"من حق الجيش أن يربح".. أزمة لبن الأطفال تلوح مجدداً بعد رفع سعر عبوة "تحيا مصر" بنسبة 43%

تم النشر: تم التحديث:
HLYB
social media

صرخات أطفال ترتفع من حين لآخر، والطابور الذي يقف فيه محمد بصحبة زوجته وابنهما لا ينتهي، غير أنهما التقطا أنفاسهما على أعتاب عيادة وحدة الرعاية التابعة لوزارة الصحة المصرية.

تودِّعه زوجته بانكسار وهي تدخل للطبيبة، قبل أن يغلق الباب، وتبدأ الطبيبة بالكشف.

ذلك المشهد الذي لا ينساه محمد، العامل المصري بأحد المصانع الخاصة، وراتبه لا يتجاوز 1500 جنيه (حوالي 79 دولاراً)، الذي أرغمته الظروف على تخصيص 240 جنيهاً (حوالي 12 دولاراً) شهرياً لشراء لبن لصغيره من ألبان "تحيا مصر"، التي أعلنت القوات المسلحة المصرية في سبتمبر/أيلول 2016 عن بدء استيرادها لتخفيف المعاناة عن المواطن البسيط، بعد احتكار العبوات والمغالاة في سعرها، وفقاً لبيان المتحدث الرسمي للقوات المسلحة، العميد محمد سمير آنذاك.

وبعد فحص زوجة محمد قالت الطبيبة "ما انتي صحتك زي الفل أهو ملكيش لبن"، (أي ليس من حقك الحصول على لبن صناعي لطفلك)، فتنهال السيدة عليها بعبارات الرجاء والاستعطاف، طلباً لفحص الطفل الصغير الذي قرر طبيب الأطفال حاجته للبن الصناعي، لأن لبن أمه غير كافٍ لإشباعه.

ولكن الطبيبة تتجاهلها وتتولى بوجهها عنها، ثم تخاطب الممرضة بوجه متجهم قائلة "اللي بعده".

السعر قفز من 18 جنيهاً (حوالي دولار) عند بدء الاستيراد إلى ما يقرب من 30 جنيهاً (دولارين)، إلا أن توفيره في الصيدليات هوَّن الأمر على الأهالي، الذين قرروا فيما يبدو أن يتأقلموا على الزيادة في السعر في مقابل البعد عن شروط وزارة الصحة المجحفة. وما حدث هذا الأسبوع هو زيادة جديدة أعلن عنها الإثنين 19 ديسمبر/كانون الأول 2016، وبدأ تطبيقها في اليوم التالي ليقفز سعر عبوة اللبن من 30 جنيهاً إلى 43 جنيهاً بزيادة حوالي 43%، مع الحديث عن زيادة أخرى وشيكة.


ليست الزيادة الأخيرة


توقع محمود فؤاد مدير مركز الحق في الدواء، ألا تكون زيادة ألبان الجيش لتصل 43 جنيهاً للعبوة الزيادة الأخيرة، موضحاً أن لديه معلومات أن الشركة المصرية لتجارة الأدوية وهي المملوكة للدولة، وإحدى الشركات المسؤولة عن توزيع ألبان "تحيا مصر" تريد تسعير اللبن الخاص بها ولبن "تحيا مصر" بسعر 52 جنيهاً للعبوة (أي نحو 2.7 دولار).

يعلق فؤاد قائلاً: "الأمر بذلك دخل حيز التجارة، فعبوة اللبن يتم استيرادها بسعر دولارين وعشرين سنتا، وبذلك لا يقدم الجيش أي دعم، فهو يدرس كيف يحقق أرباحاً، ويعوض الخسائر بعد ارتفاع سعر الدولار.

واستبعد مدير مركز الحق في الدواء أن يقدم الجيش دعماً من أجل المواطنين، قائلاً "مش هيدينا حاجة ببلاش"، وفي الوقت ذاته لا تمتلك الدولة الأموال لتقدم دعماً جديداً للألبان.

وأضاف "فؤاد" أن القوات المسلحة ممثلة في جهاز مشروعات الخدمات الوطنية هي المسؤولة عن تحديد سعر عبوة لبن "تحيا مصر"، باعتبارها المالك، خاصة أن الألبان في مصر غير مسعرة، وبالتالي من حق أي شركة تغيير سعره بموافقة ضمنية وليس كتابية من الحكومة، عكس الدواء الذي يحتاج موافقة من مجلس الوزراء.

