لهذه الأسباب أدارت تركيا ظهرها للمعسكر الغربي وتقاربت مع روسيا.. هل يفرط ترامب في أنقرة؟

تم النشر: تم التحديث:
PHILIPPINES TYPHOON
social media

تفاجأ فريق السياسة الخارجية الأميركية يوم الثلاثاء بخبر لقاء مجموعة من كبار المسؤولين الأتراك في حلف شمال الأطلسي مع نظرائهم الإيرانيين والروس في العاصمة الروسية، موسكو.

وقد التقى كبار المسؤولين بهدف تدارس خطة أمنية جديدة حول الوضع السوري، لكن ما أثار قلق الإدارة الأميركية هو غض الطرف عنها في المشاركة في مثل هذا الاجتماع.

ولا يُعتبر هذا المعطى نقطة تحول في مسار الأزمة السورية فقط، بل هو أيضاً منعرج جديد في سياسة تركيا الخارجية، وانتقالها من المراهنة على أميركا والمعسكر الغربي، إلى التعويل على روسيا والمعسكر الشرقي بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية.

مواءمة سياسية

كما أن هناك العديد من الأسباب التي تجعل حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان تسير بخطى ثابتة نحو مواءمة سياسة بلاده الخارجية مع سياسة موسكو، وتنأى بنفسها بعيداً عن واشنطن.

وتجدر الإشارة إلى أن حزب العدالة والتنمية كان منذ البداية معادياً للقوى الغربية، كما زادت الضغوطات المحلية للوقوف في وجه الولايات المتحدة، خاصة بعد محاولة الانقلاب الأخيرة التي أضعفت موقفها واستنفذت فرصها.

علاوة على ذلك، فإن فشل سياسة إدارة أوباما في الشرق الأوسط، وخاصة فيما يتعلق بالشأن السوري، ساهمت في تفاقم التوتر بينها وبين تركيا، وهو ما أدى إلى حدوث التطورات الأخيرة.

وساهمت حادثة اغتيال السفير الروسي في أنقرة يوم الاثنين الماضي في توطيد العلاقة بين روسيا وتركيا. بعكس ما أراد مرتكب العملية، التي باءت محاولته بالفشل. لكن التحالف العلني بين تركيا وروسيا هو أكثر ما فاجأ مراقبي السياسة الخارجية التركية.

وأقر العضو السابق في البرلمان التركي، والعضو الحالي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، آيكان إيرديمير، بأن "تركيا غيرت وجهتها من حلف شمال الأطلسي نحو روسيا وإيران. فبالنسبة لأردوغان، أصبحت الولايات المتحدة لا تتماشى مع سياسة تركيا، لأن الشرق الأوسط من وجهة نظره لا يحتاج للخطابات، إنما يحتاج إلى التطبيق. ولعل هذا ما تفتقر إليه واشنطن".

ظهر اجتماع موسكو حول الأوضاع في سوريا عقب تلاشي الجهود الدبلوماسية الأخيرة والمفاوضات التي يقودها كل من وزير الخارجية الأميركي، جون كيري ونظيره الروسي، سيرغي لافروف، والتي ركزت منذ شباط/فبراير على التوصل لسلسلة من الاتفاقات لوقف إطلاق النار في سوريا، وآخرها في حلب.

وأشار لافروف إلى فشل عملية يوم الثلاثاء، وأعلن عن الشكل الجديد الذي اتخذته القيادة الروسية لهذا التحالف الذي سيجعل من الكرملين مركز ثقل في المفاوضات السورية القادمة.

كفاءة المحور الثلاثي

ووفقاً لما أدلى به وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، فإن "المحور الثلاثي الذي يضمّ روسيا وإيران وتركيا قد أظهر اليوم مدى كفاءته من خلال مجريات العمليات العسكرية". وأضاف لافروف أن "التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والمعروف باسم "المجموعة الدولية لدعم سوريا"، قد فشل في تنفيذ أي من المبادرات التي وعدت بها واشنطن. كما ألقى باللوم على الولايات المتحدة التي حملها مسؤولية فشل اتفاق وقف إطلاق النار الذي تشاور بشأنه مع كيري في أيلول/سبتمبر الماضي.

