بينها "إعادة ترسيم الشرق الأوسط".. هكذا على ترامب أن يجيب السؤال الروسي في 5 نقاط

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP PUTIN
A woman walks past a mural of U.S. president-elect Donald Trump and Russian President Vladimir Putin in Belgrade, Serbia, December 4, 2016. The text on the mural reads in Russian, Serbia and English "Kosovo is Serbia". REUTERS/Marko Djurica | Marko Djurica / Reuters

متجولاً في أروقة التاريخ الحديث للعلاقات الدولية، يخلص المؤرخ والمحاضر في جامعة هارفارد ذو الأصول الإسكتلندية نيال فيرغسون إلى أن السؤال الروسي هو السؤال الجيوسياسي الأهم والأصعب في الوقت الراهن، إلا أنه لا يوجد صعوبة في طرح حلول مقترحة لهذا السؤال، إذ أن التاريخ للأمم مثل الأشخاص بالنسبة للبشر يمكن -في رأيه- توقع خطواتهم التالية.

وانطلاقاً من هذا التصور يستعرض فيرغسون في مقاله المنشور بصحيفة فورين بوليسي الأميركية 23 ديسمبر/كانون الأول 2016، علاقات روسيا بالقوى الدولية المختلفة، منتهياً إلى أن أوباما محق حينما قال إنَّ روسيا أضعف بكثير من الولايات المتحدة الأميركية، ولكن موطن فشله كان في عدم استغلال هذا التفوق الذي تتمتع به أميركا. بدلاً من ذلك، سمح أوباما لبوتين بتوظيف هذا الضعف بضراوةٍ ومهارةٍ تكتيكيةٍ كبيرة. ومن المفترض أن يتمكن ترامب، والذي يزهو بقدرته على عقد الصفقات، على فعل ما هو أفضل بشأن روسيا.

وبحسب فيرغسون فإن هذا ما يجب على ترامب أن يقوله لبوتين قبل أن يتلقى منه اتصالاً للتهنئة بتوليه الرئاسة في يناير/كانون الثاني 2017.. فإلى نص المقال:

من منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، كان "السؤال الألماني" هو السؤال الجيوسياسي الأكبر والأصعب. كان هذا السؤال، ببساطة، هو ما إن كان توحيد متحدثي الألمانية تحت حكمٍ واحد من الممكن أن يخلق دولةً قوية على نحوٍ خطير في منتصف أوروبا. حُسِمَت الإجابة على هذا السؤال في النهاية، وكانت كما تنبأ أوتو فون بسمارك، السياسي البروسي - الألماني السابق والذي أشرف على توحيد الولايات الألمانية في القرن التاسع عشر، بالدم والحديد. إذ اندلعت حربان كارثيتان عالميتان، جلبتا العنف والدمار لجميع أنحاء أوروبا، وتركت الأخيرة منهما ألمانيا مهزومةً ومنقسمة. وعند توحيد ألمانيا مرةً أخرى عام 1990، كان التغير الديموغرافي والثقافي قد نزعا عن برلين أنيابها بما يكفي لأن ينتهي خطر ألمانيا الموّّحَّدة. ورغم أن ألمانيا مازالت تسود الاتحاد الأوروبي بسبب حجمها وقوتها الاقتصادية، إلا أنها لا تمثل خطراً حالياً.

الأمر يختلف في حالة روسيا، والتي أصبحت أكثر عدائيةً رغم أن قوتها الاقتصادية قد تضاءلت. وبالتالي فإن السؤال الجيوسياسي الأكبر والأصعب في القرن الواحد والعشرين من الممكن أن يكون: ماذا نفعل بشأن موسكو؟

كما كان السؤال الألماني، برز السؤال الروسي بسبب موقع روسيا المركزي. فموقع ألمانيا كان مركزياً بالنسبة لأوروبا. وفي أوجه، امتد الرايخ الألماني (رايخ كلمة تعني إمبراطورية أو مملكة) من مدينة كوبلنز إلى مدينة كينغسبرغ، من ضفاف نهر الراين إلى شواطئ بحر البلطيق. وكذلك روسيا حالياً، موقعها مركزيٌ بالنسبة للعالم كله. إذ كانت روسيا سابقاً هي الإمبراطورية الأوروبية الوحيدة التي تمتد إلى آسيا على الأرض وليس البحر. ورغم أن الاتحاد السوفيتي تفكَّك بشكلٍ سلميٍ مذهل منذ 25 عاماً في نفس هذا الشهر، إلا أن روسيا الاتحادية مازالت تمتد من كالينينغراد، الاسم الذي يُطلَق على مدينة كينغسبرغ منذ ضمها إلى روسيا عام 1945، وحتى فلاديفوستوك، وهي مسافةٌ تصل إلى 4500 ميل، وتضم 10 مناطق زمنية.

