بايع داعش قرب مقر ميركل.. كيف انتقل المطلوب الأول بسلاحه عبر القطارات ووصل أرضه المألوفة؟

تم النشر: تم التحديث:
TRAIN
s

انتهت مطاردة أكثر مطلوب في أوروبا بتبادل إطلاق النار خارج إحدى محطات القطار في ميلانو في الساعات الأولى من يوم الجمعة، الموافق 23 ديسمبر/كانون الأول، لكنها تركت السلطات في مواجهة أسئلة عسيرة حول الطريقة التي استطاع بها إرهابي مسلح مشتبه به السفر آلاف الأميال باستخدام وسيلة مواصلات عامة، قبل إلقاء القبض عليه.

وقال وزير الداخلية الإيطالي، ماركو مينيتي الجمعة 24 ديسمبر/كانون الأول 2016، إنَّ الرجل الذي قُتل في ميلانو هو نفسه "دون ذرة شك" أنيس العامري، المتهم بتنفيذ الهجوم الإرهابي الذي وقع الإثنين على سوق من أسواق الكريسماس في برلين. وأكدت السلطات الألمانية تطابُق بصمات أصابع قتيل ميلانو مع البصمات المرفوعة من كابينة قيادة الشاحنة التي استُخدمت في الهجوم، وفق ماجاء في الغارديان.


أُوقف من قبل شرطيين في فحص دوري


وقال مينيتي، إنَّ العامري كان قد أوقف من قبل شرطيين في فحص دوري بحي سيستو سان جيوفاني، في ضواحي المدينة، وطُلب منه إبراز وثائقه. أخبر العامري الضباط أول الأمر أنه لا وثائق لديه، وأنه من كالابريا، وعند الضغط عليه، مدَّ يده إلى حقيبته واستلَّ مسدسه من عيار 22، وأطلق النار على كتف الضابط كريستيان كوفيو (36 عاماً).

استجاب الضابط الآخر، ويدعى لوكا سكاتا (29 عاماً) بإطلاق النار على صدر العامري. وتشير التقارير إلى موت التونسي (24 عاماً) متأثراً بجراحه بعد ذلك بعشر دقائق، رغم محاولات إسعافه.

ما زال موفيو في المستشفى بسبب جرح ذراعه غير الخطير. وقال مينيتي إنه أخبر الضابط الجريح بأنَّ "الإيطاليين سوف يكون بإمكانهم التمتع بإجازة أسعد". وأضاف: "كل إيطاليا ينبغي أن تكون فخورة به... ليس من السهل ضمان مستوى ملائم من الأمن في مواجهة خطر الإرهاب، لكننا نقوم بكل ما بوسعنا".


ميركل تريد معرفة كل صغيرة وكبيرة في قضية العامري


أما أنغيلا ميركل، التي تلقَّت نبأ مقتل العامري بعد اتصال من رئيس الوزراء الإيطالي باولو جنتيلوني، صباح الجمعة، فقد شكرت الضباط الإيطاليين، وطالبت بفتح تحقيق لمعرفة "كل صغيرة وكبيرة في قضية العامري". وقالت المستشارة الألمانية إنه أينما اقتضت الحاجة إحداث تغيير سياسي أو تشريعي فسوف يتم ذلك على وجه السرعة.

وقد أثيرت أسئلة صعبة، بالنسبة للوكالات الأمنية والسياسيين في كل أوروبا، بسبب حقيقة أنَّ الرجل الذي كانت ميوله الإرهابية معروفة لوكالات الاستخبارات الألمانية، نجح في الاختفاء قبل تنفيذ هجمته، وتجنب الشرطة أثناء سفره لما لا يقل عن ألف ميل عبر القارة، على الرغم من صدور مذكرة توقيف أوروبية بحقه.


وكالة الاستخبارات المغربية قد حذَّرت السلطات الألمانية


وقد ادعت بوابة موندو أفريك، الباريسية، الجمعة أنَّ وكالة الاستخبارات المغربية قد حذرت السلطات الألمانية مرتين من دعم العامري "الحماسي" لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، واتصاله باثنين من ممثلي التنظيم قبل هجمات يوم الإثنين. إحدى هذين المرتين كانت في 19 سبتمبر/أيلول، والثانية في 11 أكتوبر/تشرين الأول.

وقد بثَّت وكالة "أعماق"، التابعة لداعش فيديو يبايع فيه العامري زعيم التنظيم، أبا بكر البغدادي، ودعا فيه مؤيدي داعش إلى الانتقام من "الصليبيين" لقصفهم المسلمين. ويبدو أنَّ هذا التسجيل قد التُقط باستخدام هاتف محمول في كوبري كيلير في حي موابيت ببرلين، على بعد حوالي ميل من مقر المستشارة الألمانية.

كما يقع الكوبري بالقرب من مستودع تيسينكروب، حيث أوقف السائق البولندي لوكاس أوربان شاحنته يوم الإثنين، وهي الشاحنة التي استخدمت في تنفيذ الهجمات على سوق "بريتشد بلاتز" للكريسماس في وقت لاحق من مساء ذلك اليوم.