أما بالنسبة لوزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، الذي شارك في الاجتماع، فقد صرح بأن تركيا وافقت على تحليل لافروف للوضع الأمني. وأضاف الوزير قائلاً "نعتقد أن أفضل تحالف هو ذاك الذي يتخذ القرارات ولا يتوانى عن تنفيذها. ولسوء الحظ، لم يتم تنفيذ أي من القرارات سابقاً، بينما تزداد الأوضاع سوءاً".

ثم أعلن لافروف أن هناك في الوقت الراهن إجماعاً على أن تغيير النظام لا ينبغي أن يكون من ضمن الأولويات في سوريا. كما قرأ الإعلان المشترك الصادر عن وزراء خارجية الدول الثلاث التي تؤكد على تفانيها وحرصها على ضمان سيادة سوريا ووحدة أراضيها، ومكافحة الإرهاب والالتزام بهيكل سياسي سوري قائم على العلمانية والتعددية. في المقابل، لم يذكر الإعلان مصير الرئيس السوري بشار الأسد.

عملت لسنوات مع إدارة أوباما

لسنواتٍ حاولت تركيا العمل مع إدارة أوباما فيما يتعلق بالشأن السوري، لكن طلبها كان مصيره الرفض دائماً. وفي المقابل، فشلت محاولات المسؤولين الأميركيين المتكررة لعقد اتفاق مع تركيا من أجل مكافحة الإرهاب وتنظيم الدولة وتنسيق جهودهما لدعم المعارضة السورية، بسبب إعراض أوباما عن الاستجابة لدعوات تركيا المتكررة لإقامة منطقة حظر جوي في شمال سوريا وممارسة المزيد من الضغوطات على الأسد.

وعلاوة على هذه التوترات الثنائية، فإن مساندة الولايات المتحدة لمجموعة تعرف باسم "قوات سوريا الديمقراطية"، التي تتألف في معظمها من المقاتلين الأكراد، دفع تركيا إلى اعتبار ذلك دعماً لجماعات كردية مسلحة ومتطرفة.

كما دفعت المكاسب التي حققها الأكراد في الشمال السوري تركيا إلى التدخل عسكرياً للحيلولة دون ربط الأكراد بين المنطقتين الواقعتين تحت سيطرتهم وإنشاء دولة كردية.

وكجزء من هذا التدخل، سعت تركيا إلى نيل موافقة ضمنية من روسيا. وقد اتفقت مع الطرف الروسي في تشرين الأول/أكتوبر، على التصدي للمعارضة بهدف فسح المجال أمام العمليات الروسية في حلب.

وكانت تلك الاتفاقية سبباً في تعزيز آفاق التعاون بين تركيا وروسيا. وفي هذه الأثناء، دفع غياب أي مبادرات فعلية من قبل إدارة أوباما المنتهية ولايته، دفع تركيا إلى الإقدام على هذه الخطوة والانتقال بتعاونها مع روسيا إلى مستوى جديد.

إدارة عاجزة

وفي هذا الإطار، قال المسؤول الأميركي التابع لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أندرو تابلر، إن "الأتراك عندما ينظرون إلى الوضع الحالي يقولون إن هذه الإدارة لا تريد التعامل مع سوريا، ويجب علينا الانتظار لسنة أخرى وعندها سنرى ما يستطيع الروس فعله".

وأضاف "يعتقد الجميع أن إدارة أوباما عاجزة تماماً عن اتخاذ أي قرار حاسم، ونحن الآن خارج غرفة المشاورات".