في القرن التاسع عشر، أمد الاختلاف بين المظهر الغربي لمدن روسيا الكبرى وبين ظهيرها الآسيوي الواسع الروائيين والمؤلفين المسرحيين بمادةٍ غنية مذهلة. ورغم الجدال بين الروائيين إيفان تورغينيف وفيودور دوستويفسكي حول أي اتجاهٍ يجب على روسيا أن تسلكه، إلا أنه لم يشكك أحدٌ في هذه المعضلة بين توجُّه روسيا إلى الشرق أم الغرب. ولم يكن الأمر أيضاً محض ظاهرة جغرافية. فحالة القنانة (وضع اجتماعي اقتصادي لطبقة الفلاحين في ظل الإقطاع)، والتي كانت تسود روسيا حينها، كانت تعني أنه حتى ستينيات القرن التاسع عشر، ومن الناحية العملية بعد ذلك بفترةٍ طويلة، كان على أي نبيلٍ روسي يرغب في الابتعاد عن أوروبا أن يتجول فقط عبر أراضيه.

ولكن حالياً، هذه المعضلة، بين توجُّه روسيا إلى الشرق أم الغرب، تتحول بسرعة إلى مشكلةٍ أساسية في السياسات الدولية وليس الأدب. فمن ناحية، توجد الصين، التي كانت تتفوق سابقاً على روسيا اقتصادياً وديموغرافياً، وتطمح الآن بشكلٍ متزايد للتفوق العسكري في آسيا. ومن ناحيةٍ أخرى، توجد أوروبا، والتي رغم ازدهارها الشديد أصبحت منطويةً على ذاتها سياسياً، وتعتمد بإفراط على الولايات المتحدة الأميركية للدفاع عنها.

في كتابه الأخير "النظام العالمي"، قارن السياسي الأميركي هنري كيسنغر بين 4 مفاهيم ناشئة وغير متوافقة للنظام العالمي: أميركي، وأوروبي، وصيني، وإسلامي. ولكن موضع روسيا في هذا المخطط ليس واضحاً. وكتب كيسنغر عن ذلك: "من قيصر روسيا الخامس، بطرس الأكبر، وحتى فلاديمير بوتين، تغيرت الظروف. ولكن النمط الروسي ظل متسقاً بشكلٍ مذهل. فروسيا هي قوةٌ أوراسية (تنتسب إلى أوروبا وآسيا في نفس الوقت) فريدة، تتمدد عبر قارتين، ولكنها لم تنتم أبداً بشكلٍ كامل لأيٍ منهما. ويقول كيسنغر إنَّ روسيا تعلمت حدودها الجيوسياسية "من حياة السهول الصعبة، حيث كانت جحافل البدو تتنافس على الموارد في مساحةٍ مفتوحة بلا أية حدود ثابتة تقريباً".

من الممكن أن نقول إنَّ روسيا هي القوة العالمية الأقل اهتماماً باستقرار النظام العالمي. بلا شك، سينكر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذلك، وسيقول إنَّ الأساس الأفضل الذي من الممكن أن يرتكز عليه هذا النظام هو الاحترام المتبادل بين القوى العظمى لدوائر نفوذ كلٍ منها وخلافاتها السياسية الداخلية. من ناحيةٍ أخرى، يبدو بوضوح أن روسيا هي القوة الأكثر استعداداً لاستغلال الأدوات الجديدة للحرب الإلكترونية التي حذر منها كيسنغر مسبقاً عام 2014 حينما كتب:

"هذا الانتشار الواسع للاتصالات الشبكية في القطاعات المجتمعية، والمالية، والصناعية، والعسكرية أدى إلى.. تطوير نقاط الضعف أيضاً".

وحدثت تلك الأزمة بالفعل. ففي الوقت الذي أكتب فيه هذا المقال، فإنَّ السؤال المُلِح في السياسة الأميركية هو مدى نجاح الحكومة الروسية في جهودها التي هدفت إلى التأثير على نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

ولم تعد مسألة محاولة روسيا للتدخل في الانتخابات محل خلاف. إذ نجح القراصنة الروسيون في اختراق حسابات البريد الإلكتروني الخاصة باللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي الأميركي. ونشر موقع "ويكيليكس" الرسائل المُسَرَّبة. وعلى الأرجح عزَّزت هذه التسريبات من آراء الناخبين السلبية بخصوص هيلاري كلينتون.

ونظراً للفرصة الضئيلة التي كان يمتلكها ترامب في الفوز بأصوات الولايات المتأرجحة الرئيسية، يمكن لنا أن نقول إنَّ هذه التسريبات كانت عاملاً حاسماً في فوز ترامب بالانتخابات.

ويقول الرئيس الأميركي باراك أوباما الآن إنَّه "عندما تحاول أية حكومة أجنبية التأثير على نزاهة انتخاباتنا.. نحتاج إلى اتخاذ بعض الإجراءات. وسنفعل ذلك".

