كيف تبدأ حربًا عالمية؟ اغتيال السفير الروسي يذكرنا بتاريخ مرعب!

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يبدو عام 2016 غريباً للغاية، دماء في كل مكان، وصعود مفزع للقومية الشعبوية، آلاف اللاجئين يموتون في البحار، ومضطربون نفسياً يُنتخبون لرئاسة دولهم، أبرياء يُقتلون في دور العبادة، وسُفراء يتم اغتيالهم من قبل مهاجمين شديدي الأناقة. لكن رغم كل هذا، يظهر أن أخطر ما في هذا العام هو الشعور الذي يجتاح الجميع بأننا على وشك السقوط في مستنقع حرب عالمية جديدة، فإلى أي مدى يمكن الثقة في ذلك الشعور؟


ما الذي أشعل الحرب الأولى؟


على الرغم من أن اندلاع الحرب العالمية الأولى كان في الثامن والعشرين من يوليو عام 1914، بعد شهر واحد من اغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فيرديناند وزوجته أثناء زيارتهما لسراييفو على يد قومي صربي، إلا أن المؤرخين يرجعون أسباب الحرب لأقدم من ذلك بكثير.

عاش عالم ما قبل 1914، اضطرابات عديدة. فمنذ سبعينيات القرن التاسع عشر، اختل ميزان القوى في أوروبا بتوحيد الإمبراطورية الألمانية عام 1871، وبسبب الخشية من ألمانيا، فقد قررت فرنسا وروسيا تشكيل حلف في 1894، وهو ما دفع ألمانيا للتقارب مع جارتها الإمبراطورية النمساوية المجرية. وخوفًا من رغبة ألمانيا الشديدة في التحول لقوة عظمى عالميّا، اندفعت المملكة المتحدة لبريطانيا وأيرلندا للتحالف مع غريميها التقليديين، روسيا وفرنسا.

لم تكن تلك الشبكة المعقدة من التحالفات هي السمة الوحيدة لذلك العصر، ففي ذات الوقت، أدى التوسع الاستعماري للدول الأوروبية إلى تصاعد النزعة القومية لدى العديد من الأقليات، وكذلك إلى تزايد التوترات الحدودية، كذلك ساهم ضعف الدولة العثمانية في إحداث فراغ ضخم لم تكن أي من القوى الدولية قادرة على ملئه. أيضًا، وبسبب التوترات الدولية، تعمقت حالة العسكرة، وتسارع سباق التسلح، بين القوى الكبرى، وهو ما عزز من تلك التوترات والأزمات الدبلوماسية كذلك.

وفي الأعوام التي سبقت الحرب الأولى، وتحديداً منذ عام 1908، اندلعت حروب صغرى في بلاد البلقان، كان السبب الرئيس فيها هو ضمّ الإمبراطورية النمساوية المجرية لأراضي البوسنة والهرسك، وهو ما قاد لحرب البلقان الأولى عامي 1912، و 1913، التي جاءت معاهدة لندن لتنهيها بمزيد من التآكل للدولة العثمانية التي كانت قد وصلت لقمة ضعفها.

ومع حادثة اغتيال فرديناند وزوجته صوفيا، كانت الساحة مهيأة تمامًا لحرب عظمى. فقد تمّ عرض المتّهمين في عملية الاغتيال التي استهدفت الوريث النمساوي وزوجته، على المحكمة. وخلال عملية الاستجواب، اعترفا بانتمائهما لحركة "القومية السلافية"، وهي الحركة التي كانت روسيا تدعمها والتي كانت تهدف بالأساس إلى توحيد الشعوب السلافية.

وفي 23 تموز/يوليو سنة 1914، قدمت النمسا مهلة مدتها 48 ساعة لبلغراد، لتسمح لها بتعيين محققين نمساويين بغية التحقيق في خلفية المتهمين في عملية الاغتيال واكتشاف الأطراف المتورطة التي تقف خلفهم.

