هكذا يحتفل اللبنانيون بعيد الميلاد.. عادات وتقاليد تظهر وجهاً آخر غير الحرب

تم النشر: تم التحديث:
8
8

يبلغ الشعور بالفخر ذروته بمدينة زغرتا بلبنان، حيث تُعد شجرة عيد الميلاد بالمدينة التي تقع شمال لبنان من أكثر أشجار عيد الميلاد فتنةً وجمالاً.

رغم أنها ليست شجرة حقيقية إلا أن مزجهم بين الصنوبر وإبر شجر الصنوبر في تصميمهم لشجرة عيد الميلاد ينم عن الإبداع، بحسب تقرير لموقع Middle East Eye البريطاني.

وأوضحت إيفيلينا موهاوس، مدير الاتصالات برابطة ميدان المسؤولة عن الشجرة، قائلة: "يبلغ طول شجرة عيد الميلاد 25 متراً وعرضها 13 متراً. قررنا هذا العام العمل حول موضوع الورشة "Father Christmas"، لذا وضعنا كل الشخصيات مثل الغزلان والجان ورجل الثلج حول الشجرة".

8


الحفاظ على التقاليد القديمة


تتعدى أشجار عيد الميلاد في زغرتا مجرد كونها نوعاً من الفلكلور فهي تنقل صورة إيجابية عن لبنان.
وأضافت إيفيلينا: "حتى إذا كنا نعيش في منطقة غير مستقرة أمنياً نريد أن نُظهر الوجه الآخر للبنان وأنه ليس بلداً فيه حرب فقط. يوجد هنا في الشمال العديد من الديانات المختلفة، إلا أننا نعيش سوياً. ترمز هذه الشجرة إلى قدرتنا على الاحتفال بمناسبة من مناسباتنا الخاصة.

وتُنظّٓم عدد من النشاطات بالمجان أثناء موسم عيد الميلاد حول هذه الشجرة، مثل الحفلات والمسرحيات، حيث يلتقي اللبنانيون من مختلف الخلفيات والفرق ويمتزجون سوياً.

وتستعد عائلة مكاري لعيد الميلاد في منزل تقليدي مصنوع من الحجارة وسط المدينة. ورغم أن أغلب العائلات تعيش على مسافة ساعتين بعيداً عن بيروت، إلا أن الأجداد والأبناء والأحفاد يجتمعون لتزيين شجرتهم العائلية لعيد الميلاد.

وتقول العمة مارغريت مكاري البالغة من العمر 87 عاماً: "سنذهب لوضع إكليل ملون وأضواء على الشرفات، كذلك سنضع الزينة والأضواء بطول الدرج وعلى النوافذ، وسنضع أيضاً أريكة عيد الميلاد تحت الشجرة".

وأضافت: "كما احتفل أطفال القرية أيضاً بعيد القديسة بربارة. وفي الثالث من ديسمبر/كانون الأول وضعوا المكياج، وارتدوا أزياء ملونة، وبدأوا في الغناء، وذهبوا للطَرْق على الأبواب في الأحياء المحلية المُجاورة طالبين نقود. لقد أعطيتهم القليل من النقود، وبعد أن ينتهوا من تجميعها، يأتون بها إلى الكنيسة".

وتتبع بعض القرى المسيحية إحدى العادات الفريدة من نوعها في ليلة عيد القديسة بربارة، إذ يجتمع جميع أفراد الأسرة لزرع بذور النباتات على قطعة من القطن، وحين يحل يوم 24 ديسمبر/كانون الأول، ستكون الفسيلة الصغيرة جاهزة وناضجة، فيضعونها على أريكة عيد الميلاد كرمز للحياة.

5


شغف البوينستيا


يرتبط شهر ديسمبر/كانون الأول في لبنان، بنبات البوينستيا ذي الأوراق الحمراء، ويفضل اللبنانيون شراءه بكميات كبيرة لتزيين المنازل والمحلات والشوارع.

ويوضح علاء رتشاني، صاحب أحد محلات الورد في بيروت، أن "البوينستيا هو النبات المرتبط بعيد الميلاد هنا. يفضل الناس تقديمه كهدايا، أو وضعه حول المنزل ليُضفي جواً من المرح".

يأتي رتشاني ببراعم البونسيتيا الصغيرة من هولندا، ويربيها في مشاتل خارج المدينة.

ويقول: "أبيع الكثير منها أثناء موسم الشتاء. إنها بالفعل واحدة من أكثر النباتات بيعاً طوال العام، على الرغم من كونها نبتة موسمية. أحصل على هامش ربح يصل إلى 20% على كل إناء من هذا النبات، لذا فهو يُمَثِّل جزءاً كبيراً من دخلي السنوي".

وتباع أواني البوينستيا في متجره بسعر يتراوح بين 5 دولارات إلى 25 دولاراً بحسب حجمها.


الطهي اللبناني في أفضل حالاته


لدى اللبنانيين تقاليدهم الخاصة في الطهي. يدير كمال مزوق مطاعم Tawlet, في حي مار ميخائيل، وهي عبارة عن شبكة من المطاعم تأتي إليها نساء القرية لطهي أطباقهن المحلية.

"يجب أن تفرّق في الكريسماس بين التقاليد الريفية والحضرية، ففي الماضي كان القرويون فقراء نوعاً ما، ويميلون لتناول الوجبات النباتية، بينما كانت أيام الاحتفالات تعد مناسبة لطهي اللحوم، ولكن ليس كجزء أساسي من الوجبة، إذ كانت العادة أن يوضع اللحم فوق الأرز أو القمح المجروش "البرغل" للحصول على طبق جيد، أما في المدن، كانت الأطباق بالطبع أكثر لذة وتحتوي على لحم أكثر".