ما لم يُحسَم بعد هو مدى إدراك حملة ترامب الانتخابية لتلقيها للمساعدة من روسيا. وإن كانت تدرك ذلك، هل كان الأمر متبادلاً؟ في مقالٍ بعنوان "دمية بوتين" في مجلة "سلايت" الأميركية، كتب الصحفي الأميركي فرانكلين فوير أن بوتين لديه "خطةٌ لتدمير الغرب، وهذه الخطة تشبه دونالد ترامب إلى حدٍ كبير".

وفي مقال بصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، وصفت الصحفية آن أبلباوم ترامب بـ"المرشح المنشوري" (تعبيرٌ حديث يعني مرشح يدعم جماعةً ما في العلن للفوز بالانتخابات، ولكن يستخدم سلطاته التنفيذية والتشريعية بعد فوزه لدعم جماعة أخرى معارضة). الأدلة على تلك الادعاءات ظرفية في أفضل أحوالها. فعندما عيَّن ترامب بول مانفورت كمديرٍ لحملته الانتخابية، في الغالب لم يكن يدرك بعمل مانفورت لحساب صديق الكرملين المُقرَّب فيكتور يانوكوفيتش، الرئيس الأوكراني الفاسد الذي تولى رئاسة أوكرانيا من 2010 حتى 2014. وكذلك كان مستشار ترامب السابق، كارتر بايج، يمتلك علاقاتٍ وثيقة مثيرة للشك بموسكو، وكان أحد المدافعين عن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم.

يستشهد أنصار نظرية المؤامرة هذه أيضاً بوصف ترامب لحلف الناتو بالحلف "البالي والمُكَلِّف"، وكذلك إعلانه عن رغبته في عقد صفقةٍ كبرى مع بوتين حال انتخابه، ورفضه المتكرر لتقبُّل فكرة مسؤولية روسيا عن حملة الهجمات الإلكترونية على خصومه، وهي الحملة التي حرَّض عليها ترامب في يوليو/تموز 2016، ولو على سبيل المزاح.

ولكن هذا الجدال حول علاقة ترامب بروسيا يثير الكثير من الغضب دون تقديم أية إجابات حاسمة. فأولاً، محاولات روسيا للتأثير على الانتخابات في الغرب ليس بالأمر الجديد: فعمليات الحرب النفسية هذه كانت تقوم بها وكالات الاستخبارات في كلا الطرفين خلال الحرب الباردة. وربما جعلت التكنولوجيا الحديثة هذه العمليات أكثر سهولة وفعالية، ولكنها مازالت (على عكس الحرب البيولوجية مثلاً) ضمن نطاق القانون الدولي.

ثانياً، في انتخاباتٍ اتسمت بحالة عامة من عدم ضبط النفس، ربما يكون ترامب قد استغل ببساطة أفضلية عظيمة لم تكن في الحسبان. فلو كانت حكومةٌ أجنبية أخرى قد وفرت موقعاً إلكترونياً ليبرالياً برسائل بريد إلكتروني مُحرِجَة مُسَرَّبة من حسابات الحزب الجمهوري، هل كانت حملة كلينتون الانتخابية ستتغاضى عنها؟

ثالثاً، لم يقل ترامب شيئاً خلال الحملة الانتخابية يؤكد فكرة تحالفه مع بوتين، وبدا هذا واضحاً في حديث ترامب مع المذيع الأميركي بيل أورايلي على قناة "فوكس نيوز" في أبريل/نيسان 2016 حينما قال: "أعتقد أنه من الممكن أن تكون لي علاقة جيدة ببوتين. لا أعلم.. ليست لدي فكرة يا بيل. ربما ستربطنا علاقة جيدة، وربما لا".

السؤال الحقيقي الذي نحتاج إلى طرحه هنا يتعلق بسبب تلهُّف الحكومة الروسية إلى هذ الحد للتأثير على الانتخابات لصالح ترامب. الإجابة على هذا السؤال ليست واضحةً كما قد يبدو للبعض. ومن الممكن أن تكون حاجة روسيا الفورية، والماسَّة كما قد يتراءى للبعض، إلى رئيسٍ أكثر ودية تجاهها مما كانت ستكون عليه هيلاري كلينتون. وهذا التدخل الروسي في السياسات الأميركية لا يعكس قوة روسيا، ولا تطوَُر استراتيجياتها، وإنما ضعفها واعتمادها على تكتيكات الحرب الباردة، والتي كانت منها عمليات الحرب النفسية.


عصرٌ جديد مجهول


لم يكن من المفترض أن تؤول الأمور إلى هذا الوضع. فمنذ 25 عاماً، لم يمثِّل تفكُّك الاتحاد السوفيتي فقط نهاية الحرب الباردة، ولكن أيضاً بداية ما كان ينبغي أن يكون العصر الذهبي للعلاقات الودية بين روسيا والغرب. بدا حينها أن الروس يستقبلون بحماسٍ شديد الرأسمالية والديمقراطية. وبدأت المدن الروسية تأخذ الطابع الغربي إلى حدٍ مذهل.

