هل ستخبر أهلك في روسيا بأنك قتلتنا مرتين؟! شهادة متطوِّعة جاءت من أميركا لحلب تروي تفاصيل رحلة الإجلاء المرعبة

تم النشر: تم التحديث:
KHLALANNZWH
سوشال ميديا

الخوف والرعب لا الفرحة بالنجاة كانا مسيطرين على آخر المغادرين لمدينة حلب فحتى اللحظات الأخيرة أصر الموت ألا يغادرهم وهم يغادرون، الناشطة زين الشامي كانت ضمن هذه القافلة.

زين التي كانت جاءت لحلب من الولايات المتحدة منذ عدة أشهر تروي لهافينغتون بوست عربي لماذا عادت للمدينة المنكوبة قبل حصارها الأخير ولماذا أرجأت خروجها لتصبح ضمن آخر قافلة تخرج من حلب.

ويأتي هذا الإجلاء بعد اتفاق المعارضة السورية مع كل من روسيا وإيران على اخراج جميع المدنيين والمقاتلين المحاصرين بحلب الشرقية ويقدر عددهم بأكثر من 60 ألف نسمة، مقابل إخراج 4000 آلاف مدني من بلدتي الفوعة وكفريا المحاصرتين بريف إدلب والتي قطنهما غالبية شيعية مؤيدة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.


الخوف من الإعدامات


zyn

في الوقت الذي شارفت قوات روسية على عملية الإجلاء كان ما خطر ببال زين غريباً حقاً، تقول "كم كنت أملك من أسئلة في وقتها، رغبت في أن أسأل المقاتل الروسي عن أحبته الذين تركهم في بلاده، إن كان يشتاق إلى أطفاله وزوجته، وما إذا كان سيخبرهم بأنه قتلنا مرتين، مرة عندما قصفنا لشهور ومرة عندما أرغمنا مشردين على مغادرة بيوتنا ومدينتنا، لكن غصة قاسية أخرستني ومنعتني".

وكان سلاح الجو الروسي بدأ بتوجيه ضربات جوية في الأراضي السورية بتاريخ 30 سبتمبر 2015، بعد أن طلب الرئيس السوري بشار الاسد دعمًا عسكريًا من موسكو ووافق مجلس الاتحاد الروسي على تفويض الرئيس فلاديمير بوتين استخدام القوات المسلحة الروسية خارج البلاد.

الخوف والرعب سيطرا على تفكير الشابة الحلبية منذ بدأ الحديث عن "تهجيرهم القسري" يطرح للعلن وحتى لحظة وصولها إلى ريف حلب الغربي.

توضح سبب هذا الرعب الذي ينتابها بشكل خاص "كنت خائفة من الاعتقال على حواجز النظام وميليشياته، وقلقة من أن يميزوا وجهي بعد أن قمت ببث عدد من الفيديوهات تنقل معاناة المحاصرين داخل أحياء المدينة".

لكن أكثر ما كان يثير رعبها الأنباء عن الإعدامات الميدانية التي قام بها عناصر حزب الله والميليشيات العراقية بعد سيطرتها على الأحياء المجاورة.

تقول زين "كل هذه الأشياء حولت رحلتي إلى تجربة مرعبة".


أطفال يتعذبون


"لا أستطيع وصف ما رأيت خلال تجهيز القافلة، ثلاثة أطفال أكبرهم في الثالثة كانوا ينقلون إلى سيارة الإسعاف التي بجوارنا نتيجة إصابتهم بكسور مركبة بعد أن أخرجهم متطوعو الدفاع المدني من تحت أنقاض منازلهم" تقول زين

أصغر هؤلاء الأطفال لم يتجاوز شهره الأول، كانت عظام قدمه مثبتة بأسياخ حديدية تفوقه وزناً وأمه تبكي كلما حاولت حمله من شدة ما يعاني من الألم، حسب الشامي.

