تطاوين التونسية مسقط رأس منفذ هجوم برلين.. هكذا تحولت من قبلة للسياح بعد "حرب النجوم" إلى معقل للمتشددين!

تم النشر: تم التحديث:
5
5

أصبحت محافظة تطاوين في الجنوب التونسي مشهورة بعد تمثيل بعض المشاهد من فيلم حرب النجوم في هذه المنطقة الصحراوية، إلا أنها اكتسبت في السنوات الأخيرة سمعة مغايرة لكونها معقلاً للأنشطة الإرهابية. فقد أصبحت هذه المنطقة قاعدة لتحركات المجموعات المتشددة في شمال إفريقيا، وهي أيضاً مسقط رأس الشاب التونسي أنيس عمري، المتهم بتنفيذ هجوم إرهابي بشاحنة في برلين.

هذه المنطقة القاحلة تبدو كأنها على أطراف العالم، فباستثناء بعض المنازل والمحلات والصحراء الرملية، لا يوجد شيء آخر في تطاوين، هذه المحافظة الصحراوية التي كانت مشهورة بارتباطها بفيلم حرب النجوم، ونالت الإعجاب في ذلك الفيلم بكهوفها المحفورة تحت الأرض وقبابها المصنوعة من الطين، التي صممها المخرج جورج لوكاس، بحسب تقرير لصحيفة WELT الألمانية.

عبر شاشات السينما أصبحت مدينة تطاوين معروفة في العالم الغربي، بفضل فيلم "حرب النجوم" الذي حقق نجاحاً كبيراً. وقد دأب منذ ذلك الوقت كل عشاق هذا الفيلم والمهووسون بفكرته والسياح على زيارة هذه المدينة التونسية، التي يبلغ عدد سكانها 100 ألف نسمة، والتي أصبحت قبلة للزوار من كل أنحاء العالم.

ولكن كل هذا أصبح شيئاً من الماضي، ففي ظل غياب الإقبال السياحي وتقلص فرص العمل، أصبح حوالي 40% من سكان هذه المحافظة يعانون من البطالة. وقد انصرف معظمهم إلى البحث عن طرق للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، أو تهريب السجائر والبضائع الممنوعة عبر الشريط الحدودي بين تونس وليبيا.

5


معقل للمتشددين


وتعد هذه المنطقة الآن خطرة بالنسبة للزوار الأجانب، فقد أصبحت محافظة تطاوين معقلاً للإسلاميين المتشددين، وتشهد نشاطاً مكثفاً لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، حيث تمثل مدينة تطاوين والصحراء المحيطة بها ملاذاً آمناً لهم، ومركزاً للتخطيط للعمليات، وأرضية خصبة للتجنيد واستقطاب المزيد من العناصر.

ويعود تفاقم هذه الظاهرة في تطاوين أساساً إلى انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص تحسين الحياة، وهو ما دفع بالكثير من السكان إلى أحضان المنظمات المتشددة التي تغريهم بدفع أجور ثابتة ومرتفعة. ومن هذه المدينة تحديداً خرج التونسي المشتبه بتورّطه بتنفيذ هجوم برلين، فهو غادر هذه المنطقة ليهاجر سراً نحو إيطاليا قبل سنوات، ثم انتقل من إيطاليا إلى ألمانيا.

لكن انتشار التطرف والمنظمات المتشددة في هذه المنطقة ليس جديداً، حيث إن هذه الظاهرة بدأت في شمال إفريقيا في بداية التسعينات وانتقلت إلى جنوب أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. وكانت النواة الأولى لظهور هذه الأيديولوجيا في شمال إفريقيا بالجزائر؛ فخلال عشرية كاملة عُرفت بالعشرية السوداء، خاض الجيش الجزائري حرباً دموية ضد المتشددين المسلحين في إطار الحرب الأهلية الجزائرية. وفي سنة 1995 قرر هؤلاء المتشددون نقل المعركة إلى الأراضي الأوروبية، حيث نفذوا حينها هجوماً إرهابياً على المترو في باريس أدى لسقوط 8 ضحايا.

وبعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، خرج النشاط الجهادي في شمال إفريقيا من المحلية إلى الدولية. وحول هذا الأمر تقول الباحثة إيزابيل فيرنفيلس من المؤسسة الألمانية للعلوم والسياسة: "بعد هجمات 11 سبتمبر، زاد المتشددون من تركيزهم على العدو البعيد أكثر من العدو القريب، وفي شمال إفريقيا أيضاً انتقلت هذه الأنشطة من الجزائر إلى الدول المجاورة".

كما شهدت هذه الظاهرة تغييرات كبيرة منذ بداية الربيع العربي، وسقوط الدكتاتور الليبي معمر القذافي في سنة 2011، فقد استغلت المجموعات المتشددة هذا الوضع للتغلغل في المدن التونسية، التي مثلت مهد الثورات العربية.

5


فرصة مفاجئة


كما مثل سقوط الدكتاتور التونسي زين العابدين بن علي فرصة مفاجئة لهؤلاء المتشددين للتحرك بحرية. وحول هذا الأمر تقول إيزابيل فيرنفيلس: "إن الأجهزة الأمنية التونسية بعد الثورة لم تقم فقط بالحد من سياساتها القمعية، بل إنها فقدت فاعليتها في المسائل الأمنية، وبين ليلة وضحاها أصبحت المساجد تحت سيطرة المجموعات السلفية".