وأفسحت بقايا الاشتراكية المتمثلة في أرفف المحال الفارغة والدعاية الرافضة للرأسمالية والاستهلاك الطريق لفيضٍ من السلع والإعلانات المبهرة.

وعلى عكس مخاوف البعض، كان هناك نظامٌ عالمي جديد بعد عام 1991. أصبح العالم مكاناً أكثر سلاماً بشكلٍ ملحوظ، وذلك لتوقف تدفق الأموال والأسلحة التي حوَّلت كثيراً من الصراعات الإقليمية إلى حروبٍ بالوكالة. وهرع خبراء الاقتصاد الأميركيون إلى تقديم النصح للسياسيين الروس. وكذلك سارعت الشركات الأميركية متعددة الجنسيات للاستثمار في روسيا.

فلنعد 25 عاماً إلى الماضي، إلى عام 1991، ولنتخيَّل مثلاً ثلاثة سيناريوهات بديلة محتملة للمستقبل الذي نعيشه الآن. أولاً، تخيَّل أن الانقلاب العسكري الذي حاول متشددو الحزب الشيوعي السوفيتي تنفيذه في أغسطس/آب 1991 على الرئيس الروسي ميخائيل غورباتشوف لم يفشل، وأن الاتحاد السوفيتي لم يتفكَّك حينها.

ثانياً، تخيَّل تفكُّكاً أكثر عنفاً للاتحاد السوفيتي، تصاعدت فيه النزاعات العرقية والإقليمية بشكلٍ أكبر، وأنتجت حرباً كحرب حلف الناتو ضد يوغوسلافيا عام 1999، والتي كان كيسنغر يحذر منها أحياناً. أخيراً، تخيَّل مساراً أكثر رخاءً، ازدهر فيه اقتصاد روسيا معتمداً على الرأسمالية والعولمة، ونما بمعدلاتٍ تقارب اقتصادات الدول الآسيوية.

كان من الممكن لروسيا حينها أن تبقى كما هي، أو تتفكَّك تماماً، أو تزدهر اقتصادياً. لم يعلم أحدٌ عام 1991 أي هذه السيناريوهات المستقبلية سيتحقَّق. وفي الحقيقة، لم يتحقَّق أيٌ منها. إذ احتفظت روسيا بالمؤسسات الديمقراطية التي تأسَّست بعد عام 1991، ولكن حكم القانون لم يترسخ فيها، وتحت رئاسة فلاديمير بوتين، تمكَّنت حكومةٌ قومية استبدادية من تثبيت أقدامها في الحكم، حكومةٌ عنيفة بشكلٍ ملحوظ في قمعها للمعارضة والنقد. ورغم القوى الدافعة للانفصال، وخصوصاً في بلاد القوقاز، إلا أن روسيا الاتحادية تمكنت من الترابط والصمود. ولكن الأداء الاقتصادي لم يكن جيداً إلى الدرجة التي كانت تأمل فيها روسيا. وفي الفترة من 1992 حتى 2016، كان معدل النمو السنوي المركَّب للناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد حوالي 1.5%، مقارنةً بمعدلاتٍ تصل إلى 5.1% في الهند، و8.9% في الصين.

اليوم، يمثل الاقتصاد الروسي فقط حوالي 3% من إجمالي الناتج العالمي، وذلك طبقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي المبنية على طريقة تعادل القوة الشرائية (طريقة لتحديد العلاقة بين مستويات الأسعار النسبية في البلاد المختلفة). هذا في نفس الوقت الذي يصل فيه نصيب الولايات المتحدة الأميركية إلى 16% ونصيب الصين يصل إلى 18%. وإن حُسِبَ على أساس السعر الحالي للدولار، نجد أن إجمالي الناتج المحلي في روسيا أقل من إجمالي الناتج المحلي الأميركي بحوالي 7%. ويصل حجم اقتصاد بريطانيا إلى ضعف حجم الاقتصاد الروسي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الاقتصاد الروسي يعتمد بشكلٍ ضخم على صادرات الوقود الحفري، وغيره من المنتجات البترولية الأولية.إذ يصل حجم الصادرات الروسية من المواد البترولية إلى حوالي 63% من إجمالي صادرات روسيا، وذلك طبقاً لمرصد التعقيدات الاقتصادية (OEC). وتفاقم هذا الضعف النسبي للاقتصاد الروسي بسبب الانخفاض الحاد في أسعار النفط والغاز الطبيعي وغيرها من السلع البترولية منذ العام 2014، وبسبب العقوبات التي فرضتها كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي على روسيا بعد غزوها لأوكرانيا وضمها لشبه جزيرة القرم في نفس العام.


