"أحرقنا ملابسنا للتدفئة!".. مهجَّرو حلب هربوا بحياتهم من جحيم القصف إلى العراء وسط الثلوج

تم النشر: تم التحديث:
SYRIA
BARAA AL-HALABI via Getty Images

"بعد أشهر طويلة قضيناها محاصرين وبعد ليال عديدة من القصف والمعارك، وبعد أن خذلنا العالم أجمع ولم يستطع ضمان بقائنا آمنين في بيوتنا، لم نمتلك خياراً إلا بترك كل ما نملك وركوب الباصات المعدّة للإجلاء والمغادرة"، هكذا قال سالم الكردي (32 عاماً) أحد هؤلاء الذين تركوا حلب.

الكردي، ورغم فرحه بخروجه على قيد الحياة من الحصار، فإنه لم يُخفِ حيرته من المصير المقبل الذي ينتظره في المستقبل القريب، "عند وصولنا إلى ريف حلب وفور نزولنا من الحافلات استقبلَنا المتطوعون بوجبة غذائية ساخنة، لكن أحداً منهم لم يخبرنا عن خطوتنا التالية"، هكذا أوضح في تصريحاته لـ"هافينغتون بوست عربي".

سالم كان واحداً من ضمن عشرات الآلاف من ضحايا التهجير القسري الذين غادروا حلب بعد إقرار اتفاق الإجلاء الذي فرضته روسيا مقابل وقف قصف المدنيين المحاصرين في المدينة بتاريخ 13 ديسمبر/كانون الأول 2016.

ويذكر الكردي أن المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية المعنية لم تقدم لهم أية مساعدة كفيلة ببدء حياة جديدة بعد أن فقدوا كل ممتلكاتهم.


وحيدون تحت الثلوج


كانت ساحة الوصول ممتلئة بالمتطوعين وممثلي المنظمات والهيئات الإغاثية، "أخبرونا بأن هناك فقط وسائل نقل مجانية ستقلّ من يرغب في الذهاب إلى إحدى قرى أو مدن محافظة إدلب"، طبقاً لوصف الكردي.

وأوضح أن "البرد كان شديداً وما حملناه معنا من ملابس لم يكن كافياً لمواجهة المنخفض الجوي الذي ضرب البلاد تزامناً مع تهجيرنا"، وأسكن المتطوعون الكرديَّ وعائلته في إحدى الخيم التي نصبت على عجل لاستقبال الأعداد الكبيرة من النازحين، لكنه تمكن لاحقاً من التواصل مع أحد أقربائه المقيمين بإحدى القرى القريبة والذي جاء لاصطحابهم.

وصف الكردي الوضع في منطقة الوصول بأنه كان مأساوياً ومحكوماً بالفوضى، "مؤخراً، تم التركيز على إخراجنا من الحصار ونحن على قيد الحياة، وأحمد الله أننا خرجنا كذلك، لكن المشكلة كانت في أن أحداً لم يفكر في مصيرنا التالي".



syria

وتابع: "نحن الآن مشرَّدون بكل ما تحمله الكلمة من قسوة ومعنى، مئات العائلات تركتهم هناك يفترشون حقائبهم تحت الثلوج، لا يملكون أدنى فكرة عن مكان يمكنهم التوجه إليه، أطفال طبَع الخوف والجوع لمساته على وجوههم، وآباء كسر العجز والقهر ما تبقى منهم"، حسب وصفه.

سالم لا يحمّل أحداً بعينه مسؤولية وصول الوضع إلى هذه المرحلة، "كثير من المتطوعين قدموا لنا كل ما يملكون، أعلم أنهم لم يوفروا جهداً في تأميننا، لكن الأعداد الخارجة كانت كبيرة، فاقت طاقاتهم، دون أن يجدوا هم أيضاً أية مساندة لمحاولاتهم مساعدتنا من جهات دولية كبيرة".


أحرقنا ملابسنا لنتدفأ عليها!


وتقول غادة الأعرج، مدرسة اللغة الإنكليزية والأم لـ3 أطفال، في تصريحاتها لـ"هافينغتون بوست عربي"، إنهم وصلوا إلى نقطة الإجلاء في حلب ولم يكونوا يملكون شيئًاً تقريباً، "لحظة خرجنا من بيتنا مع بدء الحصار، كان في نفس لحظة دخول قوات النظام حي بستان القصر".

وتتابع: "لذلك، لم نحمل معنا سوى أوراقنا الشخصية وبعض الملابس التي أحرقناها بهدف التدفئة عندما كنا ننتظر عودة اتفاق الإجلاء للعمل بعد توقّفه يومين، انتقلنا بعد وصولنا إلى بيت أقرباء لنا، وما زلنا نحاول إيجاد شقة للإيجار"، موضحة أن قلة الشقق المعروضة وارتفاع بدلات الإيجار إلى حدود خيالية لم تصل إليها سابقاً دفعهما للتفكير في المغادرة باتجاه تركيا، "سمعنا أن مخيّماً كبيراً يعد هناك لنا".



syria

أما غياث عطية (30 عاماً )، فقد قال لـ"هافينغتون بوست عربي" إنه قضى أيامه الأخيرة بعد الخروج من حلب باحثاً عن شقة للإيجار في مدينة إدلب التي وصلها رفقة عائلته.

وأضاف: "كان أخي بانتظاري لحظة وصول الباصات إلى نقطة الإجلاء، وانتقلنا إلى منزله، ومنذ تلك اللحظة ونحن نبحث عن شقة متاحة للإيجار دون جدوى، أعداد المحتاجين لسكن هنا كبيرة، آلاف ربما، والمدينة استوعبت سابقاً عدداً كبيراً من النازحين".


عار على الإنسانية!


وذكر أحمد النجيب، المتطوع ضمن مؤسسة بسمة الإغاثية، لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن أعداد الخارجين الكبيرة فاقت قدرتهم على استيعاب الصدمة.

النجيب، أوضح أن إمكاناتهم الإغاثية المحدودة والحرب المشتعلة منذ سنوات على طول الأرض السورية وعرضها استنزفت طاقاتهم، "سجلنا حتى اللحظة خروج أكثر من 40 ألف مهجَّر، معظمهم -حتى اللحظة- بحاجة ماسة للسكن".

وقال إن العاصفة غير المسبوقة أيضاً التي ضربت شمال سوريا زادت من معاناتهم وصعّبت من مهمتهم أيضاً.

وأضاف: "لا يمكنني وصف الوضع الحالي إلا بوصمة العار على جبين الإنسانية، وعلى العالم أن يتحرك ولو على صعيد الأفراد لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة للنازحين. بالتأكيد، أشكر كل من تضامن معنا في الفترة الماضية، لكن أدعوهم للتحرك للحفاظ على أرواح من نجا".

وقال طارق السوّاح الناشط المقيم بمدينة إدلب: "يمكننا تقدير أعداد الواصلين إلى المدينة بـ10 آلاف تقريباً، معظمهم من العائلات، ومحاولة تأمين منازل لهذا العدد الكبير في مدينة خرج نسبة جيدة من بيوتها عن الخدمة نتيجة القصف بطرق فردية، يعد ضرباً من الجنون".

وأوضح أنهم بحاجة لمساعدة دولية جادة وحقيقية لتأمين الحد الأدنى من الحياة للواصلين، و"إن لم يتحرك المجتمع الدولي فسنكون في مواجه أزمة حقيقية بدأت نتائجها تظهر إلى العلن".