة الأميركية لسماحهما بما سماه العضو إيليون إنجيل (الديمقراطي عن ولاية نيويورك)، "قراراً متحيزاً أحادي الجانب".

أمّا ليندزي جراهام، العضوة الجمهورية بمجلس الشيوخ عن ولاية ساوث كارولاينا، رئيسة لجنة مجلس الشيوخ الفرعية المخصصة لوزارة الخارجية والعمليات الأجنبية، فتعهدت بقيادة جهودٍ لسحب التمويل الأميركي الذي يمثل 22% من الميزانية العملياتية السنوية للأمم المتحدة.

أخبرتني ليندزي بعد التصويت مباشرة "لقد جعلت الأمم المتحدة استمرارنا في الأعمال كالمعتاد أمراً مستحيلاً. سيشعر كل جمهوري تقريباً بأن هذه خيانة لإسرائيل، والرد الوحيد الذي نملكه هو قوّة النقود".


"من فضلك قفي إلى جانبنا"


رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي لا يستحي أبداً من العمل مع الجمهوريين ضد إدارة أوباما، قال لليندزي: "من فضلك قفي إلى جانبنا، حان الوقت لنزع القفازات"، على حد قول ليندزي.

في الأيام التي تلت التصويت، يعمل ثلاثة أعضاء جمهوريين بمجلس الشيوخ مع طواقمهم على خياراتهم خلف الكواليس لتحويل تهديداتهم إلى أفعال: ليندزي جراهام، وتيد كروز (عن ولاية تكساس)، وطوم كوتون (عن ولاية أركانساس) يؤمنون بأنهم سيحظون بالدعم لإصدار قرار سريع من مجلس الشيوخ من كلاً من قائد الأغلبية بمجلس الشيوخ ميتش مككونيل (العضو الجمهوري عن ولاية كنتاكي)، وقائد الأقلية القادم تشاك شومر (العضو الديمقراطي عن ولاية نيويورك وداعمٌ قوي لإسرائيل).

هناك عددٌ من الخيارات الخاضعة للنظر، كما أخبرني مساعدان لأعضاء مجلس الشيوخ من العاملين على القضية. يُعتبر بعضها خيارات "مصغّرة"، مثل تمرير قرار يحظر أي تمويل قد يذهب إلى تنفيذ القرار المناهض للاستيطان. وتتضمن الخيارات الأخرى انسحاب الولايات المتحدة من المنظمات التابعة للأمم المتحدة مثل اليونسكو، أو تمرير تشريع يحمي المستوطنين ذوي الجنسية الأميركية ممن قد تطالهم عواقب القرار.


إيقاف المساهمات


يُمكن إيقاف المساهمات الأميركية المُقدمة إلى الأمم المتحدة بطرقٍ عدة. هناك تمويلاتٍ تقديرية يمكن للكونغرس قطعها بسهولة، لكن الكتلة الرئيسية من الدعم الأميركي إجبارية، تكلّف بها معاهدات صدّق عليها الكونغرس، ما يجعلها جزءاً من القانون الأميركي فعلياً. واعتماداً على الأثر المرغوب فيه لقطع التمويل، فربما يضطر الكونغرس إلى تمرير تشريعٍ جديدٍ يلغي بعض الالتزامات.

ينظر أعضاء مجلس الشيوخ في طرقٍ لإيقاف التمويل الأميركي للسلطات الفلسطينية، أو ربما معاقبة المكتب التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن. ولا يخطط الأعضاء الجمهوريون في مجلس الشيوخ للانتظار حتى يتولى ترامب السلطة فعلياً؛ إذ يقول المساعدان إنهما يتوقعان البدء في التحرك فور عودة أعضاء مجلس الشيوخ إلى واشنطن الأسبوع القادم.

وقال مُساعد لأحد الأعضاء الجمهوريين بمجلس الشيوخ: "سنقوم بمحاولة قوية جداً لفعل شيءٍ فورياً. إنّها لحظة حقيقية لإعادة النظر في العلاقة مع الأمم المتحدة وما تفعله حقاً".

ولا يتفق كل المعنيين بالأمر حول ما إذا كان الجهد متعلّق بالضغط على مجلس الأمن للتراجع عن مساره حيال قرار المستوطنات، أو بالتحدّي الجذري لنطاقٍ واسع من ممارسات الأمم المتّحدة وإعادة توجيه نهج الولايات المتّحدة تجاه الأمم المتّحدة بشكلٍ عام.

أخبرني ريك سانتورام، الذي خدم في مجلس الشيوخ في آخر مرة رفضت فيها الولايات المتّحدة دفع ما عليها كاملاً، بأن الأزمة القادمة في العلاقات الأميركية بالأمم المتحدة هي الفرصة المثالية للساعين إلى تفكيك المؤسسة برمتها.