هل بوتين هو المسؤول عن تدهور العلاقات؟


من من المفترض أن يتلقى اللوم عن هذا التدهور الحاد مؤخراً في العلاقات الروسية الأميركية؟ متى بدأ بالضبط هذا التدهور؟ منذ أربع سنوات، سخر الرئيس الأميركي حينها باراك أوباما من مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة عام 2012، ميت رومني، لوصفه روسيا بـ"العدو الجيوسياسي الأول" للولايات المتحدة الأميركية. وحتى هذا اليوم، مازال أوباما يرى أن روسيا ضعيفة. وهو ما ظهر في حديثه مع الصحفي جيفري غولدبيرغ بمجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية في مارس/آذار 2016.

حيث قال أوباما إنَّ "بوتين يسعى دائماً للظهور بمظهر الند للولايات المتحدة الأميركية، وأنه يعمل معنا، لأنه ليس غبياً تماماً. فهو يفهم أن مكانة روسيا في العالم تضاءلت إلى حدٍ كبير. وغزوه للقرم أو محاولته لدعم الرئيس السوري بشار الأسد لن يحوِّله فجأةً إلى قوةً فاعلة". وذهب أوباما إلى أبعد من ذلك في مؤتمره الصحفي الخاص بنهاية العام، ووصف روسيا قائلاً: "دولة صغيرة.. وضعيفة.. ولا تنتج أي شيءٍ يريد أي شخصٍ شراءه".

هذه النبرة مختلفة تماماً عن النبرة التي تبنَّتها إدارة أوباما في بداية رئاسته في مارس/آذار 2009، حينما التقت وزيرة الخارجية الأميركية حينها هيلاري كلينتون مع نظيرها الروسي سيرغي لافروف، وضغطا سوياً على زرٍ كُتِبَ عليه بالإنكليزية "إعادة ضبط"، في إشارةٍ إلى إعادة ضبط العلاقات بينهما من جديد (ولكن كانت الترجمة الروسية التي كتبتها وزارة الخارجية الأميركية على الزر خاطئة، وكانت تعني بدلاً من ذلك "إفراط في التحميل"). لم تكن هذه المحاولة لإعادة ضبط العلاقات فاشلةً بالكامل. إذ توصلت الولايات المتحدة الأميركية وروسيا بعدها بعام إلى اتفاقٍ لتقليل مخزونهما من الأسلحة النووية (الاتفاقية المعروفة اختصاراً باسم معاهدة ستارت الجديدة).

إحدى الإجابات على هذا السؤال المتعلق بسبب تدهور العلاقات بهذا الشكل هي ببساطة بوتين نفسه. أتذكر بوضوح النبرة التي تحدَّث بها بوتين في خطابه عام 2007 في مؤتمر ميونخ للأمن، إذ كان بوتين، كما كتبت حينها: "تجسيداً مذهلاً لشخصية مايكل كورليوني في سلسلة أفلام العراب، كانت كلماته تحمل تهديداً ضمنياً".

حذَّر بوتين حينها، بكلماتٍ بدت موجهةً بشكلٍ أساسي إلى الأوروبيين الموجودين، من أن عالماً أحادي القطب، أي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأميركية، سيثبت أنه "عالمٌ مهلِك، وليس فقط بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي منفردةً، ولكن لسيادة الاتحاد نفسه. وأن استخدام أميركا المفرط للقوة سيغرق العالم في هاويةٍ من الصراعات الدائمة". ولأن حديث بوتين جاء في وقتٍ لم يبدُ فيه أن العراق أو أفغانستان يمثلان دعايةً جيدة للتدخل العسكري الأميركي، فإن كلماته كان لها تأثيرٌ معين، وخاصةً على الألمان.

بعد ما يقرب من 10 أعوام، من الأفضل، حتى لأشد منتقدي بوتين، أن يفكروا قليلاً في دور أميركا في تدهور العلاقات بينها وبين روسيا. فوجهة النظر الروسية التي ترى أن الخطأ يقع جزئياً على التجاوز الغربي تستحق أن تؤخذ على محمل الجد بشكلٍ أكبر من المعتاد.


هل الغرب هو المسؤول عن تدهور العلاقات؟


إن عُدْتُ مجدداً لكتاباتي، أفكاري خلال إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، سأقول إنني استهنتُ في تقديري للمدى الذي مثَّله توسُّع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي من استعداءٍ للروس.

مازالت بعض القرارات التي اتخذها الناتو والاتحاد الأوروبي بالنسبة لي يمكن الدفاع عنها. فنظراً لما مرت به كلٌ من بولندا والتشيك في منتصف القرن العشرين، استحقت الدولتان الأمن الذي وفرته لهما عضوية حلف الناتو(منذ عام 1999، حينما انضمت بولندا والتشيك والمجر للحلف)، والفرص الاقتصادية التي وفرتها لهما عضوية الاتحاد الأوروبي (والتي حصلا عليها عام 2004).

