تضع اللمسات الأخيرة.. ما العقوبات التي توشك إدارة أوباما على تطبيقها بحق روسيا؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

توشك إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على إقرار سلسلة من الإجراءات العقابية بحق روسيا، لتدخلها في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، من بينها عقوبات اقتصادية وإجراءات دبلوماسية، وفقاً لمسؤولين أميركيين.

ويقول المسؤولون، إن الإدارة تضع اللمسات الأخيرة لتفاصيل الإجراءات العقابية، التي من المتوقَّع أن تشمل إجراءاتٍ أخرى مُستَترة، من بينها على الأرجح عمليات إلكترونية مضادة. وسيُعلَن عن جوانب رد فعل الإدارة الأميركية ضد التدخل الروسي خلال الأسبوع الجاري، وفقاً لما جاء بصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية.

وتأتي العقوبات المُقرَّرة تتويجاً لنقاشات، استمرت لأسابيع داخل أروقة البيت الأبيض، لمراجعة قرار تنفيذي كان قد صدر في عام 2015، الذي يمنح الرئيس سلطة الرد على أي هجمات إلكترونية آتية من خارج البلاد، لكن القرار لم يشمل حينها محاولاتِ اختراقٍ أو تأثيرٍ على النظام الانتخابي.

وطرحت إدارة أوباما القرار التنفيذي كأداة لمعاقبة وردع القراصنة الأجانب، الذين يُلحقون الضررَ بالاقتصادِ الأميركي والأمن القومي للبلاد.

في العام الماضي، ساعد التهديد بتفعيل هذا القرار الولايات المتحدة في انتزاع تعهُّدٍ من الرئيسِ الصيني بتوقفِ بكين عن ممارسات القرصنة الإلكترونية على أسرار الشركات الأميركية لمصلحة الشركات الصينية.

لكن المسؤولين استنتجوا خلال الخريف الماضي أن القرار التنفيذي، بالصيغة المكتوب بها، لن يُمكِّنهم من معاقبة روسيا على ارتكابها أكبر عملية قرصنة إلكترونية استفزازية مؤخراً ضد الولايات المتحدة الأميركية: الهجوم الإلكتروني على مؤسسات الحزب الديمقراطي، والهجوم على الأنظمة الانتخابية للولايات، والتدخل في الانتخابات الرئاسية.


تعهد الرئيس باراك أوباما هذا الشهر باتخاذ ردِّ فعلٍ ضد تدخل موسكو


ومع مرورِ الوقتِ، يعمل البيت الأبيض على تهيئة السلطة التي تُمكّنه من معاقبة روسيا، وفقاً لمسؤولين تحدثوا مع صحيفة "واشنطن بوست" عن المشاورات الجارية داخل الإدارة الأميركية، بشرط الحفاظ على سرية هوياتهم. تعهد الرئيس باراك أوباما هذا الشهر باتخاذ ردِّ فعلٍ ضد تدخل موسكو في الانتخابات الأميركية.

لكن روسيا أنكرت تورطها في أيِّ هجومٍ إلكتروني.

وستكون إحدى الطرق الواضحة التي يمكن من خلالها استخدام القرار التنفيذي ضد روسيا هو إعلان أن الأنظمة الانتخابية جزءٌ من "البنية التحتية الحيوية" للولايات المتحدة. ويكمن الحل الآخر في تعديل القرار التنفيذي كي يمكن تطبيقه في حالات التهديد الجديدة مثل التدخل في الانتخابات.

ويسعى مسؤولو الإدارة الأميركية إلى توفيرِ ضماناتٍ تجعل من الصعب على الرئيس المنتخب دونالد ترامب التراجع عن أي إجراءٍ يتخذونه.

وقال مسؤولٌ رفيع المستوى بالإدارة الأميركية: "إن جزءاً من هدفنا هو التأكد من تقديم أو إرسال كل السجلات للكونغرس، بحيث يصعُب التراجع عن أي إجراء".


