هل نجح أردوغان أخيراً في إقناع المعارضة لتعديل الدستور؟.. تركيا على أبواب النظام الرئاسي

تم النشر: تم التحديث:
SFGDG
sm

ما إن يهدأ الحديث في وسائل الإعلام عن رغبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه في تغيير نظام الحكم في تركيا من نظام جمهوري إلى نظام رئاسي، حتى تعيده التحركات السياسية لقادة الأحزاب التركية إلى الواجهة من جديد.

بعد جولات مكوكية من الحوار بين صناع القرار في البلاد، أكد بن علي يلدرم، رئيس حزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء التركي، أن حزبه سيقدم مشروعه للدستور الجديد إلى البرلمان التركي خلال الأشهر القادمة، تمهيداً للمصادقة عليه، وهو ما يشير بشكل أو بآخر لضمان قادة الحزب حصول مشروعهم على الأصوات المطلوبة لتمريره داخل البرلمان.

وبينما يعارض حزب الشعب الجمهوري المعارض وحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد إقرار الدستور الجديد والتحول للنظام الرئاسي، يحاول حزب الحركة القومية ترك الأبواب مفتوحة أمام الحوار مع الحكومة التركية، أملاً في التوصل لاتفاق يرضي الطرفين.


الفكرة في مهدها


على عكس ما قد يتوقعه البعض، فإن فكرة تعديل الدستور والتحول إلى النظام الرئاسي في تركيا لم تكن وليدة الأشهر الماضية، فقد سبق وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العام 2014، أي في الفترة التي سبقت انتخابه رئيساً للجمهورية التركية، عن رغبته في تحويل نظام الحكم في تركيا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، يمنح الرئيس سلطة لا يمنحه إياها النظام الحالي.

ومع صعوده إلى سدة الحكم كأول رئيس ينتخبه الشعب التركي خلفاً للرئيس السابق عبد الله غول، بعد أن كانت هذه المهمة حكراً على البرلمان التركي لسنوات طويلة، عاد أردوغان وأعرب عن نيته في تغيير الدستور، لكن طموحاته اصطدمت بحاجز الأصوات التي احتاجها حزبه لتمرير القرار داخل أروقة البرلمان، حيث ينبغي لتعديل الدستور الحصول على تأييد ثلثي عدد أعضاء البرلمان (367 صوتاً من بين 550 هي عدد مقاعد البرلمان).

في الانتخابات البرلمانية الأخيرة حصل حزب العدالة والتنمية على 317 مقعداً في البرلمان لم تمنحه الفرصة لتعديل الدستور بمفرده، ما دفع قادة الحزب لبدء سلسلة من المشاورات السياسية مع أحزاب المعارضة التي تمكنت من دخول البرلمان التركي، باستثناء حزب الشعوب الديمقراطية، المدافع عن قضايا الأكراد، الذي يتهمه حزب أردوغان بدعم الإرهاب وتشجيع فكرة الانفصال التي ينادي بها الأكراد في تركيا.


الضوء الأخضر


يبدو أن حزب الحركة القومية اليميني الذي دخل البرلمان بـ40 عضواً، ومن خلال زعيمه السياسي المخضرم دولت بهشلي هو الأقرب لتمكين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تحقيق رغبته في تغيير الدستور، حيث تشير التقارير التي سلطت الضوء على لقاءات بهشلي المتكررة مؤخراً مع رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم، إلى منحة الموافقة المبدئية للتصويت لصالح تمرير المشروع، ومن ثم طرحه للاستفتاء الشعبي، الذي يحتاج وفقاً للقانون التركي إلى تأييد 330 صوتاً من أصل 550 صوتاً في البرلمان.

وفي تصريحاته المتعلقة بهذا الشأن أكد بهشلي حرص حزبه على التمسك بالنظام البرلماني وإصلاحه، لكنه وفي الوقت ذاته لم يخفِ انفتاحه على ما يختاره الشعب، حيث دعا بهشلي حزب العدالة والتنمية لجلب مسودة الدستور الجديد إلى البرلمان لمناقشتها. مشيراً إلى أنهم لن يقفوا أمام إرادة الشعب التركي إذا ما وافق على مشروع تعديل الدستور، وهو ما رأى فيه المحللون موافقة ضمنية على التصويت لصالح القرار داخل البرلمان، فيما أكد سميح يلتشن نائب رئيس حزب الحركة القومية، أن حزبه سيصوت بـ"لا" في الاستفتاء على تغيير الدستور في حال تم تنفيذه.


