هل توجد رغبة مصرية في الإحاطة بشبكات التهريب؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

ظل محمد حسن بدون أصول لما يقرب من ربع قرن. فبعد نزوحه من موطنه، الصومال عام 1992، تنقَّل اللاجئ الثلاثيني ما بين المخيمات المختلفة في الصومال، قبل هجرته إلى اليمن. فَقَد حسن والده في طريق الهجرة، وكان والده يعمل مسؤولاً أمنياً سابقاً في الصومال. وكتب حسن فيما بعد، كتاباً يدين فيه الفصائل الإسلامية الموجودة في موطنه.

لم يتمكن حسن من العودة لرؤية والدته وابنه، وكان كُل ما يتطلع إليه هو الوصول إلى أوروبا ليتمكن من استقدام عائلته لتعيش معه ويلم شملهم، وفق تقرير لموق middleeasteye.

لم تُثنِ حسن عن عزمه أي من المعيقات التي واجهته في طريقه للهجرة، حتى عندما ماتت زوجته في المياه الواقعة ما بين إيطاليا وليبيا أثناء محاولتها عبور البحر الأبيض المتوسط في وقت مبكر من هذا العام. اتجه إلى مصر، قاصداً أوروبا.

حاول حسن سابقاً عبور البحر الأبيض المتوسط 7 مرات، ولكنّ في كل مرة كان يعيقه إمَّا سلطات تنفيذ القانون أو الطقس القاسي. ومر ببعض الأخطار الوشيكة، منها انقلاب القارب الذي كان يركبه، بعد خروجه من ساحل مدينة رشيد، الواقعة في شمال مصر، وذلك في شهر سبتمبر/أيلول الماضي.

قال حسن "كنت آخر من صعد على متن القارب، الرجل الأخير". وبدأ في شرح كيف نقلهم المهربون من الزورق الصغير. وهو أسلوب يتّبعه المهربون المصريون، لتجنُّب فضح أمرهم على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط البالغ 200 كم ما بين مدينتيّ الإسكندرية ودمياط.

وبمجرد صعوده على القارب الأكبر، أدرك حسن أنه جالس في وسط المياه. وقال "قال قبطان السفينة على الفور، 'سيغرق المركب!'".

حاولوا موازنة المركب بالرُكاب على الجانبين، إلا أنه تأرجح، وسقط مئات الركاب في المياه. كان الجميع يصرخون "بصوتٍ مذعور جداً جداً جداً.. لا أود سماعه ثانيةً"، على حد وصف حسن، وأضاف وهو يتذكر اللحظات الأولى لتلك الليلة في ظُلمة المياه السوداء الحالكة "كانوا يتشبّثون ببعضهم البعض، حتى بدأوا في الموت معاً".


لم تكن هناك استجابة سريعة


انتُقِد كُل من خفر السواحل المصري والقوات المُسلحة لعدم استجابتهم بالسرعة الكافية، رغم حقيقة أن المهاجرين اتصلوا بأقاربهم ممن كانوا على البر، وحذروهم مما سيحدث حتى يحاول أحدهم إنقاذهم.

أبلغ هؤلاء الأقارب السلطات بالأمر، إلا أنه لم تكن هناك استجابة سريعة تجاهه، وقاد الصيادون الموجودون هناك جهود الإنقاذ. بينما رفضت وزارة الداخلية المصرية الرد على الطلبات التي تقدّمت بها صحيفة ميدل إيست آي للتعليق عما حدث.

قال حسن، "رأيت رجلاً مصرياً رأى جثة ابنه أمامه في المياه. تابعته وهو يقبّله قبلة الوداع، ويعيده إلى المياه مرة أخرى وهو يقول له، 'وداعاً يا بُنيّ'". وتذكّر حسن كيف كان يموت أحدهم كُل 20 دقيقة تقريباً، وقال "كان هناك صبيّان يسبحان في المياه حتى خارت قواهما، فقال أحدهما للآخر، 'حضِّر نفسك للموت!'".

بدأ أحد الصبيَّين في الدعاء، ثم ما لبث أن مات، وتبعه صديقه.. حتى اختفيا أسفل المياه بعدها بخمس دقائق.


