مساعدة أطفال الشوارع في مصر قد تزج بك إلى السجن.. هذا ما حدث مع آية حجازي وزملائها

تم النشر: تم التحديث:
M
م

يقول باسل حجازي عن شقيقته آية إنها "قرأت كتباً كثيرة، فالروايات تساعدها على الهروب من الواقع الذي تعيشه".

وفقاً لموقع pri، "الواقع" الذي يشير إليه باسل، يسميه آخرون كابوساً، آية حجازي التي تكمل عامها الثلاثين في يناير/كانون الثاني، لا تزال قابعةً في السجون المصرية منذ مايو/أيار 2014.

آية حجازي مواطنة أميركية مصرية، اعتقل زوجها محمد حسنين (مصري الجنسية) في الأول من مايو/أيار 2014، بعد أن شارك في تأسيس مؤسسة إنسانية في القاهرة لرعاية أطفال الشوارع، التي داهمت الشرطة المصرية مقرّها وألقت القبض أيضاً على 6 متطوعين آخرين في داخل مؤسستهم التي يطلق عليها اسم "بلادي".

وتتضمن القضية ملابسات أبعد من هؤلاء العاملين في حقل العمل الإنساني، يقول المحللون إنهم أُلقي القبض عليهم في واحدة من أشرس حملات القمع التي تتعرض لها المعارضة وحقوق الإنسان في تاريخ مصر المعاصر، حتى أنها أسوأ من تلك الحملات خلال الديكتاتورية التي أُطيح بها في 2011، بينما تتساءل الجماعات الحقوقية الآن ما إذا كانت الإدارة الأميركية القادمة بقيادة دونالد ترامب سوف تضغط على الحكومة المصرية فيما يخص انتهاك حقوق الإنسان.


تتذرع الحكومة بالاختطاف والاعتداء الجنسي



تعدّدت التهم الموجّهة للعاملين في تلك المؤسسة الحقوقية، وتتضمن تأسيس منظمة غير مرخصة، والاحتيال، واختطاف الأطفال، وتحريض الأطفال على التظاهرات المعارضة للنظام وإلقاء الحجارة على قوات الأمن، وتعذيب واستغلال الأطفال جنسياً.

وصرّح أحمد سعد المحامي عن الزوجين لموقع PRI بأن القضية "ملفقة"، وهو الأمر الذي تعرفه عائلة وزملاء حجازي.

يقول محمد زرعة، عضو معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، الذي تقدم لدعم حجازي وزملائها في المؤسسة، إن النيابة العامة المصرية أمرت بإجراء الكشف الطبي الشرعي لهؤلاء الأطفال، بينما لم يُثبت التقرير مزاعم التعذيب والاعتداء الجنسي.

ويضيف زرعة أن مؤسسة بلادي تُعد مسجلة قانونياً، ويقول: "وفقاً لقانون المنظمات غير الحكومية، يمكن تسجيل تلك المؤسسات والانتظار مدة 60 يوماً لاستلام الموافقة، إذا مرت فترة 60 يوماً دون رفض التصريح، تعتبر المؤسسة قانونية، وقد مرت مدة 60 يوماً دون أي اعتراض على المؤسسة".

عندما تواصلنا مع ألفة السلامي، المتحدثة الرسمية باسم وزارة التضامن الاجتماعي، من أجل الحصول على تعليق، قالت إنها لم تجد أي ملفٍ يتعلق بمؤسسة حجازي الإنسانية، وقالت: "يمكنني أن أُعلق فقط عندما يتعلق الأمر بالمنظمات غير الحكومية المسجلة في قاعدة بيانات الوزارة، أنا متأكدة أن هذه المؤسسة غير موجودة في قاعدة البيانات، لقد راجعت ما لا يقل عن 48 ألف ملف واسم مسجل في قاعدة البيانات".

ووفقاً لزرعة، أن المؤسسة مؤخراً "قد حصلت على موافقة لفتح حساب مصرفي لها"، وأضاف محامي الزوجان أن "مؤسسة بلادي نظمت بعض الأنشطة بالتعاون مع مكتب محافظ القاهرة ومجلس الوزراء المصري".

kh


حرب شاملة على منظمات المجتمع المدني



لماذا إذاً قُبض على حجازي وحسنين اللذين استخدموا مدخرات زواجهما لافتتاح المؤسسة؟

تقول نانسي عقيل، المدير التنفيذي لمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، إن "اعتقال حجازي يعد فرصة مثالية للحكومة التي تشن حرباً شعواء على مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وهو ما يتضح من إعادة محاكمة عام 2012 للمنظمات غير الحكومية، وطرح قانون مقيد بشكل مجحف للمنظمات غير الحكومية".

