تاجر المخدرات الذي سرق عربة بتونس من أجل اللجوء.. تعرَّف على رحلة الشاب الذي أصبح المطلوب الأول بأوروبا

تم النشر: تم التحديث:
S
s

لم يكُن ضباط الشرطة يعلمون حين تفحَّصوا جثمان الشاب الذي أُردي قتيلاً في ساحة "أنا ماجيو" بمدينة ميلانو الإيطالية بأنهم قد قتلوا للتَّوّ أكثر رجل مطلوب في أوروبا.

بالنسبة لهم، كان مجرد شخص يتصرف بشكل مريب خارج محطة قطار في ميلانو في الساعات الأولى من الصباح، أطلق عليهم النار من مسدس عيار 22 عندما شرعوا في توجيه الأسئلة له وفقاً لما جاء بصحيفة الغارديان البريطانية.

تأكدوا فقط من هويته عندما طابقوا بصمات أصابعه ببصمات أنيس العامري، الرجل المشتبه به في قتل 12 شخصاً في سوق عيد الميلاد بمدينة برلين يوم الإثنين الماضي الموافق 19 ديسمبر/كانون الأول. كان الرجل الممدد على الأرض في الشارع بحي سيستو سان جيوفاني مطلوباً لقاء مكافأة قدرها 100 ألف يورو (85 ألف جنيه إسترليني) لمن يدلي بمعلومات عنه.

ولم تتضح بعد الأسباب التي دفعت العامري إلى قطع رحلة طولها ألف ميل من ألمانيا إلى إيطاليا بعد أيام من تنفيذه هجوماً قاتلاً باستخدام شاحنة في برلين.


عاش حياة منحرفة


كانت إيطاليا أول دولة أوروبية تطأها قدمه عندما وصل إلى القارة منذ 6 سنوات. لكن إذا كان يأمل أن يوفر له هذا البلد مهرباً، فقد اتضح أن رهانه كان خاطئاً. فبعد ساعات من وصوله إلى محطة قطار ميلانو، سقط قتيلاً.

وُلد العامري عام 1992 بوسط مدينة الوسلاتية التونسية، التي تعد واحدة من أفقر المناطق بالبلاد. خلال سنوات شبابه المنحرفة، بات معروفاً لدى الشرطة بسبب تعاطيه المخدرات وسرقة شاحنة.

ومثلما أقرت أخته نجوى هذا الأسبوع، لم يكن العامري "ملاكاً"، حتى وإن لم يكن له أي علاقة مسبقة بالإرهاب. في عمر الـ17 أو الـ18، ووسط أيام الفوضى التي تلت الثورة في عام 2011، أقدم على فعل ما قام به غيرُه من المراهقين الأفارقة وقرَّر الرحيل عن البلاد.

قالت أمه لوكالة "أسوشيتد برس" هذا الأسبوع "أنا ووالده مقعدان. لقد اضطر للجوء إلى السرقة ليهاجر ويحصل على السلع التي يحلم الشباب الصغير باقتنائها".

وفي ظل حكم بالسجن عليه لمدة 5 سنوات بسبب سرقة الشاحنة، دفع العامري ثمن رحلة بقارب غير شرعي إلى أوروبا. سافر إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، واعداً والديه وأخواته الأربع وأخاه أنه سيجني المال ويرسله إليهم.

وبمجرد وصوله إلى جزيرة صقلية، تخلَّص العامري من أوراقه الثبوتية، وأدعى أنه لاجئ قاصر. وفي المدرسة التي كان يحضرها في مدينة كاتانيا بصقلية، لفت العامري الأنظار بسبب تكرار سرقته لأشياء غير ثمينة، واعتدائه الجسدي على الآخرين.


أشعل النار في منزله


كما أشعل النار في منزله بجزيرة لامبيدوزا احتجاجاً على تباطؤ السلطات في الموافقة على طلب لجوئه، وحكم عليه بالسجن لمدة 4 سنوات.