ولكن قرار الولايات المتحدة الأميركية في مارس/آذار 2007 بوضع أنظمة دفاع صاروخية مضادة للصواريخ البالستية في بولندا، بالإضافة إلى بناء محطة رادار في التشيك، يبدو الآن قراراً مثيراً للريبة، وكذلك القرار اللاحق بنشر عشر قواعد للصواريخ الاعتراضية ذات المرحلتين وبطارية صواريخ "إم آي إم - 104 باتريوت" في بولندا. ومع أن هذه الصواريخ نظرياً وُضِعَت لكشف واعتراض الصواريخ الإيرانية، إلا أنه كان من الواضح أن الروس سيعتبرونها موجهةً لهم. ولهذا كان نشر روسيا بعدها لصواريخ " إسكندر" قصيرة المدى في مدينة كالينينغراد رداً متوقعاً.

ورد الغرب بردِ فعلٍ مشابه في عام 2008، حينما أعلنت كوسوفو استقلالها عن صربيا، مدفوعةً من بعض دول الاتحاد الأوروبي. وكردٍ على ذلك، اعترفت روسيا بالمتمردين في أوسيتيا الجنوبية وجمهورية أبخازيا، وغزت هاتين المنطقتين في دولة جورجيا. ومن وجهة النظر الروسية، لم يكن ما فعلته مختلفاً عما فعله الغرب في كوسوفو.

ولكن الخطأ الأكبر في تقدير الغرب وأميركا للأمور كان رغبة إدارة بوش في النظر في انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، ودعم إدارة أوباما بعدها لجهود الاتحاد الأوروبي لعرض اتفاق شراكة على أوكرانيا. أتذكر بوضوح الحالة المزاجية المتهورة في مؤتمرٍ مؤيد للشراكة الأوروبية في مدينة يالطا بشبه جزيرة القرم في سبتمبر/أيلول 2013، حينما حثَّ جميع الممثلين الغربيين تقريباً أوكرانيا على أن تحذو حذو بولندا.

لم يفكر هؤلاء بشكلٍ كافي في الطريقة المختلفة التي تنظر بها روسيا لأوكرانيا، ولا في الانقسامات الواضحة داخل أوكرانيا نفسها بين مؤيدي الانضمام للغرب ومؤيدي الانضمام للشرق. ولم يلق أحد بالاً للتحذير الصريح من مساعد بوتين، سيرغي غلازييف، الذي كان موجوداً بالمؤتمر، من أن توقيع أوكرانيا لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى "اضطراباتٍ سياسية واجتماعية"، وانحدار شديد في مستويات المعيشة، و"حالة من الفوضى".

لا أقول هذا لإضفاء الشرعية على ما قامت به روسيا عام 2014 وضمها للقرم، والذي كان مخالفاً بشكلٍ واضح للقوانين والاتفاقيات الدولية. ولكني أوضح هذا لانتقاد الإدارات الأميركية المتتابعة لعدم الاكتراث تقريباً بحساسية روسيا تجاه أفعالها وردود أفعالها المحتملة.

في حديثه مع الصحفي ديفيد ريمنيك، رئيس تحرير مجلة "نيويوركر" الأميركية، في بداية عام 2014، قال أوباما: "في الحقيقة، لا أحتاج حتى إلى جورج كينان الآن"، في إشارةٍ إلى الدبلوماسي الأميركي السابق جورج كينان، المعروف باسم مهندس الحرب الباردة. ولكن العكس كان صحيحاً، إذ كان يحتاج أوباما بشدة، هو وسلفه بوش الابن، إلى مستشارين يفهمون روسيا جيداً كجورج كينان. وكما كان كيسنجر يقول في كثيرٍ من الأحيان، التاريخ بالنسبة للأمم كالشخصيات بالنسبة للبشر.

وفي السنوات الأخيرة، مال صناع السياسة الأميركيون إلى نسيان ذلك، وكانوا يستشيطون غضباً كلما تصرفت الدول الأخرى بطرقٍ كانت ستمكِّنهم معرفة التاريخ من توقُّعها. يمكننا أن نقول إنَّه لا توجد دولةٌ شكَّل تاريخها شخصيتها أكثر من روسيا. وكان من الغباء اعتقاد أن الروس سينظرون بهدوء إلى انتشار النفوذ الغربي في أوكرانيا، قلب روسيا في القرون الوسطى، وسلة غذاء الإمبراطورية القيصرية، ومسرح رواية "The White Guard" للروائي الروسي ميخائيل بولغاكوف، ومسرح جرائم المجاعة التي فرضها الزعيم السوفيتي الراحل جوزيف ستالين على الأوكرانيين لقتل النزعة الاستقلالية لديهم، وهدف هتلر الرئيسي في عملية "بارباروسا" العسكرية لغزو الاتحاد السوفيتي.

