كاتب بريطاني: لم ندعم المعارضة السورية خوفاً من سيطرة الإسلاميين والغرب بريئ من دماء حلب

تم النشر: تم التحديث:
ALEPPO
Anadolu Agency via Getty Images

تحت عنوان "توقفوا عن القلق بشأن حلب"، كتب البريطاني إيميل سيمبسون مقالاً في صحيفة الفورين بوليسي يفنّد فيه الانتقادات الموجهة للدول الغربية بشأن سوريا عامة وحلب خاصة، وتتهمها بالتقصير وأنه كان بإمكانها فعل المزيد، بما في ذلك التدخل العسكري البري لحسم الأمر هناك قبل أن يتدهور بهذا الشكل ويودي بحياة مئات الآلاف من المدنيين.

ويخلص سيمبسون، الذي خدم من قبل في أفغانستان تحت لواء القوات البريطانية، إلى أن الغرب بريء، فلم يكن أمامه إلا خيارات محدودة تفضي جميعها إلى تمكين ما يصفه بـ"الجماعات الإسلاموية المتطرفة" وسيطرتها على سوريا، مقارناً ومستشهداً بالأوضاع في كل من ليبيا والعراق وأفغانستان.

قد تختلف مع ما ذهب إليه الكاتب الحاصل على الماجستير في القانون الدولي، ولكن من المهم أن نتساءل أولاً حول الحجج التي ساقها بالتفصيل.. فربما يكون لديك بعدها رأي آخر أو العكس.


إليك نص المقال


اصطف قادة السياسة في الغرب في ورعٍ الأسبوع الماضي لوصف سقوط حلب بأنه وصمة عار في ضميرنا الجمعي. فالغربُ، طبقاً لقولهم، كان ينبغي عليه فعل ما هو أكثر لوقف الأزمة الإنسانية الحالية في سوريا.

على المستوى الإنساني البحت، هذا صحيح. فالدول يمكنها دائماً فعل ما هو أكثر لإيصال المساعدات الإنسانية للناس على الأرض. ولكن من الناحية العسكرية، فكرة أن الغرب كان يجب عليه أن يفعل ما هو أكثر هي مجرد فكرة خيالية، ودرسٌ خاطئ نتعلمه من المذابح الدائرة في حلب.

إن كان هناك درسٌ للغرب من تدخل الليبرالية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فهو الدرس التالي: إما أن نتدخل بحسم، وعلى المدى الطويل، أو نبقى بعيداً عن الأمر.

بالطبع كان الغرب يمتلك فرصةً عسكرية عام 2011 للإطاحة برئيس النظام السوري بشار الأسد من خلال دعم المعارضة، التي لم تكن تداخلت بعد مع الحركات الإٍسلاموية المتطرفة. لكن ما لم يكن مؤكداً هو ما إن كان انتصارٌ عسكري كهذا بإمكانه وضع سوريا على مسار الديمقراطية، والاستقرار، والسلام. ليت الأمور كانت بهذه السهولة.

في الواقع، وفي غياب القوات الغربية البرية للحفاظ على السلام، كانت نتيجة انتصار المعارضة في سوريا عام 2011 ستشبه غالباً نتيجة التدخل الغربي الفاشل في ليبيا في نفس العام. وبعد النشوة الأولية بالانتصار، كانت سوريا ستنقسم إلى أجزاء، وتظهر ميليشيات عديدة مختلفة، وتسيطر على مناطقها المحلية، كما حدث في ليبيا.

وكان هذا سيفتح الباب أمام الإسلامويين المتطرفين كما حدث في ليبيا. وكان سيكون على الغرب حينها تقبُّل الفوضى والنفوذ الإسلاموي المتزايد في دولةٍ مفككةٍ أخرى.

وعلى العكس، لو كان الغرب، فرضاً، نشر قواته في الأراضي السورية عام 2011، سرعان ما كانت هذه القوات ستواجه تمرداً إسلاموياً، كما رأينا في أفغانستان والعراق. وكان الأمر سيتحول إلى مهمةٍ طويلة: ولننظر إلى أفغانستان، حيث مازالت القوات الغربية موجودة، أو العراق، حيث اضطرت للعودة لمنع انهيار الدولة.

عقبة الرأي العام

هؤلاء المعلِقون، الذين يتحدثون عن أزمة حلب للحصول على استحسان أو انتباه الجماهير، ويوبخون الغرب على عدم فعل ما هو أكثر من الناحية العسكرية، مرحبٌ بهم لشرح الكيفية التي كانوا سيحشدون بها تأييد الرأي العام الأميركي لحملةٍ كهذه في سوريا عام 2011.