أداةٍ عقابيةٍ تُمكِّنه من محاسبة الأشخاص الذين يهاجمون أنظمة الحاسب الآلي


أصدر أوباما القرار التنفيذي في أبريل/نيسان 2015، كأداةٍ عقابيةٍ تُمكِّنه من محاسبة الأشخاص الذين يهاجمون أنظمة الحاسب الآلي التي تؤدي مهام حيوية مثل توليد الكهرباء أو النقل، أو أولئك الذي يكتسبون ميزاتٍ تنافسية عبر القرصنة وسرقة الأسرار التجارية للشركات.

ويسمح القرار التنفيذي للحكومة بتجميد الأصول المملوكة لأجانب داخل الولايات المتحدة حال تورطهم في هجماتٍ إلكترونيةٍ تُهدِّد الأمن القومي الأميركي والاستقرار المالي للبلاد. وتشمل العقوبات أيضاً إيقاف المعاملات التجارية مع الأشخاص المعنيين، وحظر دخولهم إلى الولايات المتحدة.

لكن بعد مرورِ عامٍ واحد على إصدار القرار، تَمكَّنت وكالة تجسس عسكرية روسية من اختراق اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي وسرقة عددٍ هائل من الرسائل الإلكترونية السرية التي نُشرت بعدها بأشهرٍ قليلة على موقع ويكيليكس، وفقاً لمسؤولين أميركيين. تلى ذلك نشر تسريباتٍ أخرى، من بينها الرسائل الإلكترونية لمدير الحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون، جون بودستا.

وقال خبير شؤون الأمن القومي والإجراءات العقابية بكلية الحقوق بجامعة نيويورك، زخاري جولدمان: "كان هذا حدثاً ذا تأثيرٍ كبير بإمكاناتٍ تقنيةٍ محدودة". لم يكن القرار مُصمَّماً لاستهداف القراصنة الذين يسرقون الرسائل الإلكترونية وينشرونها في موقع ويكيليكس أو يحاولون تعطيل الانتخابات. واستطرد قائلاً: "صَدَرَ القرارُ في وقتٍ مُعيَّنٍ لمواجهة مشكلات مُحدَّدَة"، لذا على المسؤولين "إما الخوض في الحيل القانونية كي يُطبَّق القرار على حادث الهجوم الإلكتروني على اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، أو أن يصيغوا قراراً جديداً".

ويريد مسؤولو الإدارة أن يستخدم أوباما سلطته قبل مغادرة منصبه لتفعيل القرار وإثبات جدواه.

وقال المدير السابق للأمن الإلكتروني بمجلس الأمن القومي، آري شوارتز: "عندما تولى الرئيس منصبه لم يكن لديه الكثير من الأدوات التي تُمكِّنه من الرد. ولعل العقوبات أداةٌ مهمةٌ في هذا الصدد، فمن شأنها الرد بقوة على هذه الهجمات على نحوٍ أقل عنفاً من قصفِ بلدٍ، وكذلك أكثر تأثيراً من مجرد إرسال برقية دبلوماسية من جانب وزارة الخارجية".

وتَوصَّلَ مجلسُ الأمن القومي إلى أنه لن يتمكن من استخدام سلطته ضد القراصنة الروس، لأن نشاطهم الإلكتروني الخبيث لا يندرج ضمن بنود القرار، التي تشترط إلحاقَ ضررٍ بالبنية التحتية الحيوية، أو سرقةَ أسرارٍ تجارية.


قواعد بيانات أميركا جزء من البنية التحتية الحيوية


وقال مسؤولٌ بالإدارة الأميركية: "عليك أولاً اعتبار البنية التحتية الانتخابية، مثل قواعد بيانات الولايات، جزءاً من البنية التحتية الحيوية للبلاد، وثانياً إثبات أن ما قام به الروس ألحق ضرراً بها. وهذان عائقان كبيران".

ورغم الاعتقاد بأن قراصنة الحكومة الروسية قد اخترقوا على الأقل قاعدة تسجيل بيانات الناخبين بإحدى الولايات، فإنهم لم يتلاعبوا بهذه البيانات، وفقاً لمسؤولين.

ويعتقد بعض المحللين أن النظم الانتخابية للولايات تندرج ضمن "المنشآت الحكومية"، التي تعد واحدة من بين 16 قطاعاً للبنية التحتية الحيوية المعنية بها وزارة الأمن الداخلي.

