إمام عراقي سُنيٌّ أنقذ أبناء قريته الشيعة من "داعش".. كيف فعلها؟

تم النشر: تم التحديث:
MOSUL
NurPhoto via Getty Images

في قرية "عمركان" الواقعة شرقي الموصل، نجحت أقلية من طائفة الشبك التي يستهدفها تنظيم الدولة "داعش" لأسباب دينية، في البقاء على قيد الحياة والنجاة طوال عامين من سيطرة التنظيم على القرية.

ويعود الفضل في ذلك إلى إمام القرية نديم سليمان حسن، الذي ظل 20 عاماً يدعو أبناء قريته لاعتناق المذهب السنيّ، إلى أن سيطر تنظيم "داعش" على القرية في حزيران/يونيو 2014، حيث فهم سكان القرية سريعاً أن ما ينتظرهم هو مصير حالك السواد، فبدأ حسن خطته لإنقاذهم. بحسب صحيفة لوموند الفرنسية 27 ديسمبر/كانون الأول 2016.

وقبل وصول تنظيم "داعش" كانت قرية "عمركان" تضم نحو 500 عائلة من طائفة الشبك، وهي أقلية عراقية تنتشر في عشرات القرى الصغيرة في سهل نينوى، وموجودة في منطقة الموصل.

ويقول حيدر عبدالله، أحد سكان القرية الذي اضطر للجوء في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2016 إلى معسكر الخازر في كردستان بعد أن تم تحرير قريته من سيطرة التنظيم مؤخراً: "يدّعي البعض أننا أكراد، فيما يقول آخرون إننا عرب، ولكن الأمر ليس واضحاً تماماً بالنسبة لهم، كما أنهم لا يفهمون بالضبط انتماءاتنا الدينية".

وتتكلم أقلية الشبك اللغات العربية والكردية، بالإضافة إلى اللغة الغورانية التي تعود أصولها إلى إيران. ويُعرّف بعضهم أنفسهم على أنهم شيعة، فيما يعتبر آخرون أنفسهم سنّة، وتتغير انتماءاتهم الدينية بحسب التأثيرات الخارجية والظروف التي يعيشونها ومصالحهم. أما موروثهم الثقافي فهو بالأساس روحاني يرتبط بالمذهب الشيعي، حيث إنه يمجد الإمام علي ونسله من الأئمة.


هكذا أنقذهم



خلال الأيام الأولى، من سيطرة التنظيم على القرية سرعان ما اختفى 27 شخصاً من هذه الطائفة التي تعيش قرب آثار نمرود؛ المدينة الأثرية التي تعود إلى العهد الآشوري.

يتذكر حيدر عبد الله (36 عاماً): "لقد اختفى هؤلاء الأشخاص فجأة ولم نعد نراهم، ولاحقاً قام التنظيم أيضاً بقتل ابن عمي وزوجتي، بعد أن اتهمهم بأنهم من الشيعة".

لم يكن ما اقترفه تنظيم "داعش" في القرية مفاجئاً، فالتنظيم لا يعترف بالغموض، وينبذ المواقف المحايدة، التي تتسم بها طبيعة طائفة الشبك.

يقول إمام القرية "عندما جاء عناصر التنظيم، قالوا لنا أنتم الشبك، إذن أنتم شيعة، وقد قررت بعض العائلات الفرار من المنطقة ويبلغ عددها حوالي مائة، واضطر الباقون لإتلاف كل الكتب والمصاحف التي طبعت في إيران، وحرق صور الحسينيات، وأخرى لمزار الإمام علي الموجود في النجف التي كنا نعلّقها في بيوتنا، وهكذا تمكنا من البقاء في قريتنا".

وكانت هذه هي ملامح الخطة التي وضعها الشيخ حسن، حيث أقنع عناصر التنظيم أن أهل القرية من السنة. يروي "لقد قلت لعناصر تنظيم الدولة إنني سنّي وسكان قريتي كلهم من السنّة".

قد يكون صدق الشيخ حسن فيما ادعاه بنفسه من أن جميع أهل القرية من أتباع المذهب السني، وقد يكون لا يزال حريصاً على إخفاء هوية أبناء قريته حرصاً على حياتهم في معركة لم تضع أوزارها بعد، حيث أعرب عن تفاجئه حين قلنا له إن بعض سكان القرية من أقلية الشبك الذين قابلناهم أعلنوا عن انتمائهم للمذهب الشيعي، وشكروه لأنه كذب على عناصر تنظيم "داعش" لإنقاذ حياتهم.

ويعلق الشيخ الذي بنى المسجد الوحيد في القرية قبل 20 عاماً "هل أصبحوا فعلاً من الشيعة؟! ولكن متى حدث ذلك؟! ما أعلمه هو أن الجميع هنا من السنّة، وحتى أولئك الشباب الذين أعدمهم تنظيم الدولة بعد دخوله القرية، لقد درست معهم القرآن في صغري، وأعرف أنهم من السنّة".

ويعتبر إمام قرية "عمركان" أن بعض الشباب الذين ذهبوا لزيارة مدينة النجف "ذهبوا هناك للترفيه عن النفس وليس لأنهم فعلاً شيعة، فهم لا يفهمون أصلاً هذه المسألة"، على حد قوله.

وقام عناصر تنظيم "داعش" عند دخولهم القرية بمنع الإمام حسن من اعتلاء المنبر، وعيّنوا إماماً آخر تابعاً لهم. ويقول أيضاً أحد سكان القرية الشيعة، وهو شكار جميل حيدر ( 67 عاماً) "لقد تعرضنا لمعاملة سيئة من التنظيم، وكان جيراننا من السنة يعبّرون عن تعاطفهم معنا، ولكن ما بيدهم من حيلة".

وفي الوقت الحاضر لا يفكر اللاجئون من طائفة الشبك الموجودون في مخيم الخازر في إقليم كردستان في العودة إلى قريتهم، خاصة أن معركة الموصل لا تزال مستمرة، وهم يخشون من التعرض لغارات وعمليات انتقامية ونهب.

ويضيف شكار جميل: "نحن أصبحنا نخشى من أن نعيش بجانب بقية القرى، سيتوجب علينا تشييد جدار حول قرية عمركان". ولكن الشيخ حسن يرى أن هذه الفكرة مضحكة وغير منطقية. أما هو فعلى الرغم من أن تنظيم "داعش" سبب له ضرراً كبيراً، وأدى إلى بثّ الفرقة في القرية، فإنه ينتظره عمل كبير في المرحلة المقبلة لإقناع الجميع بأن همجية تنظيم الدولة لا علاقة لها بالمذهب السنّي.

ومن أجل المشاركة في الحرب ضد تنظيم الدولة، قام سكان القرية من الشبك بتشكيل اثنتين من الميليشيات المسلحة، إحداهما مدعومة من قِبل السلطات الكردية، والأخرى من قبل الميليشيات الشيعية. وقد قامت هذه الميليشيا الثانية برفع أعلام طائفية شيعية فوق القرى السنية التي حررها الجيش العراقي، الذي ينتشر الآن أيضاً في قرية "عمركان".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Le Monde الفرنسية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.