وفي ظل هذه الظروف المواتية أصبحت تونس تمثل خزاناً لتجنيد الشباب لصالح هذه المجموعات، خاصة أنه يوجد الكثير من التونسيين الذين حاربوا في أفغانستان والبوسنة والعراق في سنوات سابقة، ثم عادوا إلى بلادهم. كما أن الحرب في سوريا مثلت أيضاً ذريعة إضافية لهذه المجموعات لتجنيد الشباب وإقناعهم بأفكارها المتشددة، بهدف إرسالهم إلى بؤر التوتر. ومن تونس فقط خرج حوالي 3000 مقاتل نحو سوريا، وهو يعتبر مرتفعاً جداً بالنسبة للعدد الإجمالي لسكان البلاد.

ومع انهيار الوضع في ليبيا، أصبح المجال مفتوحاً للانتقال نحو أوروبا. وعلى امتداد السنوات الأخيرة قام اللاجئون والمهاجرون بالدخول إلى القارة الأوروبية عن طريق البحر الأبيض المتوسط في قوارب تنطلق من ليبيا نحو سواحل جنوب إيطاليا.

وعلى الأرجح فإن مرتكب هجوم برلين الأخير هو أيضاً سلك هذه الطريق للدخول إلى أوروبا، حيث تعتقد السلطات الألمانية أن أنيس العمري دخل إلى إيطاليا في سنة 2012، وفي نفس السنة انتقل للعيش في ألمانيا.

وتحوم تساؤلات كبيرة حول آلية تسجيل هويات اللاجئين في إيطاليا عند وصولهم، فقد دأبت الحكومة السابقة التي كان يرأسها سيلفيو برلسكوني على الإسراع بالتخلص من اللاجئين، عبر السماح لهم بالمرور نحو دول أوروبا الوسطى.

ولكن بعد رحيل برلسكوني في سنة 2011، تعهدت إيطاليا بالبدء للقيام بعمليات تسجيل دقيقة ومنظمة. وفي أثناء القيام بهذه العملية، تشير التقديرات إلى أن حوالي 90% من اللاجئين تم تسجيلهم والتأكد من هوياتهم الصحيحة، لكن يحذر أغلب الخبراء الأمنيين من أن كل هذه الإجراءات لا تمنع بعض اللاجئين من تقديم هويات مزيفة واختلاق هويات من محض خيالهم.

5

كما ساهمت الفوضى التي يغرق فيها الجار الليبي في تقويض الاستقرار في تونس، حيث تقول فيرنفيلس: "أصبحت ليبيا منذ سقوط النظام الحاكم ممراً للمتشددين التونسيين، كما أصبحت بمثابة معسكرٍ للتدريب وقاعدة خلفية ينسحب نحوها المتشددون التونسيون مستفيدين من غياب النظام".

ولا تبعد مدينة تطاوين عن بنقردان أكثر من 118 كيلومتراً، هذه المدينة الحدودية التي يوجد بها أهم معبر بين تونس وليبيا، عثرت فيها الأجهزة الأمنية في عدة مناسبات على مخازن للأسلحة، كما أنها تعرضت لعدة هجمات إرهابية وعمليات انتحارية وعمليات إطلاق نار.

وقد تعرض في أيار/مايو الماضي 4 من عناصر الشرطة التونسية للقتل في هذه المنطقة، وقتل أيضاً 4 من العناصر المتشددة. وفي آذار/مارس الماضي، قامت مجموعة مكونة من حوالي 100 مقاتل من تنظيم الدولة بهجوم واسع على مدينة بنقردان بهدف السيطرة على المدينة وإعلانها إمارة تابعة لتنظيم الدولة، وخلال هذه الاشتباكات التي تواصلت لعدة أيام قتل 45 من العناصر المهاجمة، وفشلت هذه العملية في تحقيق أهدافها.

ومن تطاوين إلى بن قردان، أصبحت هذه الطريق الممر الذي يعتمده المتشددون للمرور بين البلدين، وهو ما دفع بالأجهزة الأمنية التونسية لتكثيف الرقابة على هذه المنطقة. كما تم تشييد جدار أمني على الحدود، لكن رغم كل هذه الإجراءات فإن الصحراء الشاسعة تظل دائماً توفر فرصة للمهربين والمتشددين لممارسة أنشطتهم، من خلال ما توفره من ثغرات.

ويمثل شباب منطقة تطاوين، الذين يعانون من صعوبة الظروف الاجتماعية والمناخية، فريسة سهلة للمجموعات المتشددة؛ لأن هؤلاء الشباب لا يجدون بدائل أخرى أفضل، وهم يبحثون عن أية فرصة للخروج من المعاناة والفقر، وهذه الفرصة بالذات هي ما توفره هذه المجموعات المتشددة من أجل إغرائهم.

وبسبب تأثير الأوضاع في ليبيا، ومهارة عناصر تنظيم الدولة المكلفين بالتجنيد والذين يقومون بدعاية قوية للتنظيم، وبفضل الأموال التي يعرضونها والوعود الدينية المتعلقة بالفوز بالجنة، أمكن لهم إغراء العديد من شباب المنطقة للانضمام لهذا التنظيم.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة WELT الألمانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.