من جهتها، استجابت صربيا لمطلب النمسا وللعديد من المطالب الأخرى التي جاءت تباعاً، إلا أن موقفها لم يشف غليل الحكومة في فيينا.
وفي أعقاب ذلك، أيّد الإمبراطور فرانز جوزيف الأول قرار شن هجوم عسكري ضد صربيا، وبالتالي أصبح من المستحيل وقف سلسلة ردود الفعل الدبلوماسية والعسكرية التي تغلغلت داخل أركان أوروبا.

وفي 28 يوليو/تموز 1914، أعلنت إمبراطورية النمسا والمجر رسمياً الحرب على صربيا. وفي اليوم التالي قامت روسيا بحشد جيشها رداً على إعلان الحرب.
وفي 31 تموز/يوليو من نفس السنة، وجهت الإمبراطورية الألمانية تحذيراً شديد اللهجة لفرنسا، تعلمها فيه أنه في حال نشوب حرب بين ألمانيا وروسيا، يجب عليها أن تلتزم الحياد.

وفي السياق نفسه، وجهت ألمانيا تحذيراً لروسيا مفاده أن لديها مهلة معينة لإلغاء الأمر بالتعبئة العسكرية حتى لا تكون مضطرة إلى إعلان الحرب عليها.
من جهة أخرى، امتنعت روسيا عن الرد عن المهلة التي قدمت لها لسحب قواتها وتجاهلت إنذار ألمانيا مما دفع الجيش الألماني إلى اعتبار أن موقف روسيا هو بمثابة الإعلان عن اندلاع الحرب بين الطرفين. وبالفعل، في 1 أغسطس/آب 1914، وقّع القيصر الألماني، فيلهلم الثاني، على وثيقة إعلان الحرب ضد روسيا.
بدا حينها للعيان وكأن حكام أوروبا قد اتفقوا سراً على تحويل القارة إلى ساحة حرب ذات أبعاد سياسية وعسكرية واجتماعية فاقت كل التوقعات.


لماذا لم تنتظر الحرب الثانية طويلًا؟


مهدت الحرب العالمية الأولى للحرب الثانية، هذا ما قد يتفق عليه المؤرخون. فعدم الاستقرار الذي تركت عليه الحرب أوروبا كان هو الوسادة التي اتكأت عليها الحرب الثانية. انتهت الحرب العالمية الأولى نهاية مهينة للألمان، إذ انهارت الإمبراطورية الألمانية، ولم يكن اقتصاد البلاد أفضل حالًا إذ كان الألمان يحاولون تجاوز الشروط المذلة التي فُرضت عليهم بمعاهدة فرساي، كل ذلك كان وقودًا لصعود الحزب القومي الاشتراكي (النازي) الألماني، وزعيمه أدولف هتلر.

مع وصوله إلى منصب المستشار، أسرع هتلر بتعزيز سلطته، ومهووسًا بنقاء العرق الألماني (الجنس الآري كما كان يسميه)، آمن هتلر بوجوب إيجاد مساحة لهذا العرق لكي يتمدد. وفي منتصف الثلاثينيات، بدأ هتلر بإعادة تسليح ألمانيا سرًا في خرق لمعاهدة فرساي.
من ناحية أخرى، ومع نهاية العشرينيات، عانى العالم من أزمة اقتصادية طاحنة عُرفت باسم الكساد الكبير، تركت ملايين البشر في حالة مزرية من البطالة والفقر.
بينيتو موسوليني هو الآخر جاء إلى حكم إيطاليا في أوائل العشرينيات، ليجعل من دولته دولة بوليسية قمعية بحلول منتصف الثلاثينيات، وليوقع معاهدة مع هتلر لإعادة تسليحه ولبناء أوروبا جديدة.

