دقَّت ساعة الصفر لألمانيا وميركل على حدٍّ سواء

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

تنوَّع الضحايا بين "حلب" السورية و"بريتشد بلاتز" الألمانية.. والفاعل واحد، بحسب الكاتبة الألمانية المقيمة في برلين بول هوكينوز.

واعتبرت هوكينوز أن عملية الدهس الإرهابية التي استهدفت سوقا لزينة أعياد الميلاد في برلين الإثنين 19 ديسمبر/ كانون الأول 2016، كانت متوقعة، في إطار سلسلة من الأحداث الشبيهة في القارة الأوروبية مؤخراً، بيد أنها -وبعكس كثير من الأصوات التي ارتفعت عقب الحادثة- رأت أن اللاجئين وسياسة الباب المفتوح التي انتهجتها المستشارة الألمانية ميركل ليست هي السبب في ذلك.

المفاجأة أن هوكينوز خلصت إلى أن عدم تدخل ألمانيا عسكرياً لوقف داعش، والظلم الواقع على المدنيين في الشرق الأوسط، هو الذي امتد ليُشعل النار في قلب العاصمة، وليس اللاجئين الذين اعتبرتهم ضحايا لنفس اليد التي اقترفت جريمة سوق الكريسماس، يدقون باب القارة الأوروبية سائلين الحماية، ولا يجب ردهم، وفق ما تضمنه مقالها بمجلة فورين بوليسي الأميركية الثلاثاء 20 ديسمبر/ كانون الأول 2016.

وإلى نص المقال

كنا نعلم، في دواخل أنفسنا، أنَّ ذلك سيحدث. فليس ثمة سبب لإعفاء برلين من سفك الدماء والإرهاب، الذي ضرب مدناً مثل باريس، ولندن، وإسطنبول، ونيويورك، وحوَّلها إلى واقعٍ أكثر سوداوية. فقد وقعت هجمات على نطاق أصغر، في مدن وبلدات ألمانية أخرى، تبنَّاها إسلاميون من كافة الشرائح، وأُحبِطت عمليات أخرى.

ومع ذلك، فقد كانت أخبار حادثة مساء الإثنين الموافق 19 ديسمبر/كانون الأول صادمة ومروعة: مات 12 شخصاً وجرح حوالي 50 آخرين، في حوالي الثامنة مساءً، عندما اقتحمت شاحنة سوقاً لزينة أعياد الميلاد، يقع أمام كنيسة القيصر "فيلهلم" التاريخية في حي "بريتشد بلاتز"، أحد أكثر أحياء برلين ازدحاماً.

ومن المرجح أنَّ مرتكب الحادث لم يختر هذا الموقع، أمام كنيسة "فيلهلم" التاريخية، استناداً إلى أية رمزية في عقله أكثر من الكريسماس: الإسلام ضد المسيحية هي الرسالة التي من المفترض أن تعلق بأذهاننا. إنَّ أي واحد من أسواق الكريسماس الكثيرة في المدينة كان سيفي بالغرض، لكنَّ الرمز الذي كان الإرهابي يسعى إلى استهدافه هو أقدس الاحتفالات المسيحية في قلب أقوى عاصمة أوروبية.

لكنَّ الكنيسة، التي دمرت في الحرب العالمية الثانية، وترك نصفها أنقاضاً لتكون أثراً معادياً للحرب، محملة بالرمزية.

فقد جسَّدت تلك الكنيسة منذ نهاية الحرب، بما لا يشبه أي مبنى آخر في برلين، إن لم يكن في ألمانيا كلها، رمزَيِ الجمهورية الفدرالية لما بعد الحرب: لا حرب بعد الآن أبداً، ولا فاشية أبداً.

لقد كانت المذبحة التي وقعت قرب قاعدة الكنيسة المسودة من أثر القذائف، أول مرة تراق فيها الدماء في الميدان منذ الحرب.


على خطى فرنسا


إنَّ السؤال الآن هو إذا كانت ألمانيا سوف تتعامل مع عدم استقرار الشرق الأوسط، والهجرة إلى أوروبا التي نتجت عنه، باعتباره أزمة عسكرية أم لا. هذا عين ما فعله الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، في أعقاب حوادث القتل في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016 في باريس، حين تكلم عن "الحرب" وأمر بتنفيذ ضربات جوية ضد أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا. أما ألمانيا، فقد اقتصرت مشاركتها، حتى الآن، على استقبال اللاجئين، والدعوة إلى حلول دبلوماسية.

بالطبع، كنا نحن، سكان برلين، نعرف أنَّنا معرضون للهجوم، لكننا كنا فقط راغبين في إقناع أنفسنا أنَّ الهجوم لن يحدث غداً أو بعد غد، لكنه سوف يحدث في وقت ما في المستقبل البعيد جداً. إنَّ الوهم بأنَّ برلين من المحتمل أن تنجو من مصير أقرانها لعام إضافي قد تحطم الآن نهائياً. لقد وصلت الحقيقة الكاملة لأوروبا القرن الـ21، أخيراً، إلى عاصمتها، بحكم الواقع، وموطن الحكومة التي يتهمها العديد من النقاد بأنها لم تكن على قدر ضخامة الأزمات ذات الطبيعة العسكرية التي واجهت القارة في السنوات الأخيرة.