إعادة "محاكمة المنظمات غير الحكومية" يعني إعادة فتح 173 قضية، والمعروفة أيضاً باسم "قضية التمويل الأجنبي"، وهو التحقيق الذي استمر لمدة طويلة مع المنظمات غير الحكومية المتهمة بتلقي تمويل أجنبي غير قانوني يضر بالمصالح القومية المصرية، عقيل نفسها التي تقيم حالياً في الولايات المتحدة، حوكمت في هذه القضية، وحُكم عليها غيابياً عام 2013.

أعاد قضاة التحقيق فتح القضية في وقت مبكر من العام الحالي، ما سيؤدي إلى المنع من السفر، وتجميد الأموال، فضلاً عن التهديد بإغلاق المؤسسات، واحتمال السجن لمدة 25 عاماً لبعض المدافعين عن حقوق الإنسان إذا ما تمت إدانتهم.

يقول آخرون إن هناك دافعاً ضمنياً وراء هذه القضية، وهي المشاعر المناهضة للولايات المتحدة.

جاء في المقال الافتتاحي لصحيفة الواشنطن بوست خلال شهر ديسمبر/كانون الأول، أن حكومة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي تطارد "ما تعدهم مخربين برعاية واشنطن داخل بلادها".

وقالت الصحيفة إنه "وفقاً لنظرية المؤامرة التي يعتقد بها النظام، فإن المنظمات غير الحكومية المدعومة من الولايات المتحدة تسعى للإطاحة بالحكومة، بعبارة أخرى، لم تعتقل حجازي بمعزل عن حملها للجنسية الأميركية، بل لهذا السبب".

وافق البرلمان المصري في نوفمبر/تشرين الثاني على القانون الجديد للمنظمات غير الحكومية، وهو ما سوف يوفر للمؤسسات الأمنية مزيداً من السيطرة على تمويل وعمل منظمات الإغاثة.

تقول منظمة هيومن رايتس ووتش إن هذا القانون "سوف يقيد بشكل كبير ما تبقى من منظمات المجتمع المدني المستقلة في البلاد"، بينما يراه الكثيرون بأنه تصعيد خطير في هجوم الحكومة على المجتمع المدني، ولم يصدق الرئيس بعد على هذا القانون.

ويعد الهدف الرئيسي من تلك الهجمة أولئك الذين يعملون في مجال الحقوق السياسية، على الرغم من أن دفاع حجازي وحسنين أثبت أن عملهم بعيد كل البعد عن ذلك، فهم يؤكدون أن مجهودات الزوجين تركزت على التنمية المحلية من خلال توفير الرعاية الضرورية والتعليم والمهارات لأطفال الشوارع في مصر، من أجل أن يكبروا ويصبحوا مواطنين صالحين وأعضاء فاعلين في المجتمع.

يوضح شقيق حجازي: "إنهم اختاروا العمل مع أطفال الشوارع لأنهم يعتقدون أنها واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه مصر، والتي تحتاج للعلاج بسرعة، لأن أطفال الشوارع بمثابة قنبلة موقوتة ما لم يتلقوا المساعدة في الوقت المناسب".

ويقول شعار مؤسسة بلادي: "نظرنا لأطفالنا في الشوارع بشكل مختلف" (بصينا لي اولادنا فلشارع بي طريقة مختلفة - بس كدا!!) إذ تنتهج تلك المنظمة نهجاً فريداً من نوعه، يتضمن ورش إعادة تدوير، وفصول فنية للأطفال الفقراء، بينما يأتي في المقدمة تعليم القراءة والكتابة لمن لم يدخلوا المدرسة".

ووفقاً لزرعة "يبدو أن هذا النهج هو ما أدى للقبض عليهم"، ويقول إن "قانون المنظمات غير الحكومية الجديد يستهدف أيضاً المنظمات التي تؤدي خدمات اجتماعية".