فبحلول عام 2011، وبعد مقتل آلاف الجنود في أفغانستان والعراق، وتكلفة هاتين الحملتين العسكريتين التي وصلت إلى تريليونات الدولارات، والتي تراكمت على خلفية الأزمة الاقتصادية عام 2008، كانت فكرة إمكانية تأييد الرأي العام الأميركي لمسعى كهذا قد أصبحت ضرباً من الخيال.

وكما قال وزير الدفاع الأميركي حينها روبرت غيتس لطلاب أكاديمية "ويست بوينت" العسكرية عام 2011، إنَّ أي شخص ينصح حينها الرئيس الأميركي بنشر قوةٍ عسكرية أميركية كبيرة في الشرق الأوسط "يجب أن يخضع لفحصٍ عقلي".

في الواقع، فإنَّ هؤلاء الذين يقولون إنَّ الغرب كان عليه التدخل بشكلٍ أكبر، يميلون إلى الاتفاق على أن نشر قواتٍ غربية برية بأعدادٍ كبيرة في سوريا حينها كان أمراً غير واقعي، ولكنهم يقولون أيضاً إنَّه كان يمكن للغرب التدخل بشكلٍ أقل من ذلك. لكن ثمَّة مشكلة في هذه الحجة القائلة بضرورة الابتعاد عن التدخل المباشر والتدخل على مستوى أدنى، ألا وهي أنَّ الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في الخليج فعلوا ذلك بالفعل، وذلك من خلال تسليح المعارضة السورية.

ولكن بحلول عام 2012، كانت المعارضة ضد بشار الأسد قد انضم إليها بالفعل حركات إسلاموية متطرفة، وهو ما جعل الضغط لفعل ما هو أكثر من أجل سوريا يُتَرجَم إلى دعم الولايات المتحدة الأميركية لعددٍ قليل من فصائل المعارضة بعد فحصها فحصاً دقيقاً، بينما اكتست المعارضة السورية ككل بطابعٍ إسلاموي متزايد.

قاد هذا الأمر الاستراتيجية الغربية إلى طريقٍ مسدود، وجعلها تتذبذب بين تسليح بعض فصائل المعارضة، وبين رفض أي انتصار حقيقي لها من الممكن أن يسمح للحركات الإسلاموية بالسيطرة على سوريا.

ماذا لو تدخل أوباما

ولكن ماذا لو كانت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما قد نفذت تهديدها بعد انتهاك بشار لخطها الأحمر وقصف السوريين بالأسلحة الكيماوية، وقامت بقصف قوات الأسد عام 2013، أو أقامت منطقة حظر جوي فوق سوريا: هل كانت ستتمكن حينها من الضغط على الأسد للتفاوض على السلام مع المعارضة؟

أعتقد أن كلتا الفرضيتين معقولتان. فالقوى العظمى يجب عليها أن تفرض خطوطها الحمراء وإلا تفقد مصداقيتها. ومن المعقول أن نفترض أن تهديداً أميركياً حقيقياً لبشار الأسد بقصف قواته كان من الممكن أن يدفعه إلى التفاوض عام 2013.

ولكن، على أي حال، لا أرى كيف كان من الممكن للتفاوض والتوصل إلى تسوية بين بشار الأسد والمعارضة (ومن الواضح أن الكثير من فصائل المعارضة المتشددة لم تكن ستشارك في صفقةٍ على أي حال) أن يؤدي إلى أي وضع في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في سوريا سوى وضعٍ كوضع ليبيا، إذ كانت الميليشيات الإسلاموية ستسيطر سريعاً على الحكم بهذه المناطق، إلا إذا كان الغرب قد نشر قواته على الأراضي السورية كما قلنا سابقاً.

تبدو هذه بالنسبة لي هي النقطة الحاسمة التي تقود إليها كل الطرق. فبرغم تعقيد وكرب الوضع في سوريا، إلا أن بيت القصيد هنا هو ما إن كان الغرب مستعداً لنشر قواته على الأرض لتحقيق الانتصار وفرض السلام.

كان هذا من الممكن أن ينجح عام 2011، حينما كانت قوات المعارضة مازالت في بداية تكونها، وكان أيضاً من الممكن أن ينجح عام 2013، بقصف قوات الأسد بعد انتهاكه للخط الأحمر. علاوةً على ذلك، نشر القوات الغربية نجح بشكلٍ نسبي في العراق وشمال شرق سوريا، حيث تتعاون القوات الغربية مع قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، والتي يتكون معظمها من الأكراد، في قتالها ضد تنظيم الدولة (داعش).

ولكني أتوقع أنه إن لم تبقى القوات الغربية في شمال شرق سوريا للحفاظ على السلام بعد طرد تنظيم داعش، بالتزامن مع وضع خطةٍ سياسية واضحة لتأمين منطقة حكم ذاتي للأكراد في سوريا، فإن الفوضى ستعم المنطقة، وسرعان ما ستتقاتل فصائل قوات سوريا الديمقراطية المختلفة، ومن المحتمل أن يهاجم الأسد أو تركيا المنطقة لتحقيق مصالحهم الخاصة.

