كيف تحالف إعلام بوتين وترامب ضد حلب.. إليك تفاصيل الخطة

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

منذ أقل من أسبوع، شكر بشار الأسد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على المساعدة في "تحرير حلب". لكنَّ هذا لم يمنع المُروِّجين الروس، وأصدقاءهم على الجانب الأميركي، من إنكار قصف المدنيين إنكاراً تاماً.

وتبنَّت الشبكات الإعلامية التي يدعمها الكريملين، ومعها المواقع الإلكترونية لليمين الأميركي المتطرف، التعبير الغربي الرنَّان "أنباء كاذبة" لوصف تفجيرات حلب، الحقيقية تماماً. والأسوأ من ذلك أنهم قد وصفوا المواطنين الأميركيين، الذين يجمعون التبرعات للشعب السوري المنكوب، بكونهم "مُروِّجين محترفين"، وفقاً لموقع "ذا ديلي بيست" الأميركي.


التعتيم ثم التشكيك


في الأسابيع الماضية، كانت حلب هدفاً لعمليات الإجلاء القسرية، ولم يؤذن لمراسلي شبكات الإعلام الغربية أن يقتربوا ليروا تلك الأعمال الوحشية رأي العين. لكنَّ تقارير جماعات حقوق الإنسان العالمية غير المنحازة، والفيديوهات من قلب الحدث تُظهر مباني مقصوفة ومدنيين مقتولين في الشوارع.

وبناء على هذا التعتيم الإعلامي، بدأ الطرح، الذي يصف تفجيرات حلب بكونها "أنباء كاذبة"، يأخذ الخطوات التقليدية لينتشر انتشاراً هائلاً في أميركا، ألا وهي فيديوهات فيسبوك المصقولة، سهلة المُشارَكة، التي تنشرها منافذ الإعلام الأميركي السائدة وصفحات فيسبوك واسعة الانتشار. وقد لا تدرك هذه المنافذ أنَّ تلك الفيديوهات قد صُنعت بأموال الكريملين.

ويتعارض الطرح القائل بارتكاب النظام السوري عدداً ضخماً من جرائم قتل المدنيين، مع طرح بوتين الذي أثنى على قوات النظام قائلاً: "نتج عن التعاون بين الجيشين السوري والروسي انتصار كبير في الحرب على الإرهاب العالمي".

أشهر الادعاءات المُنكرة لمجزرة حلب هو ادعاء إيفا بارليت، الإعلامية بشبكة "آر تي" (روسيا اليوم) التلفزيونية، التي تدعي منذ عام أنَّ "الإعلام يكذب عليكم بشأن حلب". وكانت بارليت قد وصفت في أغسطس/آب 2016، منظمة العفو الدولية، المعنية بحماية حقوق الإنسان بـ"منظمة العار الدولية"، بعد أن طلبت المنظمة تقديم مساعدات لحلب.

ونشرت بارليت فيديو في صفحة على فيسبوك تُدعى "In The Now"، شاهده 2,5 مليون شخص في 12 يوماً. وصفحة "In The Now" منفذ إعلامي شهير تدعمه روسيا، ومتفرعة من شبكة روسيا اليوم، هدفها السخرية من صفحات مثل "BuzzFeed" و"NowThis News"، وفي الأغلب تنشر موضوعات غير سياسية عن أشياء مثل الحيوانات الظريفة، والتكنولوجيا المبتكرة.

في هذا الفيديو، اتهمت بارليت المدنيين، الذين كانوا سيُقتلون إن لم يغادروا حلب، بكونهم "نشطاء"، قائلة "ما الذي يشترك فيه هؤلاء الناس كلهم؟ إنهم يريدونكم أن تظنوا أنَّ للقصة جانباً واحداً، وحقيقة واحدة، وهي أنَّ الأسد يقتل شعبه في مدينة تلو الأخرى، لسبب مجنون ما، بمساعدة روسيا، والسؤال هو: هل تصدقون هذا؟"

طبقاً لكلينت واتس، الزميل في "معهد بحوث السياسة الخارجية" الأميركي، هذا مثال لمنهج معلوماتي لطالما انتهجته روسيا، ألا وهو: زرع الشك في كل وكالة إعلامية، حتى تفقد كل الحقائق موضوعيتها، حتى وإن كان هناك فيديو يحسم الحقيقة من منفذ إعلامي سائد.

وقال واتس: "إنها ليست فقط حرباً معلوماتيةً على أميركا، بل هي حرب على المعرفة ذاتها، وهدفها ألا يثق الناس بأي شيء. لا يوجد مرجع. يمكن للمرء أن يقول ما يريد وأن يفعل ما يريد، ثم ينكره إنكاراً تاماً".


استراتيجية مخططة


ويؤمن واتس أنَّ هذا الطرح، المتمثل في "طرح الأسئلة فقط" بخصوص الأعمال الوحشية في حلب، ليس جديداً، بل زاد نجاح الذين يتبنونه منذ خرجت فيديوهات دموية وقصص مرعبة من حلب، مع بداية الإجلاء القسري لسكانها الشهر الجاري ديسمبر/كانون الأول 2016.

"كانت هذه استراتيجية النظامين السوري والروسي منذ البداية: أن يتخلصا من كل الصحفيين". يُتابع واتس الذي هو أيضاً زميل قديم في مركز الأمن الوطني والإلكتروني بجامعة جورج واشنطن.

واستطرد: "أحد أسباب فعل هذا أنك إن أردت لاحقاً أن تخوض حرباً معلوماتيةً وأن تقتل المدنيين، كل ما عليك أن تفعله هو أن تقول: لا توجد رواية حقيقية هنا! كيف تثقون بقصص منقولة؟. وهذا هو ما فعلوه ببراعة".