بعد الطبق الرئيسي، عادةً ما يتناول اللبنانيون المغلي، وهو حلوى القرفة التي تصنع للاحتفال بالمولود الجديد والكريسماس وعيد الميلاد.

وأضاف مزوق: "تحتوي الوصفة على الأرز والماء والسكر والقرفة والكراوية والينسون، إذ تشكل مع بعضها البعض كريمة بنية اللون حلوة المذاق، ويوضع فوقها اللوز والفستق، إنها ترمز للانبعاث، لأن هذه الحلوى تبدو بنية اللون وتوضع فوقها البذور".

5


التضامن مع اللاجئين



تستضيف الأراضي اللبنانية ما يزيد على مليون لاجئ سوري، ورغم أن غالبيتهم العظمى من المسلمين السنة، إلا أن الكريسماس هو الوقت الأمثل لإظهار التضامن معهم، فمعظم اللاجئين السوريين يعيشون في وادي البقاع، وقد وصل ما يزيد على 650 عائلة سورية مسيحية إلى مدينة زحلة.

كان بسمان وزوجته رانيا وأطفالهم الثلاثة ضمن المجموعة التي ستحتفل بالكريسماس هذا العام للمرة الأولى منذ أن أُبعدوا عن بلادهم.

يقول بسمان: "ادخرنا ما يقرب من 100 دولار لشراء الزينة وبعض الهدايا للأطفال، إلا أن ابنتي وأنا مرضنا الأسبوع الماضي ما اضطرنا لإنفاق كل ما لدينا من أموال على العلاج".

كاد احتفالهم بالكريسماس أن يُلغى، إلا أن أحد جيرانهم اشترى لهم شجرة، وأنقذ الاحتفال بالكريسماس.

تقول رانيا: "كان الناس هنا لطفاء جداً معنا، فقد زينت الشجرة مع الأطفال واستمعنا لأناشيد الكريسماس، وهو ما يعد أفضل تعبير عن روح الكريسماس".

أما بالنسبة لبعض العائلات الأخرى سيكون يوم 24 ديسمبر/كانون الأول مجرد ليلة عادية.

يقول ياسر، وهو أحد اللاجئين الذين جاءوا إلى القصير في 2012 مع زوجته وأولاده الثلاثة: "كنا هنا في السنة الأولى، كان لا يزال معنا بعض المال، ما مكننا من شراء شجرة والاحتفال، لكننا لا نستطيع فعل ذلك الآن، لقد اعتدنا تنظيم احتفالات كبيرة، لكن لكي تحتفل يجب أن تكون سعيداً، ونحن لم نعد سعداء على الإطلاق".

عندما يسترجع تلك الذكريات، تفيض عيناه بالدمع، إذ يتذكر جيرانه الذين قتلوا، وبيته الذي أُحرق، ومتجر زوجته الذي دُمر.

يقول بسمان قبل أن يؤكد أمله في العودة لسوريا في أقرب وقت ممكن: "لقد فقدنا كل ما نملك، والحياة هنا مكلفة جداً ومن الصعب أن تجد عملاً، اللبنانيون كرماء، لكننا نعلم أننا في النهاية مجرد غرباء عن هذا البلد".

سميرة امرأة لبنانية متقاعدة تعيش في المنزل المجاور وتحب أن تزور ياسر وزوجته كل يوم لاحتساء فنجان قهوة، فهي تحب قضاء الوقت معهما لأنهما -على حد قولها- أناسٌ طيبون، لذلك قررت أن تحتفل بعيد الميلاد معهما هذا العام على سبيل التغيير.

أما في مدينة زحلة، فلا يحصل كثير من اللاجئين المسيحيين على مساعدات من الأمم المتحدة لأن وضعهم لا يُمثل أولوية مقارنة بغيرهم من لاجئي المخيمات، لذلك لا يجدون داعماً غير الكنيسة المحلية.

"جاءنا لاجئون مسيحيون مع بداية الحرب في سوريا، وبعد معركة القصير، نزحت 800 عائلة إلى زحلة طالبين العون، وهو ما قدمناه لهم، فدورنا هو التخفيف من معاناتهم"، على حد قول المطران عصام يوحنا درويش رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك.

تساعد الكنيسة العائلات السورية في إيجاد مأوى لهم، ودفع الإيجار والمصاريف اليومية، وتعلم الأطفال الذين يواجهون صعوبة في التأقلم مع المنهج اللبناني، كما تقدم لهم الرعاية الطبية من خلال مستشفى تلشيحا، بالإضافة لافتتاحها مطعماً في الآونة الأخيرة يقدم حوالى 600 وجبة يومياً.

علاوة على ذلك، تدعم الكنيسة العائلات في عيد الميلاد، حيث أضاف درويش: "نسعى لإضفاء البهجة على نفوسهم بتنظيم أنشطة ينخرط فيها السوريون واللبنانيون معاً، كما نوزع ألعاباً وحلوى على الأطفال".

ومن الجدير بالذكر أن مؤسسات لبنانية مستقلة مثل قهوة الفراني، ومؤسسة سوا للتنمية والمساعدات، ومؤسسة بسمة وزيتونة يقدمون يد العون للاجئين بغض النظر عن معتقداتهم.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.