لا ذنب لنا

ماذا يتبقى لنا إذن؟ سواءً كان على الغرب فعل ما هو أكثر على المستوى العسكري أم لا، فإن الطريقة الوحيدة لفعل ما هو أكثر، بدون التسبب بالمزيد من الأزمات للسوريين والغربيين كذلك، بالنسبة لي، كانت ستكون نشر قوات غربية على الأرض في سوريا، والاستعداد لحملةٍ عسكرية لمكافحة التمرد قد تستمر لعدة سنوات. ولكن، من يتبنون هذه الحُجَّة عليهم أن يثبتوا أنه كان سيكون هناك دعماً شعبياً أميركياً لخطوةٍ كتلك عام 2011 أو 2013، ويبدو لي أنه لم يكن هناك دعمٌ كهذا حينها.

بالطبع، هناك متعصبون بين من يؤمنون بضرورة تدخل الليبرالية في الأزمات العالمية، يذهبون بعيداً بأفكارهم، متناسين الحجج الاستراتيجية، ويرون العالم من خلال نظرةٍ ثنائية وقيمٍ أخلاقية مطلقة.

يعتقد هؤلاء أن الغرب يتحمل ذنباً أخلاقياً لامتناعه عن إيقاف أعمال الآخرين الوحشية. شخصياً، أعتقد أن هذا هراء. فالأسد، وموسكو، وطهران، هم من يتحملون بشكلٍ مباشر مسؤولية الفظائع الإنسانية في سوريا، وليس الولايات المتحدة الأميركية أو الغرب. بالإضافة إلى ذلك، لا يتحمل الغرب المسؤولية الأخلاقية عن إصلاح السياسات المحطمة، والفاسدة، والمختلَّة لدول الشرق الأوسط، التي تسبَّبت سياسات زعمائها في الثورات ضدهم عام 2011. ولكن بمجرد تدخلك، والإطاحة بنظامٍ سياسي لأسبابٍ إنسانية، تصبح عالقاً مع هذا العمل الذي لا تلقى شكراً عليه.

فلنتصرف بحسم، أو نبقى بعيداً

الحقيقة الأساسية هنا أنه رغم التقدم التكنولوجي الحالي، فالانتصار في الحرب، والسلام بعدها، مازالا يتحققان فقط بالقوات البرية. وهناك حدٌ لما يمكن للقوات التي تخوض حرباً بالوكالة فعله، وخاصةً حينما تكون هذه القوات منقسمة، وبينها حركات إسلاموية متطرفة. نستنتج من هذا أنه إن كان الغرب جاداً بشأن التدخل في الشرق الأوسط، فإنه يحتاج إلى إرسال قواته نفسها هناك، والاستعداد لمهمةٍ طويلة.

هذه الدعوات الورعة، والدعم العلني للتدخل العسكري الإنساني، تختفي سريعاً حينما يبدأ الجنود الغربيون، الشباب ذوو الـ19 عاماً، الذين لهم عائلاتٌ في أوطانهم، بالتمزق إلى أشلاء بسبب العبوات الناسفة، في جهدٍ مضني لإصلاح السياسات المختلَّة للدول الأخرى.

لستُ مؤيداً للتدخل العسكري للغرب في دولٍ أخرى عموماً. ولكني أعتقد فقط أن مستقبل التدخل العسكري الغربي يكمن في دعم حكومات الدول الضعيفة، وليس في الإطاحة بها. وفي هذا الصدد، فإن التدخل الفرنسي الناجح في مالي عام 2013 هو مثالٌ جيد: ففرنسا تدخلت لدعم الحكومة، بدلاً من تغيير النظام، وتدخلت ضد هدفٍ عسكريٍ واضح، وبمعرفةٍ جيدة بالسياسات المحلية في مالي (من ذلك قدرة فرنسا على التمييز بين المتمردين الطوارق وتنظيم القاعدة في مالي، بدلاً من وصف جميع فصائل المعارضة بالإرهاب).

ولكن ليست كل الأوضاع تشبه وضع مالي، ولا يمكن حل كل المشاكل بالحلول العسكرية، إلا إن كنت مستعداً للخوض بحسم في الأمر حتى نهايته.

ربما لا يكون الغرب مسؤولاً عن الفظائع الجارية في حلب، ولكننا مسؤولون أخلاقياً عن منح أملٍ زائف للمعارضة السورية منذ عام 2011، إذ دعمناهم في خطاباتنا، ثم دعمناهم مادياً، ولكننا لم نكن راغبين في دعمهم بقواتنا العسكرية.

فلنتصرف بحسم، أو نبقى بعيداً.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.