"حطام السفينة المُهْمَل"


كان حسن من بين الأشخاص الأوفر حظاً. فقد أودت كارثة رشيد بحياة ما يقرب من 200 شخص، أكثرهم من المهاجرين المصريين، ما بين الرجال، والنساء، وبعض القُصَّر غير المصحوبين بذويهم، بل وعائلات بأكملها، تبحث عن حياة جديدة في أوروبا.

تكررت مثل تلك الحوادث عبر البحر الأبيض المتوسط خلال 2016. ورصدت مؤسسة الهجرة الدولية (IOM) حالياً 4742 حالة وفاة في المياه خلال هذا العام.

تمثل تلك الحادثة الخسارة الأكبر من ناحية الأرواح البشرية خلال 2016، فقد مات 500 شخص على الأقل، ونجا 37 شخصاً فقط. ظل القارب مفقوداً لما يقارب أسبوعاً كاملاً -لم يكن موجوداً بصورة رسمية من الأساس-، حتى تمكن خفر السواحل والمسؤولون من إدراك حجم الكارثة. كان من بين الموتى، العديد من الشباب الصوماليين، الذين علقوا آمالاً واسعة على بناء مُستقبل أفضل في أوروبا.

عُرِف القارب باسم "الحطام المُهْمَل" حتى أجرت وكالتا BBC وReuters تحقيقاً مُشتركاً. انطلق القارب في بداية رحلته من مصر -وليس ليبيا كما ذاعت الأخبار- مما يشير بأصابع الاتهام إلى دور مصر المتنامي في كوارث الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط.

كانت فردوسة محمد، الأم لطفلين وهي في الأصل من الصومال، تحضر دروساً لتعلم الإنكليزية والحرف بمركز الجالية الصومالية بمدينة نصر في محافظة القاهرة، حتى وقتٍ قريب قبل أن تغادر السفينة. واختفت بعد ذلك.

يتذكر إبراهيم عمر، الذي يدير مركز الجالية الذي يحمل اسم "صفواك" (الجمعية الصومالية لتنمية المرأة والطفل)، صوماليات كثيرات مثل فردوسة. فقد عاشوا كلهم لفترة في القاهرة، لكنهم توجهوا بعد ذلك لركوب البحر المتوسط؛ بسبب إحباطهم من انتظارهم الطويل لإعادة تسكينهم عن طريق مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين.

قال عمر "الجميع كان مصدوماً. لقد ترك الناس منازلهم بسبب انعدام الأمان.. وكانت لديهم طموحاتهم العظيمة في الوصول إلى مكان مستقر وهادئ حيث يستطيعون بدء حياة جديدة. وبدلاً من ذلك، غرقوا في البحر لسوء الحظ".

وأضاف قائلاً "يشبه هذا الأمر المثل الإنكليزي الذي يقول (خرج من المقلاة ودخل إلى الحريق)".


"الالتزام" المصري الجديد تجاه الهجرة


بدأ المسؤولون المصريون بشكل ملحوظ مناقشة قضايا الهجرة على هامش الاجتماعات الثنائية أو الدولية خلال العام الحالي، مشيدين بالتزام الجانب المصري لكبح جماح تلك الأزمة.

في أول قمة دولية للأمم المتحدة بشأن اللاجئين والمهاجرين، والتي عُقدت في سبتمبر/أيلول الماضي، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي على التزام بلاده بدعم جهود مواجهة قضية الهجرة.

فيما يقول المسؤولون إن الدليل الأساسي على ذلك الموقف يمكن استنباطه من مشروع قانون الهجرة الهام الذي أقرّه البرلمان المصري في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والذي يحظر لأول مرة تهريب المهاجرين.

ولن يبدأ سريان مشروع قانون مكافحة التهريب قبل عام 2017، وحينها يمكن التأكد من رغبة قوات الأمن المصرية في الإحاطة بشبكات التهريب في المنطقة الساحلية الشمالية وقدرتها على ذلك.

وقالت ماري مارتن، مسئولة سياسات الهجرة واللجوء في الشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان (يوروميد) "نحن لا نعرف كيف سيُنفَّذ قانون [مكافحة التهريب]. قد يكون القانون مختلفاً تماماً حين تطبيقه عما هو عليه على الورق".

