زار غزة 3 مرات ولم يره أصحابه "يصلِّي".. الرحلة المجهولة للمهندس التونسي من مطاردات بن علي إلى العلاقة مع "حماس"

تم النشر: تم التحديث:
FSD
sm

المهندس محمد الزواوي هو كل هؤلاء: طالب الجامعة التونسي المنتمي سابقا لحركة النهضة الإسلامية، والمطارد السياسي المتخفي في غابات صفاقس، ثم في المنفى. صنع أسطورته الخاصة منذ وطئت قدماه قطاع غزة عبر الأنفاق من سيناء، وهناك بدأ الفقرة الأخيرة من الأسطورة: تعرف على رفاق في حركة حماس، وعاد إلى تونس متحمساً لحلمه الذي دفع ثمنه من دمائه الأسبوع الماضي: ابتكار طائرات وغواصات من دون قائد، قادرة على حمل الأسلحة.

"هافينغتون بوست عربي " جمعت في هذا التقرير شهادات عائلة وأصدقاء الفقيد حول حياته وتاريخه بين السياسة والعلم، وانخراطه في حركة المقاومة الفلسطينية حماس، وحقيقة الغواصة المُسَيرة عن بعد التي قيل إن الراحل بدأ في تطويرها، وربما كانت السبب الأهم في تعجيل المخابرات الإسرائيلية بتصفيته كما تجمع وسائل الإعلام، مع مخاوف أخرى من تطويره أسلحة روبوتية بحرية.


صور من قريب كما يراها الأصدقاء


تبدأ الصورة بإجماع على ما تمتع به من "أخلاق عالية والتفاني في التحصيل العلمي والرغبة الدائمة في تكوين أجيال تونسية قادرة على اكتساح مجال صناعة الطائرات، وأيضاً تعاطفه الكبير مع القضية الفلسطينية، والتزامه مبدأ المقاومة في صمت".

هذه أبرز الصفات التي يطلقها المقربون من مهندس الميكانيكا التونسي محمد الزواري -49 عاماً- عليه، والذي اغتاله مجهولون أمام بيته الخميس الماضي، 15 ديسمبر كانون الأول، بعشرين طلقة نارية، ونعته حركة المقاومة الفلسطينية حماس وكتائبها العسكرية "القسام" في بيان رسمي.


مطاردة من شرطة بن علي وعودة بعد الثورة


في سنوات التسعينيات الصعبة، بدأت الحكاية، كان محمد الزواري طالباً بالجامعة حين هرب من ملاحقات البوليس السياسي في أرياف محافظة صفاقس بالجنوب، كما يحكي رفيقاه: زبير الشهودي القيادي في حركة النهضة، وكريم عبد السلام الناشط السياسي وشريكه في المطاردات.

يتذكر زبير الشهودي في حديثه إلى "هافينغتون بوست عربي" محطات من الماضي في حياة الزواري، الذي نشأ داخل الأسر التربوية لحركة الاتجاه الإسلامي -النهضة حاليًا- ونشط في الجامعة في صلب الاتحاد العام للطلبة المحسوب على الحركة الإسلامية آنذاك نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات. "إبان وقوع المواجهات بين نظام الرئيس السابق بن علي والحركة كان الفقيد في آخر سنة بقسم الهندسة الميكانيكية، ولكنه لم يستطع إكمال الدراسة بسبب مطاردة النظام له، فاختار التوجه للسودان بعد أن قضى فترة لابأس بها متخفياً بصفاقس، ومطارداً من البوليس السياسي لبن علي".

كريم عبد السلام ناشط حقوقي جمعته بالزواري عدة محطات في فترة حكم بن علي وكان من أصدقائه المقربين، وشريكاً له في التخفي والهرب.

يسرد كريم "لهافينغتون بوست عربي" تفاصيل مثيرة عن حياة الزواري وعن رحلة هروبهما من بطش نظام بن علي. "جمعتني به علاقة صداقة قوية وكنت حينها هارباً من قبضة بن علي بعد أن داهم البوليس منزلي في العاصمة. اتجهت لصديقي الزواري في صفاقس بحثاً عن ملجأ آمن، وانتقلنا مع بعض للعيش في بيوت ريفية بأحراش غابات الزيتون في صفاقس تسمى "الأبراج". أصبحنا تقريباً نتنقل خلال تلك الفترة من بيت ريفي لبيت آخر بالغابات لمدة تجاوزت الثمانية أشهر، إلى أن تمكن البوليس في سنة 1991 من تحديد مكاننا، وألقي القبض علي، وسجنت لفترة طويلة بينما تمكن هو من الفرار نحو ليبيا، ثم استقر في السودان لأكثر من عشر سنوات".