وتوقع مدير مركز الحق في الدواء، عودة الطوابير مرة أخرى أمام مراكز وزارة الصحة، ولكن سيأخذ الأمر عدة أسابيع حتى يعلم الناس بزيادة السعر ويضطرون للذهاب للفحص للحصول على اللبن المقدم من وزارة الصحة، وعليهم أن يستخرجوا قبل ذلك البطاقة المميكنة التي تستغرق وحدها حوالي أسبوعين، وحينما تذهب الأم للحصول على حصتها في اللبن ولا تجده، عندها ستظهر الأزمة.

وأوضح أن الدولة توفر اللبن المدعم لحوالي 230 ألف طفل، في حين أن هناك حوالي مليوني طفل يحصلون على لبن غير مدعم.

وحاولت هافينغتون بوست عربي التواصل مع الدكتور عادل طلبة، رئيس الشركة المصرية لتجارة الأدوية -الشركة الحكومية المسؤولة عن توزيع ألبان تحيا مصر على الصيدليات- عدة مرات، ولكنه لم يُجب.


الصيادلة يتلقون الصدمة


نهال، صيدلانية بإحدى سلاسل الصيدليات الشهيرة بالقاهرة، في نهاية العقد الثاني من عمرها.

باعت نهال آخر عبوة من ألبان "تحيا مصر" بسعر 30 جنيهاً، قبل أن يظهر على الشاشة أمامها السعر الجديد (43 جنيهاً) وعندما عرف "محمد" بالسعر الجديد أخذ يتمتم بعبارات الشكوى والضجر من البلد والرئيس والمسؤولين.

نهال ذكرت لـ"هافينغتون بوست عربي" أنها تؤهل نفسها لمثل هذه الانفعالات الأيام المقبلة حينما يفاجأ الناس بالزيادة في "لبن الجيش" كما يطلقون عليه، ملتمسة لهم العذر قائلة "حرام، الناس معذورة هتعمل إيه، اللبن زاد وحفاضات الأطفال"، وهذه أساسيات لأي طفل بخلاف أسعار الأدوية والمستلزمات الأخرى.
الارتفاع السابق في السعر من 18 جنيهاً إلى 30 صاحبته حالة غضب كما تقول، ولكن ما خفف على الناس توفره في الصيدليات، مما يقلل الضغط على ألبان وزارة الصحة.

أما الآن فهي لا تعلم ما الذي سيهون على الجماهير، قائلة "لا أحد يراعي محدودي الدخل، لا الدولة ولا الأطباء، في ظل الزيادة الرهيبة في الأسعار.
زيادة أسعار عبوة "تحيا مصر" سبقها ارتفاع العبوات الأخرى غير المدعومة من 60 إلى مائة جنيه في منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بعد قرار تعويم الجنيه بأيام".

الفارق بين عبوة المائة جنيه وعبوة الـ30 جنيه (قبل الزيادة) هو وجود شريط بالأحمر على العبوة مكتوب عليه كلمة "تحيا مصر"، كما تقول الطبيبة الشابة، مضيفة أن الأطباء ربما يستغلون حاجة المرضى ويتعاونون مع شركات إنتاج الألبان ضد مصلحة المريض، ويطالبونه بالأنواع المرتفعة السعر، فيما يبدو اتفاقاً بين طبيب الأطفال وشركات الألبان، في حين أن المنتج واحد.

تقولها نهال وهي تنهض إلى المخزن، لتحضر آخر عبوتين لديها من عبوات "تحيا مصر"، وعبوة أخرى سعرها 100 جنيه لتوضيح "الفارق البصري فقط" مع التأكيد على أنهما من نفس النوع ولكن بالسعرين.

نهال تعمل بصيدلية في منطقة الدقي -أحد الأحياء الراقية بالقاهرة- وتقول إن بعض زبائنها كانوا يشترون العبوة الغالية عندما كانت بـ60 جنيهاً، وبعد الزيادة أبدلوها بعبوة "تحيا مصر".

وتضيف: السعر الجديد لألبان الجيش لن يناسب إلا الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة، أما المحدودة فكان الله في عونهم.


اقتلوا أولادكم


لدى سؤاله عن الزيادة الجديدة في أسعار ألبان "تحيا مصر"، ارتسمت الدهشة على وجه خالد- طبيب صيدلي بإحدى سلاسل الصيدليات في القاهرة.

سارع ليسأل زميلاً له عن حقيقة الأمر، وحينما أخبره بصحته، استبدل الدهشة بضحكات ساخرة قائلاً "لا كده بقي الناس تقتل أولادها أحسن، واللي عندها توأم تختار واحد فيهم وتضحي بالتاني".