ووفقاً لمصادر عدة، قد يكون تحول العامري نحو التطرف بدأ خلال فترة سجنه في جزيرة صقلية. لم يكن بالتأكيد نموذجاً للمسجون المثالي. وبسبب سلوكه التهديدي ورغبته في إثارة التمرد، قضى العامري 3 سنوات ونصف السنة بالسجن، متنقلاً بين 6 مراكز احتجاز مختلفة في مدينتي كاتانيا وباليرمو.

وقال مسؤول السجن في مدينة باليرمو، الذي كان العامري محتجزاً به، لصحيفة الغارديان البريطانية: "لقد كان عدوانياً وعنيفاً للغاية. كان يتعارك مع حراس السجن والسجناء الآخرين. سجَّلنا كل هذه الحوادث العنيفة التي ارتكبها خلال فترة سجنه وأرسلناها إلى الشرطة".

بعد إطلاق سراحه، كان العامري سيُرحّل إلى تونس، لكن السلطات فشلت في ترحيله بسبب عدم امتلاكه أية أوراق ثبوتية. وبعد بقائه رهن الحجز لعدة أسابيع بمدينة كالتانيسيتا في انتظار ترحيله، أُطلق سراحه، مستغلاً ثغرة قانونية لترك إيطاليا.

قالت أمه، متحدثة من مدينة الوسلاتية: "عندما خرج، اتصل بنا ليقول إنه لم يتمكن من العثور على عمل، وإنّه سيسافر إلى دولة أخرى"، كانت هذه الدولة ألمانيا.


وصوله إلى ألمانيا


وصل العامري إلى ألمانيا في يوليو/تموز من العام 2015، وادعى أنه مصري يعاني من الاضطهاد السياسي، وفقاً لرالف جاغر، وزير الداخلية بولاية شمال الراين وستفاليا في غربي ألمانيا. تنقل الشاب التونسي بعد ذلك للعيش بين الولاية السابقة وولاية بادن فورتمبيرغ ومدينة برلين، لكنه استقر منذ فبراير/شباط الماضي بشكل رئيسي في العاصمة الألمانية.

يُظهر مقطع فيديو قصير، مصور بالهاتف المحمول ومنشور على الصفحة الشخصية للعامري على موقع الفيسبوك، الشاب التونسي وهو يتجول على ضفاف نهر سبري وتبدو عليه السعادة واستمتاعه ببرلين كأي شاب آخر قادم حديثاً للمدينة.

لكن طلب لجوئه رُفض هذا الصيف، وكان السبب أن طلبه "غير مبني على أسس واضحة" لعدم قدرته على إثبات جنسيته المصرية للسلطات.

لكن لم تتمكن السلطات من ترحيله مرة أخرى لعدم امتلاكه أوراقاً ثبوتية صالحة. أنكر العامري كونه تونسياً ورفضت السلطات التونسية في البداية الاعتراف بكونه أحد مواطنيها.


تونس أعطته جوازاً بديلاً


وأخيرا في أغسطس/آب الماضي بعد الكثير من الإجراءات البيروقراطية بين البلدين، وافقت السلطات التونسية على إرسال بدل فاقد لجواز سفر العامري. وصلت الأوراق التي ستُمكن السلطات الألمانية من ترحيله إلى تونس بعد يومين من تنفيذ هجوم برلين. ووفقاً للإجراءات الطبيعية، كان العامري سيُسلم لبلده قبل نهاية العام الحالي.

وخلال فترة وجوده في ألمانيا، لفت العامري انتباه العديد من أجهزة الاستخبارات في عدة ولايات ألمانية، وفقاً لجاغر. وصنفت هذه الأجهزة الشاب التونسي على أنه شخص يشكل تهديداً على الأمن العام لصلته بالمشهد الإسلامي المتطرف.