فراق مع النهضة ولقاء مع "حماس"


يقول زبير الشهودي إن سفر الزواري للسودان كان مرحلة مفصلية في حياته العلمية والسياسية، "فقد ابتعد شيئاً فشيئاً عن حركة النهضة، وعن مناخ العمل السياسي في بلاده، وانصرف نحو مجال الأعمال حيث فتح مصنعاً متخصصاً في الميكانيكا بالسودان، وظل متنقلاً بين السودان وسوريا وتركيا ولبنان وعدة عواصم عربية أخرى".

رغم ذلك يرجح الشهودي أن تكون للزواري تقاطعات مع حركة المقاومة الإسلامية حماس بدأت وتواصلت في المنفى.

وحول علاقته المباشرة بحركة حماس وما شاع حول زيارته لغزة، يؤكد كريم عبد السلام أن صديقه الراحل دخل غزة ثلاث مرات عن طريق الأنفاق من الأراضي المصرية، خلال الفترة ما بعد 2011 ثم استحال عليه الأمر بعد وصول الجنرال عبد الفتاح السيسي للسلطة، واستمرار الجيش المصري حينها في سياسة ممنهجة لإغراق الأنفاق بالمياه.

الشهودي يؤكد أيضاً أن الفقيد بعد عودته لتونس لم يستأنف نشاطه السياسي السابق مع رفقاء حركة النهضة، "أؤكد أن الكاتب العام الجهوي لحركة النهضة بصفاقس لم يتلق قط أي طلب انضمام أو انخراط للزواري بالحزب ولم يشارك الزواري قط أي نشاط سياسي يذكر من تنظيم الحركة وهو ما فسره البعض بأنه تبرأ من الحركة بعد دخولها في معترك الصراع السياسي على الحكم، بما لا يتفق مع قناعاته ومبادئه الشخصية، خاصة وأنه اختار المضي في صفوف المقاومة والعمل الجهادي".


لقاء على أرض تونس مجدداً


بعد سنوات المنفى التقى كريم مع رفيق الدرب مجدداً، عشر سنوات كاملة.

كريم عبد السلام يتذكر أن أول لقاء جمعه بصديقه الراحل بعد العودة من السودان كان بعد ثورة 14 يناير 2011 . كان الزواري قد عاد من السودان، وخرج عبد السلام من سجون بن علي. "الفقيد كان رغم تكتمه الشديد يسر لي بأنه مترفع عن كل الإيديولوجيات والصراعات السياسية في البلاد، ويقول: قضيتي قضية الأقصى والمقاومة الفلسطينية لأنها البوصلة الوحيدة التي لا تخطئ الاتجاه ".

بعد الثورة التي أطاحت بنظام بن علي اختار الزواري العودة لتونس رفقة زوجته السورية، وباع مصنعه للحكومة السودانية واستقر في مسقط رأسه، صفاقس. ويقول زبير الشهودي إن "الزواري شارك على ما يبدو في اعتصام الصمود سنة 2012 رفقة مجموعة من المعتقلين السياسيين السابقين، والذين طالبوا حينها الحكومة التونسية برد الاعتبار لهم واسترجاع كافة حقوقهم بعد خروجهم من السجون. ورغم ذلك لم يتمتع الفقيد بهذا العفو التشريعي لأسباب ظلت مجهولة".

الشهودي أكد أن أصدقاء قريبين جداً من الزواري أسر لهم قبل فترة من اغتياله بشعوره بنوع من التوجس الأمني والقلق، لكنه لم يفصح عن مصدره.


الباحث الجامعي في مدرسة المهندسين بصفاقس


الرسالة الثانية للزواري كانت تنمية القدرات العلمية للشباب التونسي بالتوازي مع البحث العلمي، ورغبته في نيل الدكتوراه من مدرسة المهندسين بصفاقس، بيته العلمي الذي عاد إليه بعد الثورة. استأنف تحصيله العلمي، فناقش في البداية رسالة الماجستير بمشروع الطائرة بدون طيار ثم انطلق بعدها في تنفيذ رسالة الدكتوراه من خلال مشروع "غواصة بدون غواص" تستطيع أن تحمل صواريخ، كما يقول صديقه كريم عبد السلام، الذي يرى أن أبحاثه كانت من أهم الأسباب التي عجلت باغتياله. "أحد المحللين العسكريين بالجيش الإسرائيلي قال إن اغتيال الشهيد الزواري لم يكن على ما فعل، بل على ما يمكن أن يبحث".

