هل فكرتم يوماً في تعليم أطفال الشوارع عن طريق الفن؟ برنامج "سيار" قام بالتجربة في دمشق

تم النشر: تم التحديث:
PHOTO
sm

عندما تزور أحد الأماكن التي ينظم بها فريق "سيار" التطوعي نشاطاته، فإنك لن تلتقي أطفالاً يرتدون ملابس أنيقة، ولن تجد عائلات مهتمة بترفيه أولادها في يوم عطلتهم بعد أسبوع دراسي طويل؛ بل ستجد أمامك مجموعة من الأطفال بملابس متسخة ووجوه كوَتْها الشمس حتى باتت شديدة السمرة.

هؤلاء الأطفال هم ذاتهم الذين يقفون عند إشارات المرور، وينتشرون في الحدائق والشوارع يتسولون بضع الليرات أو شيئاً من الطعام، وهم أنفسهم الذين يتجنبهم غالبيتنا هاربين من طلباتهم وسوء مظهرهم، دون أن نهتم إن كان لهم أسماء أو هوايات، أو حتى التفكير في ظروفهم الصعبة والعنف الذي يعيشون فيه.


لا مجال للزمن!


كانت البداية من حديقة المدفع وسط دمشق، هناك التقوا بعض هؤلاء الصغار المتسولين، حاولوا التقرب منهم بمنحهم بعض الهدايا والحلويات، واقترحوا عليهم الاجتماع كل يوم سبت في المكان نفسه للعب والتعلم.

في اليوم المحدد، جاء 4 أطفال فقط، وحينما بحث الفريق عن بقية الأطفال علموا أنهم لم يفهموا معنى الوقت، ففي يومياتهم لا مجال لما يسمى السبت أو الأحد أو بقية الأيام، كما أنهم لم يتعلموا يوماً معنى الساعات والدقائق.



photo

وتوضح لمى النحاس -إحدى مؤسسات المبادرة- أن أولى العقبات التي واجهت الفريق كانت موضوع التوقيت والزمن، واحتاجوا لأكثر من شهر كي يدرك هؤلاء الأولاد معنى يوم السبت وساعة الاجتماع.

وتؤكد المتحدثة لـ"هافينغتون بوست عربي" أن الوضع تغير اليوم وهم يتجمعون قبل الموعد بساعة أو ساعتين بانتظار نشاطهم الأسبوعي، كما أنهم يتحدثون لبعضهم عن نشاطات الفريق ويزداد عددهم مرة بعد أخرى.



photo

الفريق اختار الحديقة العامة كي يكون قريباً من بيئة الأطفال، ولكن لاحقاً تمكن من الحصول على مركز تابع للأمانة السورية للتنمية، ومراكز أخرى في عدة مرافق من دمشق، موفراً بذلك مكاناً دافئاً لهؤلاء الأطفال يجمعهم خلال وقت النشاط.



photo

اليوم، يتباهون بأنهم ينتمون إلى ما يسمونه مدرسة "سيار"، وهنا تذكر لمى أن فريقهم منح هؤلاء الأولاد فرصة لم يحصلوا عليها في السابق، فلأول مرة يتعاملون مع أشخاص من خارج عالمهم، ويشعرون بأن الآخرين ينظرون لهم باحترام ويعاملونهم بحب واهتمام.

وتوضح لمى أن برنامج "سيار" يقوم على منح هؤلاء الأولاد شيئاً من التعليم يقتصر حالياً على محو أميتهم باعتبار أنهم لم يدخلوا إلى المدرسة في السابق، ولا يعرفون معنى القراءة أو الكتابة، حتى إنهم لم يمسكوا بقلم في حياتهم، كما يقوم الفريق بتعليمهم الأرقام وبعض المعارف التي غالباً ما يتم إيصالها عبر الرسم أو المسرح، وهي وسائل يوظفها المتطوعون أيضاً للتعرف على نفسيات الأولاد والمشاكل التي يعانونها.