خالد، الطبيب الأربعيني الذي يوجد محل عمله في شارع السودان الفاصل بين حي المهندسين -أحد الأحياء الراقية- وحي بولاق -أحد الأحياء الشعبية- قال إن هذه القرارات لا تراعي المواطن البسيط، فاللبن بالنسبة لطفل طعام لا يمكن الاستغناء عنه، فهو ليس رفاهية، أو عبوة دواء سيأخذ منها وقتاً وينتهي.

وأضاف "اللبن يحتاجه الطفل لمدة عام بمتوسط عبوتين أسبوعياً طوال عامه الأول، وهو ما يكلف 344 جنيهاً شهرياً للطفل الواحد، وتتضاعف التكلفة في حالة التوأم، ولا بديل عن اللبن، خاصة في الشهور الستة الأولى قبل تغذيته بعوامل مساعدة في الشهور التالية".

واعتبر أن الدولة تقتل الصغار بهذا القرار، لعدم قدرة الأهالي على توفير الغذاء لهم، مما سيجبرهم على التسول بهم، أو أن يتركوهم فريسة للموت، حسب تعبيره.

"خالد" قال إن المواطنين يومياً يفاجأون بتغيير في أسعار كل الأشياء الموجودة بالصيدلية، وهو ما يدفعهم للتفكير في البدائل، وفي صحة الأطفال في الوقت نفسه.

ووفقاً لدراسة منظمة الصحة العالمية التي صدرت في تموز/يوليو 2015، فإن نقص التغذية وراء 45% من وفيات الأطفال حول العالم.


حتى في صيدلية الحكومة لا توجد ألبان


في قلب القاهرة "صيدلية الإسعاف"، أحد أشهر الأماكن التي كانت تصطف أمامها الطوابير للفوز بعبوة لبن مدعم منذ عدة أشهر، إلى أن منعت وزارة الصحة توزيع اللبن من خلال هذه الصيدلية، وأصبح يوزع داخل مراكز الإنجاب بالوزارة فقط.

"المنع لم يتوقف على اللبن المدعم، ولكن كل أنواع ألبان الأطفال حتى لبن "تحيا مصر" لم يعد يباع في صيدلية الإسعاف، كما أوضح لـ"هافينغتون بوست عربي" أحد العاملين بها، الذى رفض ذكر اسمه.

وقال إنه سمع عن قرار زيادة الألبان، ولكن وزير الصحة منعهم من أن يأتي إليهم اللبن أو يوزعوه، ونفى علمه بالسبب.

وصيدلية الإسعاف مملوكة للشركة القابضة للأدوية التي تخضع لوزارة الاستثمار، وتعد أكبر شركة لاستيراد وتوزيع الأدوية في الشرق الأوسط، وتستحوذ هي وشركاتها التابعة على 40% من حصة السوق الدواء والمستحضرات الطبية، كما تعد تلك الصيدلية المركزية الوحيدة للشركة في محافظة القاهرة التي تعمل 24 ساعة يومياً.


من حق الجيش تحقيق الربح


الدكتور أيمن أبوالعلا، عضو لجنة الصحة بلجنة النواب المصري، اعتبر أن الزيادة مرتبطة بزيادة سعر الدولار، ولذلك اضطرت القوات المسلحة لرفع السعر مع زيادة سعر الاستيراد، فالعبوات الأخرى وصلت لـ150 جنيهاً.

وأكد أبوالعلا لـ"هافينعتون بوست عربي"، على أنه "ليس مطلوباً من الجيش تقديم الدعم لكل منتج يقوم باستيراده، وليس مطلوباً منه عدم تحقيق هامش ربح من التجارة".

ونصح عضو مجلس النواب المصري المتضررين من ارتفاع سعر اللبن بالتوجه للبن المدعم في مراكز الإنجاب التابعة لوزارة الصحة، قائلاً إنه لا يوجد شروط إلا أن تكون الأم لا تستطيع أن ترضع ابنها، وتصرف اللبن بشهادة الميلاد.

أما "محمد" الذي كان مستاء من الرئيس والمسؤولين بسبب زيادة أسعار اللبن، فقال وهو يغادر الصيدلية، إن صغيره سيتم شهره الخامس هذا الاسبوع وسيتوقف عن إعطائه لبناً صناعياً، متجها لبعض الأطعمة كبديل، إلى جانب لبن والدته، مردداً عبارة "الأعمار بيد الله".