"هيكلة الانقسام".. كيف تفهم قرارات جماعة الإخوان الأخيرة في 8 نقاط

تم النشر: تم التحديث:
MAHMOUD EZZAT
huff post arabi

قد تراها حلقة جديدة في صراع عبثي لا طائل منه داخل كيان يحتضر، أو تراها خطوة مهمة لترتيب البيت الداخلي ليتمكن بعدها الكيان من الانطلاق لتحقيق أهدافه التي قد تختلف أو تتفق معها كذلك، وقد تراها أمراً لا يعنيك بالأساس.

لكن في كل الأحوال، يبقى فهم ما يجري داخل جماعة الإخوان المسلمين في مصر باعتبارها واحدة من القوى السياسية الرئيسية في المنطقة، وخاصة في السنوات الخمس الأخيرة، أو ما عرف بـ"الربيع العربي"، أمراً مهماً.

وفي أحدث حلقات الصراع الداخلي الذي يعصف بالجماعة، أعلن الفريق المعروف إعلامياً باسم "القيادات الشبابية" أو "جبهة محمد كمال"، ويعبر عنه المتحدث الإعلامي محمد منتصر، خلال اليومين الأخيرين (الإثنين والثلاثاء 19، 20 ديسمبر/كانون الأول 2016)، حزمة قرارات تنظيمية مثيرة للجدل.


فما أبرز هذه القرارات؟ وماذا تعني؟ وكيف ستؤثر على الجماعة التي تواجه في الوقت الراهن ضربات أمنية تستهدف اقتلاعها من الجذو؟


1- انتخاب مجلس شورى عام جديد

صدرت القرارات كافة باسم مجلس الشورى العام المنتخَب، وهو ما اعتبره هذا الفريق بديلاً عن مجلس الشورى الموجود بالفعل والذي انتهت ولايته وفق لوائح الجماعة منذ عام 2014.

فكيف انتُخب؟ ومتى؟ ومن يمثل؟

يوضح فريق القيادات الشبابية أنه تم انتخابه من خلال الوحدات التنظيمية كافة للجماعة "الشعبة- المنطقة - المحافظة - القطاع"، خلال الشهور الأربعة الأخيرة، وذلك تحقيقاً للوعد الذي قطعوه قبل 6 أشهر بإجراء انتخابات شاملة والعمل على تقديم لائحة جديدة ورؤية للجماعة، وأطلقوا عليها آنذاك "خارطة طريق".

وعن حجم المشاركين في هذه الخطوة، يشيرون إلى أنها جرت في 5 قطاعات جغرافية من أصل 7 تقسيمات إدارية إخوانية في مصر. (وهو ما لا يوجد ما يحسم دقته).

في المقابل، يأتي الفريق الآخر المعروف إعلامياً بـ"القيادات التاريخية"، أو "جبهة عزت" في إشارة إلى د.محمود عزت القائم بأعمال المرشد العام منذ عام 2013 والمختفي أيضاً منذ ذلك الحين.

ولا يعترف فريق القيادات التاريخية بكل هذه الإجراءات ويرى استحالة إجراء انتخابات شاملة في ظل الأوضاع الأمنية المعقدة، ومن ثم أعلن أيضاً في يونيو/ حزيران 2016 أنه قام بانتخابات استكمالية لملء الفراغات في مجلس الشورى القديم الذي انتهت مدته في 2014.

اللافت في الأمر، أن إجراء الانتخابات الشاملة كان أحد بنود مبادرة الشيخ يوسف القرضاوي في مايو/أيار 2016 للتوفيق بين الطرفين، ولكنه اشترط أن تقوم عليها لجنة موحدة، وهو ما بدا أن كلا الفريقين تجاوزه وانطلق في خطوة الانتخابات بشكل منفرد وفق تصوره.

ماذا تعني هذه الخطوة؟

تعني ببساطةٍ، الإطاحة بجميع أعضاء مجلس الشورى القديم المحسوب على فريق القيادات التاريخية، والذي يتولى بعض أعضائه إدارة الإخوان في دول خارج مصر منذ سنوات، ومن ثم قد يفقد فريق القيادات الشبابية اتصاله بـ"الإخوان" في هذه الدول بشكل كامل.

2- فصل الرقابي والتشريعي عن التنفيذي

وهو ما ترجمه عدم جمع أي عضو بين منصبين تنفيذي وتشريعي أو رقابي، وهو ما لم يكن معمولاً به من قبل، حيث إن المرشد العام يجمع بين رئاسة أعلى هيئتيْن تنفيذية ورقابية؛ وهما: مكتب الإرشاد، ومجلس الشورى.

الأمر الذي يمثل تغيراً كبيراً في نهج الجماعة القائمة على مبدأ "الثقة" بالقيادة، ويعيد تشكيل دائرة المراقبة وآليات اتخاذ القرار.

والجدير بالذكر أن هذا المطلب يعد من المطالب الأساسية للعديد من رموز الجماعة وأبنائها على مدار سنوات، عبر عنه مؤتمر الشباب الذي عقد بعد ثورة 25 يناير/كانون الأول 2011، وأثار غضب القيادة آنذاك، وكذلك دعا إليه القيادي السابق بالجماعة ومؤسس حزب مصر القوية د.عبد المنعم أبوالفتوح.

3- انتخاب مكتب إرشاد جديد "مؤقت" باسم المكتب العام للإخوان المسلمين مكون من 11 عضواً

بعد الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب في مصر د.محمد مرسي والمحسوب على الجماعة في يوليو/تموز 2013، بدأت سلسلة من الضربات الأمنية المتلاحقة التي أدت إلى فراغ تنظيمي هائل في هيكل الجماعة، ما دفعها لتكوين ما يسمى اللجنة الإدارية العليا في 2014 كهيئة تنفيذية تقوم بمهام مكتب الإرشاد وليس لديها صلاحياته.