ومن الممكن أن يكون البعض قد ظنَّ أن صناع السياسة الأميركيون قد تعلموا درساً مما حدث في عام 2014. إلا أن إدارة أوباما استمرت في سوء فهمها لروسيا. ويمكننا أن نقول إنَّه كان من الخطأ ترك ألمانيا وفرنسا لتولي حل الأزمة الأوكرانية، بينما كان بإمكان التدخل الأميركي المباشر أن يجعل اتفاقيات "مينسك" الهادفة إلى حل الأزمة أكثر فعالية. وكان أيضاً من الخطأ الفادح منح بوتين فرصةً للتدخل في الصراع السوري بإيكال مهمة النزع الجزئي لأسلحة نظام الأسد الكيماوية إليه.

كانت إحدى أهم إنجازات كيسنغر الكبرى في بداية سبعينيات القرن الماضي هي إخراج السوفييت من الشرق الأوسط. ولكن إدارة أوباما هدمت ذلك الإنجاز، وهو الأمر الذي سيكون له عواقب وخيمة. وما نراه في حلب اليوم ما هو إلا حقيقة الجيش الروسي: رائد تكتيكات الانتصارات الحربية عبر القصف العشوائي للمدن في منتصف القرن العشرين.


ما هو ثمن السلام؟


ومع ذلك، مازلت غير مقتنع أن الاستجابة السليمة لهذه الأخطاء في السياسة الأميركية هي الانتقال من الاستهانة بروسيا إلى المبالغة في تقديرها. فنهجٌ كهذا في التعامل مع روسيا هو مجرد شكل آخر من سوء الفهم.

ليس من الصعب استنتاج ما قد يريد بوتين من أية صفقة كبرى مع ترامب. فأولاً، يريد بوتين رفع العقوبات المفروضة على روسيا. وثانياً، إنهاء الحرب السورية بشروطٍ روسيا، والتي ستتضمن بقاء الأسد في السلطة لفترةٍ مناسبة. وثالثاً، اعترافاً بضم روسيا للقرم، وتغييراً دستورياً في أوكرانيا يهدف لجعل الحكومة الأوكرانية عاجزةً بمنح منطقة دونباس الانفصالية شرق أوكرانيا الحق في استخدام الفيتو ضد أية تشريعات أوكرانية مضادة لمصالح روسيا.

ما يستعصي فهمه هو لماذا من الممكن أن ترغب الولايات المتحدة الأميركية في منح روسيا حتى ولو جزءاً من تلك المطالب؟ ماذا بإمكان روسيا أن تقدمه للولايات المتحدة الأميركية في مقابل هذه التنازلات؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي على فريق الأمن القومي الخاص بترامب أن يطرحه قبل أن يتلقى ترامب مكالمةً من الكرملين يهنئه بوتين فيها بتوليه الرئاسة.

لا شك أن الحرب السورية يجب أن تنتهي، وكذلك يجب حل هذا الصراع المتجمد في شرق أوكرانيا. ولكن شروط تحقيق السلام في سوريا يجب أن تكون مختلفةً تماماً عما يفكر فيه بوتين. فأية صفقة للتهدئة في سوريا في مقابل التضحية بأوكرانيا سوف تكون خطأً فادحاً.

كان أوباما محقاً حينما قال إنَّ روسيا أضعف بكثير من الولايات المتحدة الأميركية، ولكن موطن فشله كان في عدم استغلال هذا التفوق الذي تتمتع به أميركا. بدلاً من ذلك، سمح أوباما لبوتين بتوظيف هذا الضعف بضراوةٍ ومهارةٍ تكتيكيةٍ كبيرة. ومن المفترض أن يتمكن ترامب، والذي يزهو بقدرته على عقد الصفقات، على فعل ما هو أفضل بشأن روسيا. وهذا ما يجب على ترامب أن يقوله لبوتين:

أولاً، لا تنتظر رفعاً للعقوبات إن لم تسحب كل قواتك المسلحة ووكلائك من شرق أوكرانيا.

ثانياً، مستقبل أوكرانيا السياسي يقرره الأوكرانيون، وليس القوى الخارجية.

ثالثاً، نحن مستعدون لدراسة إجراء استفتاء آخر في القرم، نظراً للريبة التي تحيط بتنازل روسيا السوفيتية عن القرم لأوكرانيا السوفيتية في عهد الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف، ولكن يجب الإشراف على ذلك التصويت من قبل ممثلين أجانب موثوق بهم.

رابعاً، نحن مستعدون أيضاً لمناقشة معاهدة جديدة تؤكد على حيادية وعدم انحياز وضع أوكرانيا، في وضعٍ مشابه لفنلندا إبان الحرب الباردة. تتخلى أوكرانيا طبقاً لتلك المعاهدة عن عضويتها المستقبلية سواءً في حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي، وكذلك عن الانضمام لأية كيانات مشابهة تقودها روسيا كالاتحاد الجمركي الأوراسي.