وأعادت شبكة روسيا اليوم نشر الفيديو على صفحة فيسبوك الخاصة بها، كما انتشر في مجموعات فيسبوك داعمة للرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، مثل مجموعة "انتخبوا ترامب فقط - الحزب الأميركي ينهض" المكونة من 31 ألف شخص، ومجموعة "ترامب - تكلموا بلا خوف ضد أسلمة أميركا" المكونة من 11 ألف شخص.

وبالنسبة لواتس، هذا أمر غير مفاجئ، فقد ألمح ترامب إلى أنَّ إدارته ستكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببوتين وروسيا، حتى إنه نشر تغريدة على تويتر، اقتبس فيها بحماس كلام بوتين عن فشل هيلاري كلينتون في الفوز بالانتخابات الأسبوع السابق. وفي المقابل، زادت شعبية بوتين بين الجمهوريين الأميركيين زيادةً صاروخيةً. وطبقاً لمركز بيو للأبحاث، فإن 37% من الجمهوريين يؤيدون بوتين، بينما يؤيد 17% منهم فقط الرئيس الحالي باراك أوباما.

ويوضح واتس "سيكون هذا جذاباً لمؤيدي ترامب؛ إذ سيسمح لهم بمحاباة روسيا، وهو ما لم يكن ممكناً لو كان قصف المدنيين في حلب حقيقياً. حيث قتل المدنيين وفعل الأشياء التي يعتبرها معظم الأميركيين لا أميركية"، مردفاً "إن أنكرت حدوثها، يمكنك حذفها من الطرح تماماً، وسيسمح لك هذا بأن تكون أكثر قابلية لتأييد بوتين".


التحالف الـ"ترامبي"


الثلاثاء 27 ديسمبر/ كانون الأول 2016، أجرت هيئة الإذاعة البريطانية فحصاً لحقيقة الادعاءات الواردة في فيديو بارليت، مشيرةً إلى أنَّ بعض الأحداث، التي ادعت تزييفها، مرتبطة ارتباطاً مباشراً بـ"فيديوهات ضحايا، تشمل أطفالاً يبكون وجسداً ميتاً لرجل مُسن، قد نُشرت اليومَ ذاته، ولم ينكرها أحد".

لكن الطرح القائل إنَّ حلب لم تُقصف في هذا الوقت كان منتشراً بالفعل. وبدأت تترسخ فيديوهات لمنافذ إعلامية أميركية تدعو لنظرية المؤامرة مثل "InfoWars".

وتساءل باول جوزيف واطسن، الذي يعمل في موقع "InfoWars": "هل كانت الأنباء الكاذبة، التي تناقلتها وسائل الإعلام السائدة عن الأعمال الوحشية التي ارتكبتها روسيا في حلب، هل كانت مصدر إلهام وحافزاً لراديكالية الرجل المسلح في تركيا؟" مشيراً بذلك إلى اغتيال سفير روسيا في أنقرة يوم التاسع عشر من ديسمبر/كانون الأول 2016.

ووصلت القصة إلى حلقة من برنامج يُدعى "رياليتي تشيك مع بين سوان"، على القناة المنتسبة لشبكة تلفزيون "CBS" في أتلانتا، الذي وصل عدد مرات مشاركتها إلى 61500 مرة في الأيام الستة الماضية.

وقال سوان: "التقارير القادمة من حلب مدهشة. إنها معاناة، وكارثة إنسانية. لكن لو كان هذا حقيقياً، لِمَ يحتفل كل هؤلاء الناس في حلب؟"


أنتم لا تعرفون


ويعكس هذا طرحاً ورد في قصص عديدة كتبتها شبكة إعلام الكريملين، روسيا اليوم، في الأسابيع الماضية.

وكتبت شبكة روسيا اليوم على موقعها: "بينما يحتفل مواطنو حلب بتحرير مدينتهم، ترسم وسائل الإعلام السائدة صورة معاكسة بعناوين مثيرة تشجب الأعمال الوحشية وانهيار الإنسانية، الذي يدَّعون حدوثه هناك. لكن ما مصادرهم؟ يقولون إنَّ شخصاً أخبرهم... معظم تقارير وسائل الإعلام السائدة غير مثبتة؛ فليس لديهم مراسلون في قلب الأحداث بحلب".

لا يشمل هذا فقط القصص الضخمة، بل يشمل أيضاً القصص الإنسانية في صفحات الجرائد المنسية. فالأسبوع الماضي، أعلن موقع Sputnik المُروِّج، الذي يدعمه الكريملين، أنَّ امرأتين من شيكاغو، وهما بيكي كارول وويندي ويدوم، اللتين بدأتا هاشتاغ "#StandWithAleppo" (قِفوا مع حلب)، أعلن أنهما "مُروِّجتين محترفتين".

ما حُجة Sputnik؟ أنَّ كارول عملت مع حملة أوباما عام 2008، وأنَّ ويدوم "تصف نفسها بأنها محررة شبكات اجتماعية تعمل لصالح CBS شيكاغو، وهي جزء من شبكة تلفزيونية، تشمل تغطيتها لما يحدث في حلب مؤخراً، الانحياز المُتوقَّع من مصادر وسائل الإعلام السائدة".

وختم واتس بقوله: "هذا ما يريدونه بالضبط. يريدونكم أن تفكروا على النحو التالي: أنتم لا تعرفون. لا يمكنكم أن تثقوا بأي منفذ من منافذ وسائل الإعلام السائدة"، منوهاً "إذ في هذه الحالة لو لم يكن هناك مقياس للحقيقة، يمكن للمرء أن يقول أي شيء".

- هذا الموضوع مترجم عن موقع The Daily Beast الأميركي، للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.