اتهامات المعارضة


ترفض أحزاب المعارضة في تركيا أي حديثٍ عن تعديل الدستور أو تغيير نظام الحكم في البلاد، وترى فيه محاولة من قبل حزب العدالة والتنمية الحاكم لزيادة نفوذ الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث صرح كمال كاليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري، ثاني أكبر أحزاب البرلمان بـ134 عضواً، بأن مناقشة مشروع القرار تعد "إهانة لشهداء الدفاع عن الديمقراطية" الذين سقطوا خلال محاولة الانقلاب الأخيرة التي قادها عدد من جنرالات الجيش التركي في الخامس عشر من تموز/ يوليو 2016.

أما موقف حزب الشعوب الديمقراطية الذي يقبع زعيمه صلاح الدين ديمرطاش خلف القضبان في قضايا دعم حزب العمال الكردستاني في تركيا، فلم يختلف كثيراً عن موقف حزب الشعب الجمهوري، حيث عارض قادته سياسات أردوغان الرامية لتغيير نظام الحكم، وأعلنوا أنهم لن يسمحوا لحزب العدالة والتنمية بالمساس بالدستور.

ووجه قادة الأحزاب آنفة الذكر أصابع الاتهام لحزب الحركة القومية ولزعيمه دولت بهشلي، مؤكدين أن الأخير يسعى لمعاونة الرئيس أردوغان لجر البلاد للدكتاتورية، على حد تعبيرهم.


الكلمة الفصل للشعب


وفيما يتعلق بمرحلة ما بعد تمرير القرار داخل البرلمان، أكد بكر بوزداغ وزير العدل التركي في حديثه لوسائل الإعلام المحلية، أن الحكومة التركية على استعداد لتنظيم استفتاء شعبي خلال فترة أقصاها 3 شهور من تاريخ مصادقة البرلمان.

وأضاف أن الاستفتاء سيتم قبل صيف العام 2017، وأنهم ينتظرون اتفاق حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية على تاريخ عرض مشروع الدستور الجديد على البرلمان، ليتسنى لهم التحضير للاستفتاء.


التعديلات الجديدة


لعل السؤال الذي يؤرق البعض عند الحديث عن تعديل الدستور في تركيا، هو التغييرات التي سترافق ذلك، وآثارها على نظام الحكم في البلاد، وهنا نرصد لكم أبرز ملامح التعديل المرتقب.

على صعيد التشريع فإن الدستور الجديد سيرفع عدد نواب البرلمان التركي من 550 نائباً إلى 600 نائب، وسيخفض كذلك سن الترشح للبرلمان من 25 إلى 18 عاماً، على أن تجري الانتخابات التشريعية والرئاسية في يوم واحد كل 5 سنوات.

وفيما يتعلق بصلاحيات الرئيس فإن الدستور الجديد سيعلن رئيس الجمهورية رأساً للسلطة التنفيذية في الدولة، فيما لن يضطر الرئيس وفقاً للدستور الجديد إلى قطع علاقته بحزبه بعد انتخابه، على عكس ما يقره الدستور الحالي.

وسيُطلب من الراغبين في الترشح لمنصب الرئيس الحصول على تفويض وتوقيعات من 100 ألف ناخب على الأقل. ويحق للرئيس المنتخب تولي الرئاسة لدورتين فقط كحد أقصى.

ويعين الرئيس نوابه وبعض الوزراء وكبار الموظفين العموميين، فيما يتيح التعديل الجديد المجال أمام البرلمان لفتح تحقيق مع رئيس البلاد في حال ارتكب جرماً ما، على أن يوافق ثلاثة أخماس نواب البرلمان على ذلك عبر اقتراع سري.

ويعد تشكيل الوزارة أو إلغاؤها أمراً منوطاً بمرسومٍ رئاسي، وإلى جانب ذلك يحق للرئيس إعلان حالة الطوارئ في البلاد، على أن يصادق البرلمان على القرار، في حين ستقتصر صلاحية تقديم مقترحات لقوانين جديدة على نواب البرلمان، على أن تكون مسؤولية إعداد قوانين الموازنة العامة من اختصاص الرئيس بموافقة البرلمان.

وفي حال نجاح حزب العدالة والتنمية في تعديل الدستور، فإن تطبيقه سيتم بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي ستجري بالتزامن في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، وإلى ذلك التاريخ سيستمر البرلمان والرئيس الحالي في أداء مهامهم حتى إجراء الانتخابات في العام المذكور.

يذكر أن نظام الحكم الحالي في تركيا هو نظام برلماني، تنقسم فيه السلطة بين هيئتين، هما الحكومة والبرلمان، الذي يُنتخب فيه الأعضاء من قبل الشعب في انتخابات برلمانية تشارك فيها كل الأحزاب التركية المستوفية للشروط.