روايات تنبَّأت بالمستقبل.. الأدب والاستبصار.. كيف يقرأ الكتّابُ الغيب؟

تم النشر: تم التحديث:
F
رواية آلة الزمن | social media

"فوبوس" و"ديموس" هما اسما القمرين التابعين لكوكب المريخ، وقد اكتشفهما الأميركي أساف هول، عبر مرصد البحرية الأميركية في العام 1877، لكن يشهد التاريخ، قبل هذا الاكتشاف الرسمي، نبوءة كتبها الروائي الأيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745)، في عمله الأشهر (مغامرات جليفر) المكتوب في العام 1726 عن قمرين يدوران حول المريخ، أي قبل 151 عاماً من الكشف العلمي.

وتزخر الروايات والآداب بتوقعات وخيالات تشبه النبوءات، سواء كانت علمية أو سياسية أو غيرها، وكأن ما يحدث تجسيد حي لمقولة الروائي والمسرحي الإنكليزي أوسكار وايلد: "الحياة تقلّد الفن".

في العام 1932 صدرت رواية "عالم رائع جديد" للإنكليزي ألدوس هكسلي وكتب فيها عن الهندسة الوراثية ودمج الأحماض النووية الممزوجة صناعياً، وهو ما اكتشفه فريق بحثي من طلبة الدراسات العليا في جامعة ستانفورد الأميركية عام 1972.

الأدب العربي أيضاً لم يخلُ من بعض النصوص التي حملت نبوءات، وإن كانت في معظمها سياسية واجتماعية مرتبطة بأحوال الحكم في المناطق المعنية، ومن أمثلة ذلك، ما كتبه الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم في قصيدته "أوراق من دفتر القضية" التي نشرها قبل عقود "يوم 25 الماضي إيه مشّاك عند التحرير؟".. التي تبدو كإشارة استباقية لأحداث ثورة 25 يناير، التي اندلعت في ميدان التحرير.

بخلاف ديوان "قبل الطوفان الجاي" لسيد حجاب، والمنشور في 2009، وكتب فيه حجاب عن ثورة مصرية يُتّهم فيها الثوار بتلقي وجبات ماكدونالدز من جهات خارجية، وهو ما حدث، حيث اتُّهم المشاركون في أحداث يناير بأنهم يتلقون وجبات "كنتاكي" من جهات خارجية.



h

"هافينغتون بوست عربي" التقت مجموعة من الكتّاب العرب، وناقشتهم حول قدرة الأدب على الاستبصار والتنبّؤ بالمستقبل.


العلماء يستندون على خيال الفنّان


يقول الروائي المصري مكاوي سعيد لـ"هافينغتون بوست عربي": "أولاً يجب أن نفرّق بين التنبؤ والكهانة من جهة، والاستبصار من جهة أخرى، فالتنبؤ يقدم توقعات تمتد لمئات السنين، لكن ما يحدث في الأدب يشبه الحدس. فالكاتب بفعل ممارساته اليومية يستطيع أحياناً أن يبصر القادم، كأن يكتب أحدهم عن ثورة جياع قادمة، مستنداً على مقدمات و آراء سياسيين ومنظرين وغيرهم. ويتفوق الجانب السياسي في مسألة استبصار الأدب العربي، لأن العرب ببساطة لا يخترعون شيئاً، فكيف سيتوقّعون أحداثاً علمية وهم ليسوا أهل علم واختراعات؟".

ويواصل صاحب (تغريدة البجعة): "ستجد أن التوقّعات والاستبصار الذي توصّل له الكاتب الإنكليزي هـ.ج. ويلز في روايته "آلة الزمن"، متكئة على ليوناردو دافينشي ورسوماته وكتاباته، فخيالات دافينشي تم تنفيذها على أرض الواقع. وهذا يعني أنه في بعض الأحيان يقوم العلماء بتحويل إلهام وخيال الفنانين إلى واقع. فمثلاً ستجد الطائرة المروحيّة الهليكوبتر والغوّاصة رسمهما دافينشي قبل أن توجدا فعلياً على أرض الواقع".