ومنذ ذلك الحين، وقعت عدة صدامات بين هذه اللجنة التي رأسها عضو مكتب الإرشاد الذي اغتالته السلطات المصرية مؤخراً، والقيادات التاريخية متمثلة في الأمين العام للجماعة د.محمود حسين، والقائم بأعمال المرشد د.محمود عزت، حول مسألة الصلاحيات.

وكما يبدو، فإن هذا القرار يعني أن فريق القيادات الشبابية يحسم الأمر لصالحه بتكوين مكتب إرشاد مؤقت لديه الصلاحيات كاملة مع الاحتفاظ لأعضاء مكتب الإرشاد المعتقلين بوضعهم الرمزي والاعتباري.

4- استحداث منصب يقوم بمهام المرشد العام للجماعة يسمى المراقب العام، مع احتفاظ د.محمد بديع والمسجون في مصر منذ أكثر من 3 سنوات بمنصبه كمرشد عام للجماعة.

مع سجن المرشد العام واختفاء القائم بأعماله، واحتكار عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة التحدث باسمهما وزعم التواصل معهما، نشأت في صفوف الإخوان التساؤلات حول فكرة "الإمام الغائب". ودار النقاش حول "ولاية الأسير"، وكيف يمكن للجماعة إخضاع قراراتها لأشخاص غائبين يستحيل التواصل معهم، فضلاً عن صعوبة إلمامهم بالمتغيرات التي تساعدهم في اتخاذ القرار، أو حسم خلاف.

وفي محاولة لتجاوز ذلك، بدأ فريق القيادات التاريخية يصّدر د.إبراهيم منير مسؤول التنظيم الدولي للجماعة والمقيم في لندن منذ 40 عاماً بصفته نائباً للمرشد ومرجعية "حاضرة" لقرارات الجماعة.

ويبدو أن فريق القيادات الشبابية من خلال هذا القرار قد قام بالشيء نفسه، مضفياً عليه "شرعية انتخابية"، للتمكين من صلاحيات منصب المرشد دون مسماه.

5- احتفاظ كل أعضاء مكتب الإرشاد القديم المعتقلين بمناصبهم.

بالطريقة نفسها، يستخلص هذا البند الصلاحيات مع الاحتفاظ باعتبارية القيادات المعتقلة حتى لا يفقد فريق القيادات الشبابية تعاطف أعضاء الجماعة.

لكن، يزيد على ذلك أن هذا البند يطيح بأعضاء المكتب القديم غير المعتقلين، من خلال ما يقول إنه "انتخابات" شاركت فيها النسبة الأكبر من أعضاء الجماعة، ولكن لا يوجد ما يؤكد دقة ذلك ولا حجم الاستجابة له من قِبل أعضاء الجماعة في الداخل، وأفرعها في الدول الأخرى.

6- انتخاب مكتب جديد للإخوان المصريين في الخارج، ويكون ممثَلاً بعضو واحد في مكتب الإرشاد المؤقت.

بعد إنشاء اللجنة الإدارية العليا في 2014، وجَّهت بانتخاب مكتب للإخوان المصريين في الخارج مكون من 11 عضواً من 4 بلاد أساسية خرج إليها المطاردون بعد يوليو 2013؛ وهي: تركيا، والسودان، وماليزيا، وقطر.

اتسقت مواقف هذا المكتب مع فريق القيادات الشبابية خلال العامين الماضيين، باعتبارها جناحه في الخارج، وفي ظل الانقسام القائم أصبح من الصعب التكهن بآلية انتخاب أعضاء جدد، خاصة أن 3 من الدول الـ4 ينقسم "الإخوان" في الدولة الرابعة "تركيا" بين إدارتين، كل منهما تمثل أحد الفريقين المتنازعين.

7- القيادات المنتخبة كلها داخل مصر، عدا مكتب الإخوان المصريين في الخارج.

يسعى هذا القرار لاسترداد قيادة الجماعة من الخارج الذي تواجد به من تبقى من القيادات العليا ومعظم قيادات الصف الثاني خارج السجون، إلى أعضاء الجماعة داخل مصر الذين يرون أنهم أحق وأدرى بطبيعة المواجهة التي تخوضها الجماعة حالياً مع السلطات.

وهو الأمر الذي يتماس مع القرار الأخير.

8- التمسك بالمسار الثوري

وهو القرار الذي يلخص فلسفة الدور الذي سيحظى بالاهتمام الأكبر للإدارة الجديدة، وفق صفحة المتحدث الإعلامي المحسوب عليها محمد منتصر.

فبينما يُتهم فريق القيادات التاريخية بين حين وآخر بأنه "يسعى للمصالحة مع النظام"، وهو الأمر الذي ينفيه، يقدم فريق القيادات الشبابية نفسه باعتباره "الأمين على مسار الثورة والمصر على استكمال طريقها"، مستدلاً على ذلك بأن معظم أعضاء إدارته لا يزالون داخل مصر.

قد يتحقق ما يراه هذا الفريق أو ذاك، ولكن الأكيد أن العنوان الأوضح لهذه الحلقة من الصراع التنظيمي داخل الجماعة الإسلامية الأوسع انتشاراً في العالم هو "هيكلة الانقسام".

فبعد تلك الخطوات، لم يعد الانقسام مجرد حالة تدور بين أروقة الجماعة وهمسات أبنائها وتتضح في مواقفهم من الأحداث، إنما أصبح مكرَّساً في إدارتين تدّعي كل منهما الشرعية المؤسسية.