بعد 4 عقود من سحب قواعدها من مصر.. بريطانيا تعزز وجودها العسكري في دول خليجية

تم النشر: تم التحديث:
BRITISH MILITARY
Shutterstock / Kevin Day

بعد أكثر من 40 عاماً من انسحاب بريطانيا العسكري كاملًا من قواعدها العسكرية "شرق السويس" (إشارةً إلى سياسة بريطانيا عندما كانت قناة السويس هي الحد الفاصل بين الممتلكات البريطانية في الهند وأوروبا)، عادت المملكة المتحدة لرفع مستويات وجودها العسكري الدفاعي في الخليج وآسيا، فيما يراه المحللون خطوة اعتراف بالأهمية العالمية المتصاعدة للمنطقة.

وستعيد بريطانيا تشغيل منشأة عسكرية للدعم البحري في البحرين، وتضع قواعد وجود دائم لجيشها في عُمان، كما ستؤسس مراكز لموظفي الدفاع في دبي وسنغافورة.

وأجرت طائرات سلاح الجو الملكي النفاثة Typhoon تدريبات مع سلاح الجو الياباني هذا العام، وهي المرة الأولى التي يستضيف فيها سلاح الجو الياباني بعد الحرب تدريبات مع دولة غير الولايات المتحدة.

وعندما تُشغّل حاملتا الطائرات البريطانيتان الجديدتان خلال بضعة أعوام، "ستُسجّل رؤيتهما في المحيط الهادئ"، في محاولة لإبقاء المسارات البحرية مفتوحة، بحسب ما قاله دبلوماسي بارز مؤخراً.

إذاً، لا عجب أن وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، صرّح في خطاب ألقاه في البحرين هذا الشهر: "ستعود بريطانيا إلى شرق السويس".

وبحسب ما قاله تيم هاكسلي، المدير التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية - آسيا، الفرع الإقليمي لمركز الأبحاث الأمنية ومقرّه سنغافورة، يعكس هذا التوغّل المتزايد رغبة الحزب المحافظ الحاكم ببريطانيا في نقل الدور الدفاعي للمملكة المتحدة إلى المشهد العالمي، فضلاً عن الأوروبي.

وقال هاكسلي: "يفترض البعض أن هذه التحركات تمثّل رغبة قديمة لفي عودة الإمبراطورية. لكني أظن أنهم مخطئون؛ لأن مصالح بريطانيا الاقتصادية والاستراتيجية عالمية".


مخاوف سنغافورة


وكان انسحاب بريطانيا من جنوب شرقي آسيا في السبعينات، أثار رعب رئيس وزراء سنغافورة آنذاك لي كوان يو، في وقتٍ كانت فيه القوات المسلحة السنغافورية ذاتها لا تزال في مراحل التكوين الأولية، سبباً في اتجاه المنطقة إلى الدفاع العسكري المحلي.

ورفعت سنغافورة، التي تمتلك الآن أفضل جيش مجهّز في جنوب شرقي آسيا، ميزانية الدفاع إلى 3 أضعافها؛ استجابةً للخروج البريطاني وانضمت إلى "ترتيبات دفاع القوى الخمس" وهو اتفاق أمني مع المملكة المتحدة، وماليزيا، وأستراليا، ونيوزيلندا.

يعكس إعادة المملكة المتحدة إحياء وجودها العسكري في الأشهر الأخيرة، تأكيداً من لندن على الأهمية الدبلوماسية للمنطقة، وكانت الهند اتجاه الرحلة التجارية الأولى التي قامت بها رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بعد تولي منصبها. وفي زيارة للبحرين، في ديسمبر/كانون الأول، تعهّدت تيريزا بتوطيد التعاون الأمني مع دول الخليج.

وقال رافاييلو بانتوتشي، مدير دراسات الأمن الدولية بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن: "يُعد هذا، بأكثر من طريقة، اعترافاً بتقصير المملكة المتحدة فيما يتعلق بالمشهد الآسيوي، وأن عليها تعزيز وجودها في المنطقة، خاصةً فيما يتعلق بشؤون الدفاع".

"يتعلق الأمر بحقيقة أن مراكز القوة تتحركّ تجاه الشرق وإذا أردت أن تجعل هذا في صالحك، فيجب أن يكون لك شأن في المنطقة".


شكوك في فاعلية القوات البريطانية


لم توجه بريطانيا التعزيزات الأخيرة علانيةً تجاه الصين، وهي قوّة عملت المملكة المتحدة على التودد إليها في محاولة لكسب الاستثمارات الصينية. ويقول محللون إن بريطانيا اتجهت بدلاً من ذلك إلى عرض كفاءتها العسكرية القوية على الساحة العالمية.

وقال بانتوتشي: "كان الجو مشحوناً بعد البريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، ومن ضمن ذلك تقبّل صورة المملكة المتحدة كقوة تجارية حرة عالمية. ولذلك، يجب توطيد العلاقات مع مراكز القوة الاقتصادية الجديدة، ويجب أن يتم ذلك بطريقة استراتيجية تحمل عناصر أمنية ودفاعية أيضاً".

ومع ذلك، توجد فجوة بين الخطاب البريطاني والكفاءة العسكرية الفعلية للجيش البريطاني التي تضاءلت تحت ضغط القيود المالية. وتستمر الحامية العسكرية البريطانية الوحيدة بآسيا -في بروناي تحديداً- لا بفضل تمويل دافعي الضرائب البريطانيين؛ بل بتمويل من سلطان البلاد ذاتها.

ويثير الخلل في الحملات البريطانية بالعراق وأفغانستان، ويشمل ذلك سوء التخطيط ونقص معدات حيوية، شكوكاً حول فاعليتها. وأبقت المملكة المتحدة فرقة صغيرة من قواتها في أفغانستان، وتُسند إليها أدواراً غير قتالية.

وحذّر السير الجنرال ريتشارد بارونز مؤخراً، وهو الرئيس السابق لقيادة قوات المملكة المتحدة المشتركة، من أن الجيش البريطاني يمتلك كميات ضئيلة من معدّات مكلِّفة بشدة -مثل حاملتي الطائرات الجديدتين- التي لن تستطيع بريطانيا تحمل تكلفة "استخدامها كلياً، أو إعطابها، أو فقدانها".

وقال إيوان غراهام، وهو مدير برنامج الأمن الدولي في معهد لووي بمدينة سيدني: "في نهاية الأمر، الإمكانات هي ما تهم. تملك المملكة المتحدة الآن 19 سفينة حربية، تشكيل أسطول حربي تقوده حاملة طائرات سيستهلك معظم مركبات سلاح الدولة البحري القابلة للتشغيل".

وأضاف: "إذا عاد للمشهد تهديد روسي أو نشأت أزمة في الشرق الأوسط، فسيأخذ هذا أولوية أعلى من الشؤون الآسيوية".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Financial Times البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.