ويكمل الروائي المصري: "في قصيدة أحمد فؤاد نجم المشار لها، نجد نوعاً آخر من الاستبصار، فمنذ بدايات القرن وميدان التحرير رمز وأيقونة، وقد أفلح نجم في استخدامه ، مستنداً على ما لهذا الميدان من رصيد تاريخي. وحتى في ديوان سيد حجاب المشار له أيضاً، فقد أشار الرجل إلى ثورة البروليتاريا، والطبيعي هنا أن يتم تخوينهم واتهامهم بالحصول على مقابل من جهة أجنبية، منتج غربي تافه مثل وجبات مطعم ماكدونالدز، إذن فنجم وحجاب استندا على مقدمات واقعية، وصاغاها بشكل فني فأنتجت تلك الاستبصارات".

وذكر أن هناك كتّابا كثرا أشاروا مثلاً إلى انتهاء الشيوعية، فمن كان يصدق حينها أن الاتحاد السوفيتي سينهار؟ وما زالت التوقعات في هذا الحقل مستمرة حتى إن البعض يرى أن انهيار الشيوعية في نهاية ثمانينات القرن الماضي ليس سوى مرحلة مؤقتة ستعقبها استفاقة الشيوعية حتى إنها ستسود في نهاية المطاف.



h

ويُشترط لحدوث هذا الاستبصار أن يكون الكاتب قارئاً ملماً بكثير من فروع المعرفة، كأن تقرأ في الاقتصاد وتبني تصوّرات تتوافق مع الواقع في زمان ما ومكان ما فتتحوّل تلك التوقّعات إلى استبصار حقيقي. وهذا أمر جيد في الأدب، فهو يلفت نظر القارئ الغافل إلى أمور تحدث وتعد بمثابة مقدمات تقود إلى نتائج وأحداث سياسية واجتماعية.

واختتم سعيد: "أحياناً يتوقّع الكاتب أموراً وفقاً لمعطيات الواقع، تقود إلى نتائج سوداوية، فيخاف أن يكتب ذلك، لكيلا يكون مصدّراً للإحباط، أو حتى اتقاءً لغضب النظام الذي قد يحسبه على جهات معادية، فيحجم عن تدوين ذلك، ويهدر الاستبصار، وربما لا يجد إلا أن يمرره في مقال سياسي. ولذلك نجد الفنون والآداب في الغرب أكثر استبصاراً، لأن تلك المجتمعات تخلو من الأدوات القامعة التي تحجّم الفنان العربي وتقيّده وعلى رأسها الرقابة الداخلية الذاتية".


الأدب يحمل بذور المستقبل


ويقول الروائي اليمني وجدي الأهدل: "إن الأدب الجيد يزخر بالنبوءات، لأنه يزيل القشور ويمسك بـالجوهر. في ستينات القرن الماضي كتب رائد القصة القصيرة في اليمن (محمد عبدالولي) قصة عنوانها "طريق الصين"، تتحدث عن الطريق الذي شيده العمّال الصينيون وبمساعدة من الصين بين صنعاء وميناء الحديّدة، وكان هذا أول طريق إسفلتي يربط بين عاصمة البلاد المعزولة في الهضبة الجبلية وبين منفذها البحري الذي يربطها بالعالم. وكما يتضح من العنوان فإن الكاتب يعطي اقتراحاً للشعب اليمني بأن يسلكوا الطريق الذي سلكته الثورة الصينية. وقتها كانت هذه الرؤية مثاراً للسخرية، لأن أنظار اليسار العربي كانت معلقة بالاتحاد السوفيتي. واليوم وبعد مرور قرابة الخمسين عاماً وأكثر، يتضح أن تجربة الاتحاد السوفيتي انتهت بالفشل، وأن التجربة السياسية الصينية هي التي حققت النجاح".