قال ريك: "لقد فتح هذا المجال أمام أولئك المعادين جداً للأمم المتحدة، الذين يظنون أنّها قد ولى زمنها، وأنّها لا تخدم أي غرضٍ جيدٍ حقاً، ولا تساعد الحكومات الشرعية حول العالم وعاشت أطول من عمر نفعها. كلّما استطعنا تفكيكها أكثر، كان ذلك أفضل".

خلال الحملات الانتخابية الرئاسية، تنبأ أغلب المراقبين بأن ترامب في حالة انتخابه سيركز حنقه تجاه المنظمات الدولية على حلف الناتو، والذي انتقده كثيراً بصفته بائداً ويمثل عبئاً على دافعي الضرائب الأميركيين. الآن، يقول سانتورام، قد تكون الأمم المتحدة قد حان دورها أولاً في التحرّك.

قال: "سينزاح التركيز عن الناتو ويتحرّك إلى الأمم المتحدة بشكلٍ مباشر. سيكون وقتاً صعباً جداً. لقد ألحق باراك أوباما بهذه الحركة الأذى بالأمم المتحدة أكثر مما ألحقه بإسرائيل".

يُقارن بعض الجمهوريين في الكونغرس الرد الأميركي القادم على القرار المناهض للاستيطان بمعارضة الولايات المتّحدة لقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 1975 الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية. قاد السفير الأميركي دانييل باتريك المعارضة الأميركية للقرار وألقى خطاباً شهيراً يدافع فيه عن الدولة اليهودية من الاضطهاد الدولي. ونُقض القرار في النهاية.

هذا ويرى خبراء جمهوريون آخرون بالسياسة الخارجية أن المعركة القادمة أشبه بالجهد الذي بذله آنذاك العضو الجمهوري بمجلس الشيوخ جيسي هيلمز (عن ولاية نورث كارولاينا) لإيقاف أجزاء من المستحقّات الأميركية للأمم المتّحدة من أجل الضغط على الهيئة بهدف إجراء إصلاحات. بعد أعوامٍ من التوترات، انضم هيلمز في النهاية إلى عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي حينها جو بايدن (عن ولاية ديلاوير) لتمرير تشريعٍ يستعيد التمويل الأميركي في مقابل مساومات على الإصلاحات.

قال هيلمز حينها: "من الأفضل خدمة مصالح الولايات المتحدة عن طريق المطالبة بإصلاحات والتأكد من تنفيذها، وليس بنزع نفوذنا من الأمم المتّحدة. ربما يتفاجأ بعض الناس بمعرفة أنّني مع إجراء إصلاحات على الأمم المتحدة، وليس تدميرها".

دانييل بليتكا، الذي خدم في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ تحت هيلمز، قال إن الدرس الذي تعلمناه من هذه الحقبة هو أن ضرب الأمم المتحدة ممكن، لكن ليس بدون ثمن، ودون مخاطر ردّ الأذى.

يُمكن للأمم المتّحدة التوقف عن فعل أشياء تراها الولايات المتّحدة مهمة. الدول الحليفة للولايات المتحدة التي تقدّر عمليات الأمم المتّحدة قد تنزعج في حالة تأثر برامجها. أيضاً فإن الالتزامات لا تذهب هكذا.

ويؤكد بليتكا: "عندما لا تدفع، فإن الأمر أشبه برهنٍ عقاري، ستتراكم الفاتورة. في النهاية، تفاوضنا مع الأمم المتحدة، لكننا دفعنا الضرائب. هذه فرصة عظيمة لدونالد ترامب ليظهر لنا قدرته على التفاوض وعقد الصفقات. ويُمكن للكونغرس أن يعطيه الأفضلية".

هناك علاماتٍ على أن إدارة ترامب قد تكون مستعدة لعقد تلك الصفقة. ليس لدى مرشحيها لوزارة الخارجية وسفارة الأمم المتّحدة، ريكس تيلرسون ونيكي هالي بالترتيب، أي حمولة أيديولوجية بشأن القضية. ترامب نفسه غرّد بأن الولايات المتّحدة "تمتلك قدرات هائلة لكنها الآن مجردٍ نادٍ يجتمع فيه الناس ويتحدثون ويحظون بوقتٍ طيب. إنه لأمر محزن!".

لقد فتح قرار مجلس الأمن ضد الاستيطان صندوق باندورا في واشنطن، سامحاً لأي شخصٍ يكن ضغينة تجاه الهيئة العالمية بأن يحظى بيومٍ في الشمس. لكن أغلب السياسيين في واشنطن يؤمنون بأن الولايات المتحدة من الأفضل لها، على كل مشاكل الهيئة، أن تظل الأمم المتحدة عاملة وينبغي أن تسعى إلى أكبر نفوذِ ممكن فيها. يجب على الكونغرس وإدارة ترامب أن يكونا استراتيجيين ومتفكرين في تخطيتهما لما يبدو صداماً حتمياً.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Washington Post. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.