ارتبط بسلفي ألماني عراقي


ارتبط العامري بشبكة علاقات، يتوسطها ألماني عراقي سلفي، يدعى أحمد عبد العزيز عبد الله ويُعرف أيضاً باسم أبو ولاء أو "الداعية الذي لا وجه له"، ويبلغ من العمر 32 عاماً. قبض على أبو ولاء في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وأنكر التهم التي وجهت إليه بأنه ساعد في تجنيد عناصر لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). كان العامري على تواصل أيضاً مع شخص تركي إسلامي أصولي معروف، يدعى حسن سي. اتُّهم هذا الشخص بدفع الشباب المسلم نحو التطرف تحت ستار وكالة سفر، كان يعمل بها في مدينة دويسبورغ. جمعت علاقة أخرى بين العامري ورجل يدعى بوبان اس وهو داعية يتبنى خطاب كراهية من مدينة دورتموند.

ولأشهر عدة، خضع العامري للتحقيقات بواسطة أجهزة الاستخبارات الألمانية على خلفية الاشتباه في تخطيطه لعمل إجرامي ضد الدولة. كان يعتقد أنه يعد لاقتحام من أجل الحصول على تمويل يمكنه من شراء أسلحة آلية.

ووفقاً لمكتب الادعاء العام ببرلين، كان العامري يخطط لتنفيذ هجوم في وقت لاحق بمعاونة شركاء آخرين كان يسعى إلى تجنيدهم. هناك أدلة أخرى على أنه كان يبحث عن تقنيات تصنيع القنابل عبر الإنترنت.


كان يتاجر بالمخدرات


عرض العامري نفسه لتنفيذ تفجير انتحاري قبل هذه الأحداث بشهور، وفقاً لسجلات هواتف بعض الدعاة السلفيين الذين تراقبهم السلطات الألمانية. لكن الاتصالات التليفونية المسجلة كانت مشفرة لدرجة كان يصعب معها توافر أدلة قوية لإلقاء القبض عليه.

وتزامناً مع هذه التحقيقات، بدأت وزارة العدل في برلين بمراقبة تحركات العامري في الفترة من مارس/آذار إلى سبتمبر/أيلول. بعدها، اتُّخذ قرار بإيقاف نشاط المراقبة لأنه لم ينتج عنه أية أدلة بخلاف أن العامري كان يتاجر بالمخدرات في متنزه غوليتزر، وهي منطقة جذب سيئة السمعة لتجار ومتعاطي المخدرات في جنوبي برلين.


تورط العامري في عراك بالسكاكين لخلاف على المخدرات


وفي يوليو/تموز الماضي، تورط العامري في عراك بالسكاكين لخلاف على المخدرات. لكنه اختفى عن الأنظار عندما سعت الشرطة إلى استجوابه.

وفي يوم الجمعة الماضي، اتَّضح أنه كان ما زال يخضع للمراقبة قبل أيام فقط من تنفيذه للهجوم، بعد ظهوره في مقطع فيديو بوسط حي موابيت ببرلين، بينما كان يخرج من مسجد معروف لدى أجهزة الاستخبارات بكونه نقطة تجمع للمشهد الإسلامي المتطرف.

نُشر مقطع فيديو ظهر الجمعة، يعلن فيه العامري مسؤوليته عن الهجوم، ويتعهد بالولاء لتنظيم داعش. وفي الفيديو، وصف الشاب التونسي الهجوم بأنه انتقام من القصف الجوي ضد المسلمين، وقال إنه يتمنى الموت شهيداً.

مثلت مسؤولية العامري عن هجوم برلين صدمة كبيرة لعائلته. فقد قال أخوه عبد القادر: "عندما رأيت صور أخي في وسائل الإعلام لم أصدق عيني. أشعر بالصدمة، ولا يمكنني تصديق أنه ارتكب هذه الجريمة". وقالت أخته نجوى إنه كان "مبتسماً ومبتهجاً على الدوام" في كل رسائله عبر موقع فيسبوك.

وقالت أمه لوكالة "أسوشيتد برس"، إنها لم ترَ أي دليل خلال المكالمات التليفونية للعامري معها أنه تحول إلى شخص متطرف. ورغم إيمانها ببراءته، أكدت أمه أنها "ستتبرأ منه أمام الله" إذا ثبتت مسؤوليته عن هجوم يوم الإثنين الماضي في برلين.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.