ويمثل الشاعر البصير (عبدالله البردوني) حالة نادرة في التنبؤ إلى درجة تثير الحيرة فعلاً، كما يقول الأهدل، فهو أحياناً يختزل مرحلة سياسية تاريخية ضخمة في بيت واحد من الشعر، وله كثير من الأشعار المتداولة على ألسنة العوام والنخب تكشف عن أمور تحققت لاحقاً. وهذه النبوءات لا تمتّ بصلة للتنجيم، وإنما هي نبوءات تحمل حكمة عميقة، وتفسيراً دقيقاً لوضع سياسي يصعب على العقلاء تفسيره، وهي حِكم موجزة، ربما لا يمكن لكتيبة من المحللين السياسيين أو جيش من الأكاديميين أن يأتوا بمثلها.

ويوضِّح صاحب (حمار بين الأغاني): "ما تتنبأ به الروايات لا يشبه قراءة الكف، ولكنه قراءة للمستقبل، وفي طياته تحذير من أحوال معينة ونتائج وخيمة. وعلى سبيل المثال فإن الروايات العربية التي تتحدث عن أنظمة القمع والرقابة والاعتقالات والتعذيب في السجون وتكميم الأفواه، تؤشر إلى أن النهاية الحتمية هي السقوط. وهذا ما حدث بمجيء الربيع العربي عام 2011 وتهاوي الأنظمة البوليسية".


نبوءة عن "العَطَش"


ويبدي الروائي المصري عمرو عاشور دهشته من هذه القدرة التنبؤية، ويقول: "من الغريب أن ما ورد في الأساطير والحكايات الشعبية أصبح واقعاً بعد سنوات طويلة من شيوع تلك القصص، فبساط الريح في قصة لص بغداد في ألف ليله، تحوّل لاحقاً إلى الطائرة، والبلورة المسحورة القادرة على رصد ما يحدث في أماكن بعيدة تحوّلت إلى التلفاز والأقمار الصناعية وتقنيات البث المباشر، فالعلم والفن يبدآن عملهما من نفس المنطلق والمنطقة، وهي منطقة (الخيال). الفارق أن الفنان أو الأديب يشتغل على خياله بشكل فني، أما العالم فيشتغل عليه بشكل تطبيقي، وكلاهما لهما نفس الخيال".





ويوضّح عاشور العلاقة بين العلم والفن أو الأدب قائلاً: "ما حدث في أوروبا هو أن مجموعة من الكتّاب والفنانين رفضوا الواقع القديم الذي عانت فيه أوروبا في العصور الوسطى، وكتبوا عن مجتمعات أفضل. وبعد مرور سنوات طويلة تقبّل المواطن الأوروبي تلك الكتابات والخيالات، واستلهموها وبدؤوا في تنفيذها وتحويلها إلى واقع. فقبل عصر النهضة الأوروبي وقبل الثورة الصناعية بسنوات، كانت كتابات الأوروبيين من نوعية: رحلة إلى مركز الأرض، أو زيارة إلى المريخ، وهذا ما أوجد الدافع لدى العلماء، فالأدب العظيم يخلق دوافع للشعوب والأفراد. والنهضة العلمية في الحضارة الغربية مبنية على أسس أدبية".

ويفسّر صاحب (ربّ الحكايات) قدرة الأدب على التبصّر: "الروائي هو أكثر شخص مختلط بمجتمعه، ومتورط فيه. وهو بطبيعة تفكيره يختلف عن أي شخص عادي لأنه مشغول طوال الوقت بالشخصية، والأحداث، والحوار، وربط القصص ببعضها. والحقيقة أن الحياة المحيطة بنا ليست سوى أحداث وشخصيات وقصص، ولذلك من الطبيعي أن يمتلك الروائي بالتحديد تلك النظرة المستقبلية، فهو ملم بمجتمعه من جهة، ومن جهة أخرى يخلق قصصاً، ولا يكتفي بذلك، بل يرصد أيضاً تبعات وعواقب ما يحدث في الراهن أو ما حدث في الماضي، وليس هناك مثال أوضح من رواية (1984) لجورج أوريل".