photo


رسوماتهم تعكس شخصياتهم


وتحدثنا سامية النحاس -وهي أيضاً من مؤسسات الفريق- أن البرنامج يقدم العلاج بالفن بالإضافة للتعليم، وتوضح أن رسومات هؤلاء الأطفال تعكس الظروف التي يعيشونها، فملامح الشخصيات في رسوماتهم دائماً مشوهة.



photo

وتشير المتحدثة لـ"هافينغتون بوست عربي" إلى أن الرسومات كشفت لها حجم النقص العاطفي الذي يعانيه الأطفال، كما كشفت عن تعرض بعضهم للتحرشات الجنسية، بالإضافة إلى غياب مفهوم الأسرة في حياتهم.

وأوضحت أنها في المرات كافة التي طلبت فيها رسم صورة للعائلة قدم لها الأولاد رسومات أخرى، ولم يقدموا أبداً صورة للعائلة بمفهومها التقليدي. وفي حال رسم بعضهم عائلة تكون غالباً غريبة الشكل.



photo

وتضيف سامية أن ما يلفت انتباهها في رسومات الأطفال، أنها متشابهة في المطلق وكأنها منسوخة! فهم يرسمون بالطريقة نفسها ما يدل على أنهم يملكون نفسيات متشابهة وظروف حياة متقاربة.


أطفال "بصريون"


وبالإضافة إلى الرسم، يقدم الفريق مسرحاً تفاعلياً يشارك الأطفال من خلاله في تقديم الحلول للمشكلة المطروحة، وغالباً ما تتحدث هذه المسرحيات عن قضايا الإدمان والسرقة وضرورة التعليم.



photo

وتوضح إحدى المسؤولات عن الجمعية، أنهم يسعون من خلال هذه الأعمال لزرع بعض القيم في نفوسهم، وهي تدرك أن الطريق صعب وطويل، فالشيء المشترك بين هؤلاء الأولاد انعدام القيم والعنف، بالإضافة إلى الإدمان كما أنهم يعانون ضعف التركيز.

وتصفهم المتحدثة بأنهم "بصريون" يبحثون دائماً بأعينهم عن غنيمة لهم يتسولون منها أو يسرقونها، كما أن جميعهم لا يملكون القدرة على التواصل البصري في وجه محدّثهم، وتضيف سامية أن الوضع تغير حالياً وباتوا أكثر قدرة على الإصغاء ويملكون رغبة حقيقية في التعلم.


لم يسمعوا يوماً بالمدرسة


أنفق الفريق الكثير من الوقت في بداية الطريق كي يبني الثقة بينه وبين هؤلاء الأولاد ويعلمهم بديهيات الحياة، وتشير لمى إلى أن أولئك الصغار لا يعرفون أسماء الأشياء ولا حتى ألوانها، وهي تشعر بالاعتزاز؛ لأنهم تمكنوا خلال سنة من العمل من تعليمهم القراءة والكتابة.



photo

وبات غالبيتهم اليوم قادرة على تهجئة الكلمات وكتابة الجمل البسيطة، كما ترى أنه من بين إيجابيات عملهم أن 3 أولاد تركوا التسول وهم اليوم يعملون بمهن بسيطة، وحتى من بقي يعمل بالتسول فكر في تحسين ما يقوم به، وهم يقدمون أنفسهم على أنهم يبيعون محارم أو وروداً.



photo

ويحرص الأولاد اليوم على مستوى نظافتهم الشخصية؛ إذ ينظفون أيديهم قبل المشاركة في نشاط يوم السبت، كما يستحمّ غالبيتهم قبل هذا الموعد ليظهروا بصورة مقبولة أمام الفريق.

لا يخلو عمل الفريق من صعوبات كثيرة قد تصل لخطورة تعرضهم للأذى من طرف بعض الأولاد وعائلاتهم، ولكن بعد أكثر من سنة من عمر "سيار" أصبح البرنامج جزءاً من حياة هؤلاء الأطفال، خاصة أنه حاضر في كل المناسبات، بما فيها برد الشتاء وفرحة الإفطار في رمضان واللعب في العيد.