حملت كرامتي فقط.. قصص لأصعب لحظات قضاها الحلبيون حين الرحيل عن مدينتهم المنكوبة

تم النشر: تم التحديث:
ALEPPO
People who fled the Shi'ite Muslim villages of al-Foua and Kefraya arrive in government controlled Jibreen area in Aleppo, Syria in this handout picture provided by SANA on December 19, 2016. SANA/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. EDITORIAL USE ONLY. REUTERS IS UNABLE TO INDEPENDENTLY VERIFY THIS IMAGE. | Sana Sana / Reuters

حلب التي غادرها "ثائر الحلبي" كانت مدينة أشباح ملأتها ظلال الأصدقاء الذين فُقِدوا في الحرب والأحلام التي حُطِّمت حول سوريا مختلفة.

ومع ذلك، شابه ألم الفراق ألم الجسد. وُلِد حلبي في حلب، بمنزلٍ في البلدة القديمة ذي فناءٍ تظلِّله الكروم، حيث عاشت أسرته لأكثر من قرن. وأنشأ عائلةً وبنى حياةً مهنيةً هناك، وبعد ذلك، ولمدة أربع سنوات، رهن كل شيءٍ كان لديه بإمكانية إسقاط الرئيس السوري، بشار الأسد.

وقال المهندس صاحب الـ57 عاماً، الذي تحول إلى سياسيٍّ معارضٍ: "عندما أُرغِمنا على مغادرة حلب، كانت قد دُمِّرت بالفعل عن بكرة أبيها. كنتَ لا ترى أمامك مدينة، فقط أشباح، في مدينة أشباح" بحسب تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية.

وأضاف: "أنا حزينٌ للغاية لترك مدينتي، إنَّها في قلوبنا، وجزء من أجسادنا. لكن لأنَّنا نرغب في الحرية، لا نستطيع العيش هناك".

وقال حلبي إنَّه سُجِن ثلاث مراتٍ من قِبَل النظام قبل الحرب، ولذا فبمجرد تحوُّل الانتفاضة ضد الأسد إلى معارضةٍ مسلَّحةٍ وسيطرة المعارضين على نصف حلب، لم يتردد في الالتحاق بهم. وقال: "تمتَّعنا بالحرية لأربع سنوات".

حلب مرادف للدمار

وأصبح اسم حلب في الخارج، التي كانت مركز سوريا الثقافي والاقتصادي قبل الصراع، مرادِفاً للدمار، وذلك بعد أربع سنواتٍ من الغارات الجوية الوحشية في محاولة إخراج المعارضة.

لم تكن الحياة في السنوات الأولى من القتال في المناطق التي سيطرت عليها المعارضة كلها عنفاً وفزعاً. إذ كان هناك مجلس محلي أُنشئ ليتولى الحكم، وكانت المدارس مستمرة في العمل. وذهب الناس للعمل عندما لم تكن المواجهات قد حالت بعد بينهم وبين مكاتبهم، أو أسسوا أعمالاً جديدةً وحاولوا تجاهل الحرب.

وقالت سارة، معلِّمة تبلغ من العمر 47 عاماً وبقيت هي الأخرى في حلب حتى الأيام الأخيرة للحصار، إنَّ "الحياة استمرت في ظل القصف". وأضافت أنَّه "كانت هناك مدارس، وأعمالٌ، ومتاجر، كانت هناك بضائع وسكَّانٌ، وتسليةٌ، وكل شيءٍ".

وبالنسبة للشباب بصفةٍ خاصةٍ، توفَّرت في حلب التي تسيطر عليها المعارضة الحريات الواسعة على الإنترنت دون رقابة. وقال نجل ثائر، والناشط والصحفي، رامي زين: "في الجانب الآخر من حلب، كانت ثمة حكومة نظامية سورية تحجب كل شيءٍ لا تريده".

وأضاف: "في الجانب الخاص بنا من المدينة كان هناك شعورٌ بأنَّك في مكانٍ مفتوحٍ على العالم. كانت مدينةً عظيمةً قبل الحصار، كان لديك كل شيءٍ تحتاجه، وبإمكانك إحضار أي شيءٍ تريد من الحدود مع تركيا، كانت كل أنواع التجارة وكل شيءٍ متوفراً".

ومع ذلك، وبعد اشتداد الحرب، لامس الموت والدمار أعداداً متزايدةً من الأسر. وأصبحت حلب مشهورة بالرعب من البراميل المتفجِّرة، التي تسقط من طائرات الهليكوبتر على مناطق المدنيين لتنشر الموت والخوف.

دمار البراميل المتفجرة

كانت شقيقة لاعب كرة القدم محمد خليفة من بين أوائل الضحايا. غادرت الأسرة المنزل للهرب من القصف العنيف على حيِّهم القديم، بالقرب من خطوط المواجهة، حيث يمكن للطائرات أن تحلِّق فوق المناطق التي تسيطر عليها المعارضة دون رادعٍ حقيقي.

وأصاب البرميل المتفجِّر الذي أودى بحياة شقيقته ابنته أيضاً بشكلٍ بليغٍ، ونُقِلَت بسرعةٍ إلى تركيا بسيارات الإسعاف. تبعها خليفة بشكلٍ أبطأ عبر نقاط التفتيش الحدودية، وعندما وصل إلى المستشفى أخبره طبيبٌ خطئاً أنَّ ابنته ماتت.

وقال: "اندفعت لأدخل لرؤيتها"، مضيفاً: "وأخبروني أنَّها كانت في الواقع على قيد الحياة لكن لديها إصابات بليغة في رأسها. لقد عاشت، الحمد لله، وهي معي الآن".