ويضرب عاشور أمثلة من الأدب العربي، في الأدب المصري يمكننا ذكر مثالين قريبين وهما: (يوتوبيا) لأحمد خالد توفيق، التي تحكي أحداثاً تقع في العقد الثالث من هذه الألفية، حيث تنعزل القلة الثرية في كانتونات سكنية مغلقة ومدن معزولة، بينما في باقي البلاد هناك عامة الشعب من الفقراء والجوعى الذين تخلت عنهم الحكومة ولم تعد تخدمهم في التعليم والصحة والسكن والغذاء، فتحوّلوا إلى ما يشبه الحيوانات في البرّية يتصارعون على كلب أو قطة أو كيس قمامة، بينما يعيش الأثرياء في مدن تشبه اليوتوبيا يمتلكون فيها كل شيء يتمنونه. وأظن أن هذا ما يحدث الآن، فقد انتشرت المدن الجديدة في ضواحي القاهرة، حيث يسكن الأثرياء، بعيداً عن فوضى المدينة، ويعيشون في يوتوبيات معزولة صغيرة.

ويواصل: "هناك أيضاً المجموعة القصصية (قميص هاواي) للقاص إيهاب عبد الحميد، وفيها قصة (العطش) التي تشير لبعض الأحداث الآخذة في التحقق الآن، وهي مكتوبة عام 2008، وفيها تنضب المياه من المدينة، والغريب أن الحياة تمضي، فيعطش الناس والمخلوقات، لكن إيقاع الحياة يواصل سيره دون هوادة، وهو يشبه ما يحدث الآن".


أدعياء الاستبصار


يقول الروائي الإريتري حجي جابر لـ"هافينغتون بوست عربي": "الرواية بالضرورة هي حالة تكثيف لتجارب وخبرات ووعي الروائيّ، فهي عصارة وجدانه وحسّه الإنساني. ولهذا يصعب برأيي كتابة رواية جيدة دون أن تكون نتيجة أولية لتأمل واستقراء عميقين داخل النفس وخارجها. ولهذا فالروائيّ يُفترض به أن يكون بطبعه صاحب مقدرة على الاستبصار والتفكّر فيما وراء العاديّ والصاخب، هو يمتثل مقولة هنري جيمس حين نصح قائلاً: (حاول أن تكون شخصاً لا يفوته شيء)".

ويحذر صاحب (سمراويت) من محاولة بعض الكتّاب للظهور بمظهر المتنبئين فيقول: "لكنّ هذه الرغبة في الاستقراء لا تعني الانخراط في الشائع والضاجّ بضراوة، ولا تعني التهافت على أحداث السطح. بقدر ما يحتاج الروائيّ أن يعرف ما يجري، يحتاج أن يحتفظ بمسافة تُتيح له رؤية الصورة الكاملة، وتقيه التأثر والانفعال بالقدر الذي يُغبّش الرؤية ويجعلها مستحيلة. يُفترض بالروائيّ أن يكون قادراً على استيعاب آراء متناقضة، وأن يكون منفتحاً ومرناً، فمن شأن هذه الصفات أن تجعل حالة الاستبصار لدى الروائيّ في ذراها".

ويختتم جابر: "وما لا شك فيه أنّ الرواية التي تحمل تنبؤاً ما، يعلو قدرها بين الناس، ويُخلّد صاحبها، ويصبح هو وعمله البارز شيئاً حاضراً في التاريخ الإنساني. هذا الأمر أصبح محل إغراء لكثير من الروائيين، فحاول بعضهم القفز إلى النتيجة دون استصحاب أدوات الفعل ومتطلباته. ثمة شرهٍ اليوم للوصول إلى الرواية المتنبئة بأي ثمن. هذا التهافت جعل البعض يكتب عن الأحداث على طريقة مسابقات توقع نتائج المباريات، فلا تأمل ولا استبصار ولا قراءة فيما وراء ما يحدث. ولهذا برأيي انحصرت تنبؤات الرواية العربية في مجال السياسة وليس الاختراعات، لأن الأخيرة تتطلب ما هو أكثر من التخمين".