شقيقه رضوان الزواري يروي كيف كان الأخير يعيش حياته بشكل بسيط وبدون تكلف وحجم المحبة التي يحظى بها من جيرانه وكل المحيطين به وإجماعهم على رفعة أخلاقه , مضيفاً: "محمد كان كتوماً جداً لكنه رغم ذلك كان محباً للبحث العلمي وكان حريصاً في آخر أيام حياته على المضي في شهادة الدكتوراه بالمدرسة القومية للمهندسين بصفاقس، لإنتاج نموذج غواصة على شكل روبوت بحري يسير عن بعد".

وشدد رضوان الزواري أن شقيقه كان يرفض الخوض في المسائل السياسية، "لكنه في المقابل لم يخف طموحاته في مجال تطوير الأبحاث العلمية الخاصة بالطائرات بدون طيار".


عضو في نادي طيران الجنوب


محمد المسدي وهو طيار متقاعد وأحد أصدقاء الزواري ومؤسس "نادي طيران الجنوب" بمحافظة صفاقس أشار بدوره لاهتمام الزواري بالبحث العلمي وبهوس نقل تلك الملكة للشباب التلمذي والطالبي في جهته.

نشط الزواري في صلب النادي منذ تأسيسه في 2012 مع ثلة من الشباب المحب لمجال الطيران، وكان حريصاً على تكوين الشباب في مجال صناعات نماذج الطائرات بدون طيار وتطوير هذه الموهبة فيهم. ونذر آخر أيام حياته وبعد عودته لتونس للتنقل بين المدارس في جهته لنشر تلك المعرفة، وحث الأجيال الصاعدة على البحث العلمي في مجال الطيران.

المسدي شدد في المقابل على أن صديقه لم يكن يتحدث كثيراً عن السياسة في بلاده مضيفاً: "لا أذكر قط نقاشاً مع محمد في مجال الشأن العام أو الحياة الاقتصادية والسياسية في تونس فقد كان متكتماً جداً حتى في ما يتعلق بالتزامه الديني حيث أني مثلاً لا أتذكر أني رأيته يصلي، وقد فوجئت وصدمت كغيري بنبأ اغتياله ولم أعلم بعلاقته بحركة حماس إلا بعد نعي الحركة له".
وكان آخر لقاء جمع المسدي بزميله الزواري يوم السبت قبل الماضي في إطار محاضرات قدمها الاثنان بالمعهد الوطني للمهندسين بصفاقس وكانت مداخلة الفقيد تتمحور حول "أهمية الطيران النموذجي وكيفية ترغيب الشباب التونسي للنشاط ضمن هذا المجال". وفق قوله.

يشار إلى أن وزارة الداخلية في تونس نظمت مساء أمس الاثنين ندوة صحفية سلطت خلالها الضوء على آخر ما وصلت إليه التحقيقات في عملية الاغتيال وكان وزير الداخلية التونسي الهادي مجدوب قد أفصح خلال الندوة أن لدى وزارته "تخمينات عن إمكانية تورّط جهاز أجنبي في عملية اغتيال الزواري". كما أشار إلى تورط أجنبيين – بلجيكي وسويسري - من أصول عربية بشكل مباشر في عملية الاغتيال.

أما فيما يتعلق بالجدل الذي خلفه دخول الصحفي الإسرائيلي "مؤاف فاردي" لقناة العاشرة الإسرائيلية للأراضي التونسية وتجوله في محيط بيت محمد الزواري بعد ساعات من اغتياله، فقد أوضح المجدوب أنه دخل الأسبوع الماضي بجواز سفر ألماني قادماً من روما، وقدم نفسه لسلطات المطار ككاتب وليس كصحفي، كما أنه عمد لإيهام من تعامل معهم بأنه مراسل لإحدى القنوات الألمانية.

محمد المسدي أكد لـ "هافينغتون بوست عربي" أن الزواري أسر لأصدقاء قريبين جداً بهواجس أمنية وقلق غامض في الفترة الأخيرة، لم يفصح عن مصدره. رحل الزواري، ولا يعرف أحبابه ولا المقربون منه على وجه اليقين مصدر هواجسه الدامية بدقة، وإن كل الإشارات تأتي من جهة واحدة، "أجنبية" كما وصفتها البيانات الرسمية حتى الآن.