تواجه ألمانيا الآن المعضلة ذاتها التي واجهت فرنسا، وحواضر أوروبية أخرى: ما هو القدر من الحريات الذي سوف يضحَّى به باسم الأمن، في مدينة تتباهى بشهرتها كمدينة منفتحة ومتسامحة وتعددية بشكل يدعو للفخر؟ وكيف ستستجيب الطبقة السياسية لهذه الهجمة الإرهابية؟ هل سوف يبدأ السياسيون المنتمون للمؤسسات التقليدية في محاولة منهم لدرء صعود المد اليميني الشعبوي، في وصم اللاجئين والرعايا الأجانب وتعزيز حدود البلاد؟


كيف تعالجها ميركل


إنَّ الواقع الجديد يمكن رؤيته على الوجه المرهق للمستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، عندما خاطبت البلاد صباح الثلاثاء 20 ديسمبر/ كانون الأول 2016. ليس ثمة شخصية مرتبطة بمحنة طالبي اللجوء في أوروبا مثل ميركل، كما لم يتعرض أي سياسي في كل أوروبا لمثل الانتقادات التي تعرضت لها المستشارة بسبب هذه السياسات.

إنَّ حقيقة أنَّ المتهم الأوليّ في الأحداث دخل ألمانيا طالباً للجوء السياسي من باكستان، في شهر فبراير/ شباط 2016، قد صعَّب الأمور على المستشارة. (كون الرجل قد أفرجت عنه الشرطة لاحقاً، قائلة إنَّ المجرم الحقيقي ما زال طليقاً، لم يخفف من قلق الجمهور).

عبَّرت ميركل، في خطابها الموجز، بتجهّم، عن حزنها وأسفها للضحايا، وعن غضبها من الحادث، وقالت "هذا يوم عصيب جداً"، مضيفة أنها شعرت، مثلها في ذلك مثل ملايين الألمان، بالذعر والحزن العميق جراء هذه الأحداث.

وتابعت: "اثنا عشر شخصاً كانوا معنا بالأمس. كانوا يتطلعون للكريسماس، وكانت لهم خطط، لم يعودوا معنا هنا اليوم". ليست العواطف والتعاطف أقوى مزايا ميركل، لكنها عزفت على الوتر الصحيح، وهي سمة بارزة لطريقتها في إدارة الأزمات، وحضت على الحذر قبل معرفة أية حقائق عن الحادثة أو اتخاذ أية إجراءات.

في مثل هذا الوقت الذي يسهل فيه التفوه بالإجابات البسيطة، عالجت ميركل حقيقة أنَّ المهاجم يبدو أنه من طالبي اللجوء السياسي فقالت: "أعرف أنَّ من الصعب بشكل خاص علينا أن نقبل تلك الحقيقة لو تبين أنَّ الشخص الذي ارتكب هذه الفعلة واحد طلب حمايتنا واللجوء إلينا في ألمانيا. سوف يكون هذا أمراً بالغ الشناعة".

بإيجاز شديد، في جملة واحدة فحسب، ميزت ميركل بوضوح بين مرتكبي فعل أصولي عنيف، ولاجئي الحرب الذين يطلبون مساعدة ألمانيا وحمايتها. وحضَّت الألمان على ألَّا يخلطوا بين الاثنين، لكنها لم تصل إلى حد التأكيد على أنَّ أغلب اللاجئين في ألمانيا قد فرُّوا من نفس التطرف الديني، الذي يبدو أنه السبب الذي أعطى دافعاً لمرتكب عملية برلين، أو أنَّ الانقلاب على المواطنين المسلمين واللاجئين المساكين يصب في مصلحة الأصوليين. لكنَّ التركيز على ذلك النوع من النقاط من الواضح أنه لم يكن ملائماً لتلك اللحظة.

هذا هو الخيط الرفيع جداً الذي تمشي عليه ميركل اليوم، وفي الأسابيع القادمة، وهي واقعة تحت ضغط هائل لتقوم بذلك ببراعة. لا بد لميركل أن تعالج مشاعر الحزن والغضب والخوف، لدى الألماني العادي، وإلا ترك ذلك فراغاً يملؤه الشعبويون.

من أجل ذلك سوف تحتاج أكثر من مجرد مؤتمر صحفي مدته عشر دقائق، تقوم فيه بالتعبير عن التعاطف مع الألمان الذين يشعرون بعدم الأمان، كما سوف تحتاج إلى كل مساعدة ممكنة من السياسيين الألمان الآخرين، بما فيهم أولئك الذين هاجموا بشراسة سياسات حكومتها تجاه قضية اللاجئين. ومع ذلك، فينبغي لها، هي أيضاً، أن تدافع عن هذه السياسات وتبررها، لأنها تحمل اسمها، وقد ضغطت على باقي أوروبا للانصياع لهذه السياسات، دون أن يحالفها النجاح، حتى الآن على الأقل.