ومن بين الخيارات الأخرى أن تستخدم واشنطن القرار الإداري ضد أهدافٍ روسيةٍ أخرى، مثل القراصنة الذين سرقوا أسراراً تجارية، ثم تبعث رسالةً، إما عامة أو خاصة، مفادها أن الولايات المتحدة تعتبر أنظمتها الانتخابية جزءاً من بنيتها التحتية الحيوية.

ولا تستهدف هذه الإجراءات العقاب فحسب، بل الردع أيضاً.

وقال مسؤولٌ آخر بالإدارة الأميركية: "بقدر ما ينتابني من قلقٍ تجاه ما حدث لنا في الانتخابات، أشعر بالقلق أيضاً تجاه ما قد يحدث في المستقبل. أنا على يقين من أن الروس وغيرهم يقولون: لقد نجح الأمر في 2016، فلنستمر إذن فيه. لدينا انتخابات في هذا البلد كل عامين".

وحتى مجرد التهديد بفرض عقوبات قد يكون رادعاً لأيةِ هجماتٍ مستقبلية. ويشير المسؤولون والخبراء إلى اتفاق الرئيس الصيني شي جين بينغ مع أوباما في العام الماضي، بأن بلاده ستحظر كافة أنشطة القرصنة الإلكترونية التجارية. وجاء جين إلى طاولة المفاوضات بعد انتشار أنباء خلال الصيف الماضي بأن الولايات المتحدة تستعد لفرضِ عقوباتٍ على الشركات الصينية.


فريق ترامب لم يحظ بعد بجلساتٍ حول قضايا الأمن الإلكتروني


وما يزيد الأمورَ تعقيداً هو أن الفريق الانتقالي لترامب لم يحظ بعد بجلساتٍ إعلاميةٍ مع البيت الأبيض حول قضايا الأمن الإلكتروني، بما فيها الاستخدام المحتمل للقرار الإداري الخاص بالعقوبات الإلكترونية. وأثار هذا التباطؤ المخاوف لدى مسؤولي الإدارة الأميركية، الذين يخشون أن تخبو جهود الإدارة في مجال الأمن الإلكتروني إذا فشلت الإدارة التالية في تقدير قيمتها.

ليست العقوباتُ حلاً سحرياً، فقد قال الرئيس أوباما: "لدينا بالفعل عددٌ كبيرٌ من العقوبات المفروضة على روسيا"، بسبب نشاطها في أوكرانيا. لذا، فإن الخبراء يشككون في جدوى إضافة مزيدٍ من العقوباتِ ومدى قدرتها على تغيير موقف الكرملين. لكن، قد تكون هذه العقوبات فعَّالة بجانبِ إجراءاتٍ أخرى.

وقد يكون توجيه لائحة اتهامات جنائية ضد الروس خياراً محتملاً، لكن مكتب التحقيقات الفيدرالية - FBI لم يجمع بعد الأدلة الكافية لتقديمها في قضية جنائية، وفقاً لمسؤولين. وفي مرحلةٍ ما، فكَّرَ المُدعون الفيدراليون وعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي في توجيهِ اتهام لـ"Guccifer 2.0"، وهو لقب شخص أو مجموعة أشخاص تابعين لنشاط عمليات القرصنة الروسية وغير معروفة هوياتهم.

وكانت الإدارة الأميركية قد استخدمت القنوات الدبلوماسية لتحذير روسيا قبيل الانتخابات، كما تحدث أوباما إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء قمة مجموعة العشرين في الصين بشهر سبتمبر/أيلول الماضي.

وقبل إجراء الانتخابات بأسبوع، بعثت الولايات المتحدة رسالةً عاجلة لموسكو، عبر قناة خاصة مُعَدة خصيصاً منذ العام 2013 للتواصل خلال الأزمات، وتتبع مركز الحد من المخاطر النووية التابع لوزارة الخارجية الأميركية. وقال مسؤولون في الإدارة الأميركية، إن الرسالة قد تضمنت مطالبة روسيا بالتوقف عن استهداف النظم الانتخابية وقواعد بيانات الناخبين.

كانت هذه المرة الأولى التي يُستَخدَم فيها هذا النظام، وقال المسؤولون إن الروس قد أبدوا استعدادهم للامتثال لطلبهم.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.