"علينا أن نتعلَّم كيف نعيش مع الإرهاب".. هل دهست شاحنة سوق عيد الميلاد ببرلين نمط الحياة الأوروبية؟

تم النشر: تم التحديث:
FG
social media

مع حلول منتصف الليل، كانت أصوات صفارات الإنذار لا تزال مسموعة في شوارع العاصمة الألمانية، وخيّم بعض الهدوء الزائف على ميدان بريتشيدبلاتز الذي يقع في قلب منطقة التسوق المركزية في برلين.

كانت أضواء عيد الميلاد لا تزال تتلألأ في المنطقة، بينما كان بعض السياح يسيرون متمهّلين أسفل شارع كورفورستندام، ويبدو وكأنهم لا يدرون السبب وراء وجود ضباط الشرطة المُسلحين الذين يُرشدونهم للسير إلى الأمام.

أما عن الشاحنة الزرقاء الداكنة، والتي أطاحت بالحافة الشمالية من سوق الميلاد المشغول والمزدحم في حوالي الساعة الثامنة مساءً -وتسببت في قتل 12 شخصاً على الأقل وإصابة حوالي 50- فكانت تقف في الشارع فاقدة لتوازنها، فقط مع جزء من زجاج نافذتها المُحطم، وشجرة الميلاد المُشوّهة التي تحطمت تحت عجلاتها، مما يوضّح القوة والسرعة التي كانت مُندفعة بهما نحو التجمُّع، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وتظهر في الخلفية الكنيسة التذكارية للقيصر فيلهلم، وقد ألقت بظلالها الحزينة على المشهد. ظلّت تلك الكنيسة على وضعها، محترقة وبها آثار لقنابل الحرب العالمية الثانية، وذلك لتذكير الأجيال القادمة بحماقة الدخول في الحروب، والتعصب الديني.

تشتهر أسواق برلين في عيد الميلاد بأنها تكون مثل اليوتوبيا المصغرة، وسط صخب نهاية العام المُنتشر في كل مكان، فتجد فيها اللحم المشوي على مهل، واللوز بالكراميل، بالإضافة إلى الألعاب الخشبية المصنوعة يديوياً. وينظّم العديد من سكان برلين، في عطلة نهاية الأسبوع التي تسبق عيد الميلاد على وجه الخصوص، زيارات للاجتماع مع الأصدقاء.

ليس فقط منذ هجوم شهر يوليو/تموز الذي حدث في باريس، بل دائماً ما كان ساسة ألمانيا لديهم قناعة بأن أسواق عيد الميلاد ستكون هدفاً صريحاً لكل من يريد تصوير الشعور بالأمن في أوروبا على أنه وهم كبير.

ففي عام 2000، أوقفت قوات الشرطة أربعة إسلاميين جزائريين ومنعتهم من تفجير قنبلة في سوق عيد الميلاد الموجود في ستراسبورغ.

أما عمدة برلين، مايكل مولر، والذي زار موقع الحادث بعد الساعة التاسعة مساءً بوقت قليل، وتحدّث إلى الكثيرين في المدينة اعترف بأن لديه العديد من المخاوف، وربما يكون أسوأ كابوس كان يشغل تفكيره، قد تحول إلى واقع بالفعل. فقال، "نتمنّى ألا تثبت صحة مخاوفنا بأن تلك الحادثة تعتبر هجوماً".


كردونات في أسواق عيد الميلاد


وبحسب الغارديان بدأت بعض أسواق عيد الميلاد في برلين في إقامة كردونات أمنية في السنوات الأخيرة، مثل السوق الموجود في ميدان جندارمن-ماركت. بينما منعت الأسواق الأخرى الدخول بحقيبة الظهر، وشجّعت أصحاب المحلات والأكشاك على أن يكونوا أكثر يقظة، كما أمرت ضباط الشرطة الذين يرتدون الملابس المدنية، بالاختلاط وسط الحشود.

ولكن التعزيزات الأمنية لم يتم تطبيقها على السوق الواقع في ميدان بريتشيدبلاتز -والذي تطوقه العديد من الطرق متعددة الحارات، وهي الأكثر ازدحاماً في المدينة- إذ أنه لم يخطر بالبال أن يكون مُستهدفاً. وبدلاً من ذلك، كان المنظمون يحاولون استغلال طبيعة السوق "الخالية من الحواجز"، للتسويق له على أنه المكان المثالي للزيارة بعد التسوق لعيد الميلاد.

توجد بالسوق بعض الألعاب مثل العجلة الدوارة ذات المقاعد، واثنتين من لعبة الأحصنة الدوارة، بالإضافة إلى العديد من الأكشاك التي تبيع الحلوى والتي تهدف إلى إغراء الأطفال.