وتتمثل الخطوة التالية، وفقاً لموسكو، في محاولة الجمع بين الحكومة السورية وبعض مسؤولي المعارضة في اجتماع سيعقد في كازاخستان للتفاوض حول فترات أخرى لوقف إطلاق النار. كما ستتم دعوة الولايات المتحدة للمشاركة في هذه العملية.

وقال الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، جون كيربي، يوم الثلاثاء، أن كيري لا يعتبر مسألة تقرير مصير سوريا دون مشاركة الولايات المتحدة معضلة بحد ذاتها، وليس لديه مشكلة مع حصول ذلك بناء على شروط تمليها بالأساس روسيا وإيران.

وأضاف كيربي أن "وزير الخارجية لا يرى في ذلك ازدراء للولايات المتحدة على الإطلاق، فغيابنا عن طاولة المشاورات يمكن أن يؤدي في النهاية إلى وقف أعمال العنف المرتكبة في سوريا، ما سيكون له أهمية كبيرة على المدى البعيد وعلى مساحة جغرافية أكبر مما كنا نظن في السابق. وعلى أرض الواقع، يمكن أن يساعد هذا القرار على توفير مساعدات إنسانية للشعب السوري، واستئناف المحادثات السياسية بين مختلف الأطراف. كما أن الوزير سيظل على ما يرام إن كان القصد من وراء إقصاء الطرف الأميركي التوصل إلى هذه النتيجة".

هل يمكن تحقيق سلام واسع؟

وتكمن المشكلة في أن العملية الجديدة التي تقودها روسيا في سوريا لديها فرصة ضئيلة لتحقيق سلام على نطاق أوسع أو التوصل إلى توافق سياسي فعلي بين الأطراف المتصارعة. كما من المرجح أن ألا توافق تركيا على وقف الدعم الموجه لبعض الجماعات التابعة للمعارضة المسلحة التي تقاتل الأسد، وقبول مسألة سيطرة النظام على حلب وبقية المناطق الأخرى. لكن تركيا تعلم علم اليقين أن الجيش السوري المنتشر في مختلف أنحاء البلاد لن يستطيع توسيع نطاق نفوذه.

كما أنه من المرجح أن تستمر روسيا، التي تعتبر مختلف فصائل المعارضة المسلحة جماعات إرهابية، في شنّ هجمات عسكرية على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، وربما ستنتقل بعد ذلك إلى إدلب.

وأياً كان الاتفاق السياسي الذي ستصادق عليه المعارضة في كازاخستان، فإنه من المستبعد تنفيذه على أرض الواقع. وفي نفس الوقت، يبدو أن إدارة أوباما لا تملك أية خطة لتعزيز نفوذها في المنطقة، ولا تستطيع أن تمنح تركيا أي حافز قد يدفعها إلى العدول عن ترك المعسكر الغربي.

ومن المتوقع أن تُقرّر إدارة دونالد ترامب القادمة قبول المشاورات الدبلوماسية التي يقودها التحالف الروسي في سوريا والرضوخ للأمر الواقع. لكن ما لا يجب على إدارة ترامب تقبله هو تفكك علاقة تركيا بالغرب، كنتيجة لتلك الصفقة. فمن خلال سعي الولايات المتحدة إلى مزيد من الالتزام بأخذ قرارات حاسمة بخصوص الأزمة في المنطقة، ستتمكن من إعادة العلاقات مع تركيا إلى سابق عهدها والحيلولة دون ترك أنقرة لحلفائها في المعسكر الغربي.

وينبغي أن يشمل ذلك إعادة مناقشة كلا الطرفين للمسائل التي تخصهما والأسباب التي دفعت بالعلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى التوتر. ولئن تبدو علاقة تركيا بالولايات المتحدة وحلف الشمال الأطلسي أفضل من علاقتها بروسيا وإيران، إلا أنها لن تقبل بالعدول عن رأيها والبقاء في المعسكر الغربي ما لم تؤكد الولايات المتحدة الأميركية مصداقيتها إزاء الشرق الأوسط.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Washington Post الأمريكية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.