تضيف "السيارة التي أمامنا امتلأت بمصابين غطّت الحروق أجسادهم بشكل كامل بعد تعرضهم لقصف بالقنابل الحارقة، كانت الضمادات تلفهم من رؤوسهم حتى أخامص أقدامهم كما المومياءات".

حتى الساحة المخصصة لسيارات الإسعاف امتلأت في تلك الليلة بمرضى حملوا أكياس الدم والأمصال الموصولة بأوردتهم وخرجوا على أقدامهم غير مصدقين بأنهم سينجون من هذا الحصار أخيراً.


الاقتراب من القاتل


"اقتربت جداً من قاتلي في تمام الساعة الثالثة صباحاً" هكذا تصف زين الشامي تحرك القافلة واقترابها من مناطق سيطرة النظام وحلفائه الذين كانوا يقصفون ويحاصرون المدينة.

انطلقت القافلة التي كانت تضم إضافةً إلى سيارات الإسعاف الست عدداً من السيارات الخاصة وعشرة باصات محمّلة بالمدنيين.

تصيف "حرفياً وبعد انطلاقنا بقليل كاد قلبي أن يتوقف من شدة الرعب، تحديداً عندما أوقف أحد الحواجز قافلتنا، فتحوا باب سيارة الإسعاف التي كنا نستقلها فجأة، كانوا ضباطاً روساً وكانت تلك هي المرة الأولى التي أقترب فيها من قاتلي إلى هذه المسافة، أرى وجهه بوضوح وأستطيع النظر مباشرة إلى عينيه".

تقول "اكتفوا بإحصاء عددنا وتسجيلنا ثم سمحوا لنا بالمرور، وبعد توقفات عديدة استمرت لأربع ساعات تقريباً، نجحنا بالوصول إلى نقطة التبديل وكنا آخر قافلة تخرج من حلب بعد تعثر المفاوضات".

زين اختصرت كلّ ما تملكه من مدينتها بعلم الثورة الذي وضبته في حقيبة يدها الصغيرة.

تقول بأسى "حاولت كثيراً أن أتجنب السير في شوارع مدينتي، حسرتي على فراقها فاقت رغبتي بتوديع الأماكن التي طالما حفظتها وحَفَظتني".

تضيف "في الليلة التي سبقت تهجيرنا تجولت أنا وأخي بصحبة أصدقائنا في الأحياء القليلة التي مازالت تحت سيطرة قوات المعارضة، استمعنا إلى أغاني الثورة التي نحب وبكينا جميعاً، لم نستطع أن نصدق ما جرى، كيف خسرنا حلب التي كانت المعارضة تسيطر على أغلب أحيائها، وكيف أننا سنرحل عنها غداً دون أن نملك حتى الأمل في العودة".


لماذا عادت من أميركا؟


زين كانت قد عادت من الولايات المتحدة الأميركية إلى حلب مع بداية شهر يونيو/حزيران 2016 أي قبل أيام قليلة من فرض الحصار.

تفسر زين باكية قرار العودة لحلب التي يهرب منها الناس "بعد مشاركتي بأحد المؤتمرات التي تخص المرأة هناك، فضّلت فكرة العودة على اللجوء واخترت البقاء في مدينتي بين أهلي وأصدقاء ثورتي، لكن قوات الأسد حرقوا منزلي وكل ما أملك عندما سيطروا على حي الشعار الذي كنت أسكن فيه، وها هم الآن نجحوا في إجبارنا على ترك مدينتنا".

وتصيف بحسرة "لا أستطيع استيعاب ما جرى، شعور بالاختناق يصاحبني منذ لحظة الخروج خاصة مع تأكدي من صعوبة العودة، فبالتأكيد لا عودة لنا طالما بقي بشار الأسد وميليشياته يسيطرون على المدينة".

ولكن ما يؤرق زين أن هؤلاء المهجرين يعيشون حصاراً آخر في ريف حلب الغربي وإدلب يبحثون عن وطن جديد لهم يشبه لحدّ ما تركوه خلفهم على حدّ قولها.