وقال مايكل أورتمان، الخبير في شؤون الإرهاب لدى محطة RTL: "لا يمكن، بكل بساطة أن يكون شخص مثل العامري قادراً على الانتقال بحرية في ألمانيا، على الرغم من الاشتباه في تخطيطه لهجمة إرهابية".


لقد فقدت وكالات استخباراتنا قدرتها على الانتباه


وقال أورتمان للغارديان، مشيراً إلى حقيقة أن ألمانيا لم تشهد نشاطاً إرهابياً لعقود عديدة منذ انهيار عصبة الجيش الأحمر، والمعروفة أيضاً باسم عصابة بادر ماينهوف: "لقد فقدت وكالات استخباراتنا قدرتها على الانتباه". وأضاف أنَّ وكالات الاستخبارات الألمانية كانت عادة تعاني من نقص العمالة والتأخر التكنولوجي، ما يصعّب تبادل البيانات مع الشرطة الإقليمية.


كيف خرج من ألمانيا؟


وليس من الواضح كيف استطاع العامري أن يسافر من برلين، شمال القارة، إلى ميلانو في الجنوب. وقالت وسائل الإعلام الألمانية والإيطالية إنَّ تذكرة قطار فرنسية وجدت في جيب العامري، ما يشير إلى أنه قد استقل قطاراً في مدينة شامبيري، شمال جبال الألب الفرنسية، بالقرب من كل من الحدود السويسرية والإيطالية. ومن هناك يبدو أنه سافر بالقطار لساعتين ونصف الساعة إلى مدينة تورين شمالي إيطاليا، قبل أن يستقلَّ قطاراً آخر إلى ميلانو.

لكنَّ وسائل الإعلام الفرنسية عرضت، يوم الجمعة، نظرية مختلفة، إذ قالت إنَّ العامري قد سافر من مدينة ليون إلى شامبيري بالقطار، ثم استقل قطار TGV السريع إلى ميلانو.

لو كان العامري قد سافر مباشرة من ألمانيا إلى فرنسا بالقطار، فإنه يكون بذلك قد عرَّض نفسه لمخاطر كبيرة جداً بالكشف عن هويته. فقد شُدِّدت الإجراءات الأمنية على بعض القطارات الفرنسية والدولية، بعد إحباط محاولة هجوم، العام الماضي، قام بها جهادي مغربي، يبلغ من العمر 27 عاماً، عندما فتح النار على قطار تاليس المتجه من أمستردام إلى باريس. الآن صار على الركاب المرور عبر أجهزة مسح للكشف عن المعادن في بعض الأرصفة. لكن ليست كل القطارات، ولا كل المحطات تقوم بفحص الركاب قبل صعودهم على متن القطار.

وبحسب صحيفة تاجشبيجل، فإنَّ شرطة برلين قدرت أنَّ المشتبه به لن يكون قادراً على السفر أبعد من حدود العاصمة الألمانية، اعتماداً على أقوال شهود عيان تفيد بأنَّ العامري كان قد جرح جروحاً واضحة في وجهه خلال الهجمة التي وقعت يوم الإثنين.

ومع ذلك، فإنَّ هناك العديد من الشركات التي تدير رحلات بالحافلات من مركز برلين إلى جبال الألب. شركة فليكس باص، على سبيل المثال، لديها حافلة تغادر الساعة 11:45 مساء الإثنين من مركز برلين، وتصل إلى آنسي، بالقرب من شامبيري، في الساعة 08:10 صباح اليوم التالي.

وعلى الرغم من أنَّ ركاب الحافلات ينبغي لهم أن يحملوا جواز سفر ساري المفعول للسماح بركوبهم، إلا أنَّ وثائق الهوية يفحصها السائق فقط، وهو عادة لا يكون مؤهلاً للتأكد من صحة هذه الوثائق. وقد رفضت شركة فليكس باص التعليق على احتمال أن يكون العامري قد سافر على متن إحدى حافلاتها، وحولت صحفيي "الغارديان" إلى المحققين الجنائيين.

بحلول الوقت الذي وصل فيه العامري إلى ميلانو، كان معه مائتا دولار فقط في محفظة نقوده، وهو ما حدا بالمحققين الإيطاليين إلى افتراض أنه كان يأمل في الاختباء في مكان قريب. كانت إيطاليا أرضاً مألوفة بالنسبة للعامري، وربما يفسر هذا سبب رجوعه إليها بعد هجمات يوم الإثنين. ويعتقد أنه وصل إلى إيطاليا مع عشرات آلاف التونسيين الآخرين الذين دخلوا البلاد بعد مظاهرات الربيع العربي عام 2011.

وقالت ميركل إنها قد تحدثت مع الرئيس التونسي، وإنَّ ثمة تطور في عملية إعادة اللاجئين التونسيين الذين ليس لهم حق قانوني في البقاء في ألمانيا. وقالت ميركل: "بإمكاننا أن نشعر بالراحة من نهاية تهديد واحد محقق، لكنَّ تهديد الإرهاب، وهو تهديد عام، ما زال مستمراً".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.