أشار زرعة إلى أن "هناك قادة جدداً سوف يخرجون من منظمتهم، وهؤلاء القادة الجُدد سوف يقفون أمام القادة الحاليين، لذلك هم يرونهم تهديداً محدقاً بهم خلال 10 سنوات، وهو السبب في محاولاتهم غلق الأجواء، لن يسمحوا بخروج قادة جدد يحملون رؤية جديدة من خارج التيار الرئيسي، هؤلاء أشخاص مبتكرون يحلون المشاكل، بينما الحكومة ليست كذلك".

مُنع زرعة أيضاً من السفر لسبب غير معلوم، ويعتقد هو وشريكه بهي الدين حسن -الذي جُمّدت أمواله في "قضية التمويل الأجنبي"- في تأسيس معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن إغلاق المعهد بات وشيكاً.

يقول زرعة: "على الرغم من إدراكه أن قدرة معهده في دعم حجازي وزملائها المتهمين قد انخفضت بسبب انشغال المنظمة بأزماتها الخاصة، إلا أنهم بذلوا قصارى جهدهم في ظل هذه الظروف، بما في ذلك ضمان حضور مراقبين قانونيين دوليين أثناء المحاكمة لمراقبة الإجراءات".


هل تضغط الولايات المتحدة على مصر؟



خلصت مجموعة من المراقبين القانونيين في سبتمبر/أيلول إلى وقوع "انتهاكات عديدة للقانون الدولي" أثناء محاكمة حجازي، إذ وضعت حجازي (مواطنة أميركية مصرية) وزملاؤها المتهمون المصريون بنفس القضية رهن الاحتجاز على ذمة القضية لمدة سنتين، ما يعد تجاوزاً للمدة القانونية للاحتجاز الاحتياطي في القانون المصري، وعلى الرغم من إطلاق سراح أحد المتطوعين مؤخراً بكفالة لأسباب صحية، انتقد تقرير المراقبين أيضاً هيئة الادعاء "بالفشل في تقديم أي دليل قبل المحاكمة".

قال سعد محامي حجازي: "لقد واجه الدفاع صعوبة في التحدث للشهود الرئيسيين واستجوابهم، مثل الأطفال التي حُبست حجازي بسببهم وفق زعم الادعاء"، وأضاف أن "المحكمة أخبرتنا بأنهم ليس لديهم بيانات الاتصال بهم بعد أن سُلموا إلى آبائهم، وعندما طلبنا تصريحاً بالبحث عن هؤلاء الأطفال، رفضت المحكمة".

Samantha Power قابلت عائلة آية حجازي التي سجنت قرابة 865 يوم في مصر، بتهمة تأسيس مأوى للأطفال، خسارة لمصر. 12.48 صباحاً-14 سبتمبر/أيلول 2016

على الرغم من الهدوء في بداية القضية، ازدادت حدة تصريحات حكومة الولايات المتحدة خلال الصيف والخريف، إذ صدر بيان من البيت الأبيض في سبتمبر/أيلول، جاء فيه: "تطالب الولايات المتحدة الحكومة المصرية بإسقاط كل التهم الموجهة لحجازي وإطلاق سراحها"، بينما لم يشر البيان إلى زوجها والمتهمين الآخرين.

وصدرت أيضاً مطالبات بإطلاق سراحها من بعض أعضاء الكونغرس، منهم النواب دون باير وجيري كونولي والسيناتور تيم كاين نائب المرشح الرئاسي السابق من ولاية فيرجينيا التي يقع بها منزل حجازي.

في ظل اقتراب بداية ولاية الرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي عبر عن نيته في توطيد العلاقات مع مصر، هناك مخاوف من أن تتجه هذه القضية إلى آخر قائمة أولوياته.

تقول عقيل: "أشعر بالقلق بكل تأكيد من احتمالية توقف ضغط حكومة الولايات المتحدة على المصريين بشأن هذه القضية".

وأشار ترامب إلى السيسي بأنه "شخص رائع" بعد لقاء معه على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، وقد اعترف الرئيس الأميركي المنتخب مؤخراً بالتدهور في مجال حقوق الإنسان الذي تعيشه البلاد.

وصرح موقع PBS Newshour بعد اجتماع عُقد مؤخراً بين سامح شكري وزير الخارجية المصري، ومايك بينس نائب الرئيس المنتخب، عند سؤال رأس الدبلوماسية المصرية عن ما إذا أُثيرت نقاشات حول قضايا حقوق الإنسان على وجه التحديد، كان رد شكري "لا".

هذا الموضوع مترجم عن موقع pri. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.