الشعبويون يشاركون


أما بالنسبة لليمين المتطرف، فإنه لم يُضع ولو دقيقة واحدة للانقضاض على ميركل، رافعين شعار، الألمان قبل الجميع. فقد نشر حزب "البديل من أجل ألمانيا"، القومي الشعبوي، تغريدة بعد الهجمات مباشرة، قال فيها: "ما الذي فعلته ميركل ببلدنا؟".

وأضافت فروك بيتري، زعيمة الحزب: "ينبغي ألا نعيش في الوهم. إنَّ الوسط الذي يغذي مثل هذه الأفعال، قد تم استيراده إلى ألمانيا باستهتار وبشكل منهجي خلال السنة والنصف الماضيين". وبحسب بيتري، فإن ألمانيا لم تعد آمنة.

وقد نشرت بيتري ذلك في صورة على حسابها على فيسبوك كتبت عليها: "كان من واجب المستشارة أن تخبركم بهذا الأمر، وبما أنها لم تفعل، فسوف أخبركم أنا".

حتى مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، شاركت بتغريدة، قالت فيها بالألمانية "شكراً ميركل"، وكذا فعل الزعيم السابق لحزب استقلال المملكة المتحدة القومي، نايجل فاراج، الذي قال: "إنَّ أحداثاً كهذه سوف تكون تركة ميركل".


ساعة الصفر


هذه هي ساعة الصفر بالنسبة لميركل. من ناحية، فإن بقاءها في منصبها مُعلَّق الآن على استجابتها، فهي ستدخل انتخابات عام 2017 بتأييد لا يبلغ حدَّ الإجماع، حتى بين صفوف المحافظين، وقد أتى ذلك نتيجة خيبة أمل زاد منها الاستياء بسبب الهجرة.

لكنَّ مصداقية الاتحاد الأوروبي الديمقراطية على المحك هي الأخرى. إنَّ ألمانيا، أقوى دول أوروبا، قد قامت حتى الآن، شبه منفردة، بمنع الاتحاد الأوروبي من نقض واحد من أهم مبادئه: حق المضطهدين في اللجوء السياسي. لا شيء يقف في طريق الإلغاء الفعال لهذا المبدأ سوى أنغيلا ميركل. لو استجابت ميركل للضغوط الشديدة، سوف يصبح الاتحاد الأوروبي قلعة أوروبية غير ليبرالية دون أية ثغرة في درعه، في الوقت الذي يطرق فيه اللاجئون اليائسون القادمون من حلب على أبواب أوروبا.


نداء للجيش الألماني


حتى الآن، لا تبدو ألمانيا كقلعة. ليس هناك جنود في الشوارع، كما هو الحال في فرنسا. استكمل ابني ذو الست سنوات دروسه في الحضانة يوم الثلاثاء بجدوله المعتاد، وذهب مع صفّه لمشاهدة فيلم بمناسبة الكريسماس، في سينما بمحاذاة واحدة من أصغر أسواق الكريسماس في المدينة. وعلى الرغم من البهجة القسرية التي أبداها المعلمون، إلا أنه لم تكن هناك مبالغة في ردود الأفعال أو هستيريا.

لكن بعد هجمات يوم الإثنين، زحفت الحروب المستعرة على حدود أوروبا خطوة أخرى ناحية ألمانيا. لو ثبت أنَّ هذه الهجمات دبرتها جماعة إرهابية من الشرق الأوسط، فإنَّ صانعي السياسة الخارجية الألمان ينبغي لهم أن يحددوا ما إذا كان باستطاعتهم أن يفعلوا أكثر من مجرد الاهتمام بجزء ضئيل من ضحايا حروب المنطقة.

إنَّ الجيش الألماني لم يقم حتى الآن بأي دور على الإطلاق في سوريا. وقد اختار بوضوح أن يبتعد عن التدخل في ليبيا عام 2011. ربما سوف يتغير ذلك الآن. والأمل معقود، حتى في هذه الحالة، على أن يتفهم الألمان أنَّه ليس ثمة خيار بين حماية ضحايا الحرب أو قتال داعش. في نهاية المطاف، فإنَّ ضحايا حلب في سوريا، وضحايا حادث "بريتشد بلاتز" كلاهما ضحية نفس الأيديولوجية ونفس الإرهابيين.

إنَّ هذه نقطة ينبغي لميركل توضيحها، في الوقت الذي تداوي فيه جراح البلاد وتضمن أمنها. إن كنيسة "فيلهلم" التاريخية تحثها على أن تفعل كل ذلك في الوقت نفسه.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.