ولكن معاهدةٍ كتلك يجب أن تشمل ضماناتٍ لسيادة أوكرانيا وأمنها، بطريقةٍ مشابهةٍ للمعاهدة الدولية الخاصة ببلجيكا عام 1839 (والتي عُرِفَت أيضاً بمعاهدة لندن، وكانت تتضمن اعترافاً من القوى الأوروبية باستقلال وحيادية بلجيكا). وهذه المعاهدة سيُدعَم استمرارها بالقوة إن تطلَّب الأمر، كما كان يجب على أوباما دعم استمرار مذكرة بودابست للضمانات الأمنية عام 1994 (وهي معاهدة دولية وُقعت في 5 فبراير/شباط 1994 في بودابست بين أوكرانيا، وروسيا، والولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، وتتعلق المعاهدة بنزع السلاح النووي الأوكراني وضماناتٍ أمنية لاستقلال أوكرانيا).

خامساً، في مقابل هذه التنازلات، تتوقع الولايات المتحدة الأميركية من روسيا المشاركة والتعاون في جلسةٍ خاصة للأعضاء الدائمين بمجلس الأمن بالأمم المتحدة، لوضع نظام جديد وسلمي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. ويجب ألا يقتصر الحوار بهذه الجلسة على الأزمة السورية، ولكن يجب أن يشمل أيضاً دولاً أخرى في المنطقة تعاني من الحروب الأهلية والإرهاب، لا سيما العراق وليبيا. ويجب أن تتعرض هذه الجلسة لمسائل ظلت متروكةً لقرنٍ كامل، منذ رسمت اتفاقية سايكس - بيكو حدود الشرق الأوسط الحديث.

باقتراحٍ جريءٍ كهذا، ستستعيد إدارة ترامب زمام المبادرة مرةً أخرى، وليس فقط فيما يتعلق بالعلاقات الروسية الأميركية، ولكن أيضاً في العلاقات الدولية بشكلٍ عام. سيدفع اقتراحٌ كهذا بشكلٍ حاسم طموح بوتين في علاقاتٍ ثنائية كما كان الحال بين روسيا وأميركا في الماضي، وهي علاقةٌ لم تعد روسيا تستحقها رُغم نفطها وأسلحتها. كما سيستعين بجهود قوتين أوروبيتين لهما مصالح تاريخية في منطقة الشرق الأوسط (فرنسا وبريطانيا، طرفي اتفاقية سايكس - بيكو) لحل مشكلة استقرار المنطقة، وكذلك جهود قوةٍ آسيوية، وهي الصين، التي تعتمد بشكلٍ متزايد في مجال الطاقة على الشرق الأوسط.

من الممكن تأجيل التفكير في إجابة السؤال الروسي إلى وقتٍ آخر.

ولكن بإعادة صياغة النظام العالمي على أساس التعاون بدلاً من الجمود في مجلس الأمن، تطرح أميركا السؤال بطريقةٍ أخرى. هل ستتعلم روسيا التعاون مع القوى العالمية الأخرى؟ أم هل ستستمر في معارضة النظام العالمي؟ ربما ستختار روسيا الاختيار الثاني. ففي النهاية، نظام روسيا الاقتصادي يُفَضِّل أن يكون سعر برميل البترول 100 دولار بدلاً من 50 دولاراً، وبالتالي فهو يستفيد أكثر من غيره من زيادة الصراع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصةً إن وصل هذا الصراع إلى حقول النفط في الخليج العربي.

ولكن، إذا كان هذا هو هدف استراتيجية روسيا، فمن الصعب أن نتوقع استمرار التعاون بين الصين وروسيا في مجلس الأمن لوقتٍ طويل. فالصين تريد الاستقرار في إنتاج النفط وانخفاض أسعاره بقدر ما تريد روسيا العكس. ونظراً لخلافاتها الأخيرة مع الولايات المتحدة الأميركية، انصاعت روسيا على مضض لامتداد مبادرة "حزام واحد، طريق واحد" الصينية، والتي توسِّع نفوذ الصين الاقتصادي إلى وسط آسيا، إحدى مناطق النفوذ الروسية سابقاً. وبالتالي هناك تضاربٌ في المصالح في هذا الأمر أيضاً.

في النهاية، مسؤولية حل السؤال الروسي لا تقع على كاهل الولايات المتحدة الأميركية. ولكن هذا تحدٍ تواجهه روسيا نفسها. ومن خلال إعادة إرساء سياسات كيسنغر، والتي تتطلب أن تكون علاقة أميركا بكلٍ من روسيا والصين أفضل من علاقتهما ببعضهما البعض، يمكن لإدارة ترامب اتخاذ خطوة أولى هامة نحو تنظيف تلك الفوضى الجيوسياسية التي ورثتها عن باراك أوباما.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.