بعد مرور ساعات على حدوث المأساة، كررت الشرطة بيانها بأنها لا تزال غير متأكدة إن كان حادثاً مأسوياً أم هجوماً مشؤوماً. واقتنع مجموعة من أصحاب الأكشاك الموجودة في الجانب الجنوبي من السوق، أنهم سمعوا الشرطة وهي تقول بأن سائق الشاحنة غلبه النوم أثناء قيادتها. ولكن، كيف يمكن لأحدهم أن يتداول خبر تحطّم الشاحنة، ويختزله في هذا المشهد المُسالِم؟

ومع اقتراب منتصف الليل، وظهور المزيد من التفاصيل عن ملابسات الحادث -مع القبض على الشخص الذي يُعتقد أنه سائق الشاحنة، بعد أن ترددت أخبار تشير إلى أنه كان يحاول أن يلوذ بالفرار إلى تيرجارتن- أصبح من الصعب تجنُّب التفكير في وجود دافع وراء حادث الهجوم القاتل الذي حدث ليلة الاثنين.

وقال وزير الداخلية الألماني، توماس دي مايتسيره، "لا أريد استخدام كلمة الإرهاب بعد، ولكن العديد من الشواهد تشير إلى ذلك الاتجاه".

وفي ظل حالة الفوبيا من الهجمات التي تقع في أسواق عيد الميلاد فتح سوق الكريسماس السنوي في ستراسبورغ أبوابه هذا العام في فرنسا تحت حراسة أمنية مُشددة. وبدلاً من أن يشهد السوق وجوداً لأعمال الزينة المعتادة في وسط الميدان والتي يُهيمن عليها من قِبل شجرة الصنوبر التي يبلغ طولها 100 قدم، فإن السلطات قررت ترك معظم الميدان خالياً في حال الحاجة لإقامة مستشفى ميداني بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.

وتشير الصحيفة إلى أنه قبل أن يتمكن أي أحد من الوصول إلى السوق، فإن عليه أن يمر بــ 15 نقطة للتفتيش، وهي تلك النقاط التي تُحصن وسط المدينة. ولا يُسمح للسيارات بالتواجد في الشوارع القريبة من السوق، كما جرى إغلاق أقرب محطات الترام بشكلٍ مؤقت. وذلك في الوقت الذي أصبح فيه حدوث هجمات إرهابية أمراً معتاداً، إذ لم تعد الأماكن العامة بالمساحات التي يُفترض أن تكون آمنة، ويشمل ذلك أسواق الكريسماس التي تنتشر في كل مكان وتزدهر في هذا الوقت من العام عبر معظم أنحاء القارة.

لذلك عندما اندفعت شاحنة إلى أحد تلك الأسواق في برلين، على مسافة حوالي 470 ميلاً من ستراسبورغ في مساء يوم الاثنين، لم يكن واضحاً حينها إذا ما كان الدافع وراء ذلك هو القيام بعمل إرهابي، لكن ذلك هو ما اعتقده الكثيرون في البداية.


جزء من حياتهم


وتشير نيويورك تايمز إلى أنه بالنسبة لمعظم المواطنين في فرنسا، التي عانت من الهجمات الإرهابية أكثر من أي بلدٍ أوروبي آخر، أصبحت هذه الأحداث جزءاً من حياتهم. إذ أن الهجوم الدموي الذي حدث في أوروبا هذا العام قام به سائق بمفرده في نيس يوم 14 يوليو/تموز الماضي واستخدم شاحنة بضائع ليتمكن من الوصول إلى الحشود التي كانت تُغادر الاحتفالات السنوية للألعاب النارية، وأسفر ذلك عن مقتل 90 شخصاً. وكان هناك ما لا يقل عن تسع هجمات أخرى أو محاولات لشن هجمات إرهابية في البلاد.

وفي أحد أكثر التعليقات التي نالت انتقاداً بعد هجمات نيس، قال رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس: "لقد تغير الزمن، وعلينا أن نتعلم كيف نعيش مع الإرهاب. علينا أن نظهر التضامن والهدوء الجماعي".

ويلوح الاحتفال بالكريسماس في الأفق باعتباره تحدياً لإنفاذ القانون فهذه هي أحد أكثر العطلات احتفالاً عبر القارة حيث الغالبية من الناس ينتمون إلى الكاثوليك أو البروتستانت. والأسواق هي السمة الرائعة للمدن والبلدات وحتى القرى، التي تتزين بمراكزها التجارية التاريخية للاحتفال بهذا الموسم.

وتشير الصحيفة إلى أن هناك قلقاً بعد عمليات القتل التي حدثت في برلين يوم الإثنين حول عدم كفاية الاحتياطات، ودعا برونو لو رو، وزير الداخلية الفرنسية المسؤولين عن إنفاذ القانون إلى مضاعفة الجهود لتوخي الحذر، وأعلن أنه عزز الأمن في أسواق الكريسماس في جميع أنحاء فرنسا.