وأضافت مارتن أن التفاوت بين ما هو على الورق وما يُطبَّق قد يؤثر على حقوق اللاجئين والمهاجرين.

بعد مأساة رشيد، اعتقلت السلطات المصرية ما لا يقل عن 4 مهربين يزعم أنهم على صلة بالحادث، كما أحالت اثنين من المسؤولين في السلطات البحرية إلى المحاكمة لسماحهما للسفينة المعنية بالعمل من دون ترخيص.

ومع ذلك، في أكتوبر/تشرين الأول، تحدثت الصحف المصرية أيضاً عن عملية اعتقال كبيرة لعصابة من 8 أفراد تدير عملها من مطعم أسماك في شرق الإسكندرية. وتبين لاحقاً أن الخمسة سودانيين المشتبه بهم كانوا أقارب المفقودين في رشيد. وكانوا يتناولون الطعام في المطعم بعد يوم آخر قضوه في محاولة العثور على أحبائهم. تعرَّض 4 منهم في وقت لاحق للترحيل إلى السودان.


تعزيز التعاون بين مصر والاتحاد الأوروبي


رغم الشكوك، يحاول الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء العمل بشكل وثيق مع مصر بشأن الهجرة. يقال إن ألمانيا أيضاً تتعاون مع القاهرة تحديداً للحد من تدفق المهاجرين الذي يتجاوز العديد من الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف المتعلقة بالهجرة، والتي هي أحد المشاركين فيها بالفعل. ولكن هناك مخاوف داخل بروكسل بشأن التعاون مستقبلاً.

في 7 ديسمبر/كانون الأول، قدم 23 من أعضاء البرلمان الأوروبي رسالة إلى كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك رئيسة الشؤون الخارجية فيديريكا موغيريني، للتحذير من "تسارع وتيرة القمع في مصر وإسكات منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان". وحثت الرسالة المسؤولين على إثارة هذا الأمر "على أعلى مستويات الحوار مع مصر".

نص الخطاب على أن حملة القاهرة على المجتمع المدني على وجه الخصوص "تنتهك أسس التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومصر"، متحدثاً عن المادة الثانية من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر.


مخاوف التعاون المستقبلي بين مصر والاتحاد الأوروبي


في حين تقول مارتن إن مخاوف المجتمع المدني بشأن التعاون المستقبلي بين مصر والاتحاد الأوروبي "أكثر بكثير من مجرد مخاوف بخصوص موضوع الهجرة"، تثار تساؤلات حول ما إذا كانت حقوق اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين ستخضع للحماية كجزء من أي تعاون في المستقبل. وأشارت مارتن إلى القلق بشأن المهاجرين واللاجئين الذين يجدون أنفسهم محتجزين أو من يتعرَّضون للترحيل.

وقالت أسباسيّا باباذوبولو، وهي مسؤولة سياسات بارزة في المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين (ECRE) في بروكسل إن أموال الاتحاد الأوروبي التي تمنح لمصر "مكرسة لخلق الاعتماد على النفس في العمل ودعمه وإدماج النازحين والمجتمعات المحيطة بهم.. في محاولة للتصدي لحاجة الناس إلى مغادرة مصر".

وأضاف "لكن هذا لا يعني أن الحقوق مصانة، أو أن مصر مكان آمن".

ليس حسن متأكداً مما يجب عليه فعله. إنه لا يريد البقاء في مصر، لكنه يرفض محاولة عبور البحر الأبيض المتوسط ​​مرة أخرى.

ولكن ما البدائل؟ انتظار إعادة التوطين انتظاراً طويلاً، ومساعدة غير مكتملة من المفوضية، وفرصة بعيدة المنال في رؤية ابنه مرة أخرى؟ واعترف حسن قائلاً "ليست لدي سوى طريقة واحدة وهي العودة إلى الصومال". وهو يعلم أنها ليست آمنة.

وأضاف "لن أعود إلى البحر، لأنني رأيت مأساة الموت وعايشتها. لا أستطيع أن أحاول مرة أخرى بسبب ما رأيته".

-هذا الموضوع مترجم عن Middle East Eye. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.