ودمَّرت الغارة أيضاً متجراً صغيراً كانوا أقاموه، بالإضافة إلى سيارتين، لكن ورغم خسارتها، قرَّرت الأسرة ألَّا تغادر بعد اشتداد القصف وبدء الحصار.

وقال خليفة، 30 عاماً، إنَّه لعب لصفوف المنتخب الوطني قبل بدء الحرب: "كنت أرغب في البقاء في حلب بسبب ارتباطي بالثورة ومبادئها، بدأتُ على هذا النحو ولن أغيِّره حتى النهاية".

أدَّى القصف المتزايد إلى نزوحٍ جماعيٍّ إلى مخيَّمات اللاجئين، وتسبَّب لأولئك الذين بقوا في مأساةٍ دائمةٍ.

وقالت سارة، التي لديها ثلاثة أطفال وطلبت استخدام اسمٍ مستعارٍ لحماية ذويها الذين لا يزالون في مناطق سيطرة الحكومة: "فقدنا كثيراً جداً من الأشخاص، ليس فقط بسبب القنابل والأسلحة الأخرى، لكن أيضاً بسبب النزوح".

وبقيت سارة، تماماً مثل الكثيرين غيرها في مناطق سيطرة المعارضة، على تواصلٍ مع أسرتها، وأصدقائها، وزملائها السابقين في حلب الغربية عن طريف الهاتف، رغم أنَّ رقابة دولة الأسد جعلت من المستحيل عادةً إجراء أي مكالمات، عدا تلك التي تكون مستكينة للغاية، وخالية من أي إساءةٍ أو إثارةٍ للتوترات.

وقال حلبي: "لا نستطيع التحدُّث عن الحرب لأنَّ أصدقاءنا يمكن أن يصبحوا في خطر، فقط التحية، وكيف حالك وكلمات قليلة، لأن الأسد يراقب كل شيء".

وبعد أن انضمَّت روسيا إلى الحرب الجوية في سبتمبر/أيلول 2015، اشتدت عمليات القصف على حلب، بعد استخدام الصواريخ الضخمة الخارقة للتحصينات، والفوسفور الأبيض، ومجموعة أخرى من الذخائر التي أُضيفَت إلى الانهمار المستمر للبراميل المتفجِّرة.

قصف بلا رحمة

وقال حلبي: "القصف لم يتوقف، بل استمر دون رحمة". وأضاف: "كي تذهب إلى السوق، كان عليك الاعتقاد بأنَّك ميتٌ فعلاً، وبذلك تحصل على الشجاعة لمغادرة المنزل. وعندما نعود إلى المنزل، كانت تلك حياةً جديدة".

وبعد ذلك بدأ الحصار في أغسطس/آب، حيث لجأت الحكومة إلى أسلوبٍ ساعدها على استعادة المدن: التجويع وإحباط معنويات المقاتلين والمدنيين الذين دعموهم حتى التسليم.

وقال زين: "في كل ركنٍ من حياتك كنت تجد شيئاً مفقوداً، مثل شاحن جوَّالِك، حاسوبك المحمول، وحتى الدفء إذا كنت تشعر بالبرودة، والماء من أجل الاستحمام. كان عليك استخدام كل شيءٍ بحرصٍ والتفكُّر ملياً".

سينفد منهم الماء لأنَّه لم يكن ثمة وقود لضخ المياه من الآبار. وشعر زين بضعفٍ دائمٍ، وبالبرودة، والعطش، والاتِّساخ، وكان ينام لمدة تصل إلى 15 ساعة في اليوم، إذا مكَّنه المرض ودرجات الحرارة. وقال: "عندما خرجتُ من حلب، لم أستطع تذكُّر المرة الأخيرة التي استحممت فيها".

وبعد اقتراب قوات النظام، قرَّر الناس الذين رفضوا فرصاً كثيرةً للرحيل أخيراً المغادرة، خوفاً من السجن، والتعذيب، والموت أو التجنيد القسري إذا ما وقعوا في يد الأسد. غادر معظمهم على متن حافلاتٍ مزدحمةٍ حاملين القليل، جُلّه من الملابس، على ظهورهم.

وقال خليفة: "كان علينا الخروج أخيراً. لم أستطع أخذ أي شيءٍ معي سوى كرامتي". هو الآن بالقرب من محافظة إدلب، محشورٌ في منزل أحد أقاربه مع زوجته، وطفليه، وأخويه وعائلتيهما.

وأضاف: "أوقفونا في نقاط التفتيش، وفتَّشونا وأخذوا الأشياء من الناس الذين كانوا معنا. أموالنا، وسياراتنا، ومولِّداتنا، ومنازلنا، كلها تُرِكت في حلب. خرجنا دون شيء. وفيما يتعلق بالمستقبل، لقد ضاع، ضاع، ضاع".

إنَّهم يشعرون أنَّهم أكثر حظاً من معظم الناس الذين أُجلوا إلى إدلب، الذين يعانون من أجل الحصول على ملجأ وطعام في محافظة تغطِّيها الثلوج ولا تزال منطقة حرب. وقالت الأمم المتحدة إنَّ إدلب ربما تكون حلب القادمة، ونقطة التركيز لحملةٍ جديدةٍ للقوات الموالية للأسد.

ويقول بعض الذين تحمَّلوا حصار وقصف حلب إنَّهم مستعدون للمعاناة أكثر بدلاً من الفرار إلى المنفى، لأنَّهم ورغم أنهم خسروا منازلهم، إلا أنهم لا يزال لديهم حلمهم بالتغيير.

وقال حلبي: "لستُ ذاهباً إلى بلدٍ آخر، إلَّا إذا أخرجوني، كما فعلوا في حلب". وأضاف: "سأحاول البقاء في بلدي إذا استطعتُ".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.