وفي 1936 شهدت إسبانيا اندلاع الحرب الأهلية، ويمكن القول إن هذه الحرب كانت "بروفة" للحرب العالمية الثانية. دعمت ألمانيا وإيطاليا الثوار القوميين بقيادة (الديكتاتور لاحقًا) فرانسيسكو فرانكو، وسافر أكثر من 40 ألف أجنبي قومي إلى إسبانيا للحرب فيما اعتبروه معركة العالم ضد الفاشية.
من ناحية أخرى، كانت جميع الدول الكبرى في تلك المرحلة تختبر صبر وقدرة الكيان الدولي الذي أُنشئ بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، عُصبة الأمم، وهي التي أثبتت فشلها في حل أي من الأزمات بشكل حقيقي.

قبل أعوام قليلة من الحرب التي اندلعت في 1939، كانت ألمانيا تضم النمسا وتغزو تشيكوسلوفاكيا وتصالح السوفييت، وهو الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تحاول الابتعاد عن الحرب بإمرار قوانين وقرارات عدم التدخل في محاولة لتجنب الأذى الدوليّ بعد سنوات الكساد العجاف.


الحرب الثالثة: لنحل الأمور العالقة


هل تضرب المشاهد السابقة جرساً في رأسك؟ في الحقيقة أنه إذا كان التاريخ يعيد نفسه، فإننا قد نكون في خضم حرب عالمية جديدة!
صعود القومية والحديث عن نقاء العرق الأبيض صار أمراً معتاداً، بل إن الداعم الإعلامي الرئيسي للرئيس الأميركي المنتخب حديثًا دونالد ترامب هو موقع إلكتروني عنصري. هذا الصعود يمكن ملاحظته بجلاء في نتائج الانتخابات الأوروبية المختلفة وفي استطلاعات الرأي التي تؤشر لمرحلة جديدة من الحُكام غير العقلانيين، وأيضًا في مواقف النسبة الأكبر من الأوروبيين تجاه قضايا مشتركة عديدة بل والرافضة في بعضها لاستمرار الوحدة الأوروبية.

الأمم المتحدة لا تبدو أكثر فشلاً مما هي عليه الآن، لا يستطيع العالم تمرير قرارات تحمي المدنيين، والأعضاء الدائمون في مجلس الأمن يؤكدون طوال الوقت على هيمنتهم على مقدرات الجميع، والإحساس بالظلم يتزايد لدى الصاعدين الجدد في أنقرة وبرازيليا وجاكارتا.

أما اضطراب الدول الكبرى وتغير موازين القوى فلا يمكن أن يكون أوضح من ذلك. فمنذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، تحاول روسيا العودة من جديد، الولايات المتحدة من جانبها انسحبت طوعاً أو كرهاً تاركة فراغاً تحاول الآن موسكو ملئه بالتعاون مع طهران. أما واشنطن التي تحاول الاتجاه نحو الشرق، فقد تضاعفت مبيعات الأسلحة خلال العام الأخير عن الأعوام التي سبقته، وتكدس الدول الإقليمية الكبرى أسلحتها في محاولة غير مفهومة لإخافة عدوّ يدرّب عشرات الآلاف من جنوده على جبهات القتال في العراق وسوريا واليمن.

الحرب السورية تتشابه بشدة مع الحرب الإسبانية، مقاتلون أجانب وأطراف دولية تدعم أطرافًا في الداخل.
الأوضاع الاقتصادية شديدة الاضطراب. السعودية انتهى شهر عسلها بموجة من التقشف، ومصر، أكثر الدول العربية سكانًا تشهد أزمة طاحنة وسط خلاف مع جيرانها، والمعتدلون في كل العالم تخفت أصواتهم شيئاً فشيئًا.

يختلف مؤرخو الحرب العالمية الثانية في الحدث الذي أشعلها وفي بدايتها، إذ يرجعه بعضهم إلى أوائل الثلاثينيات، وكذلك يروي المؤرخون أن أحدًا لم يتوقع أن يؤدي اغتيال ولي عهد النمسا إلى أزمة كبيرة عام 1914، لكنهم لا يختلفون في أن الحرب الأولى والثورات التي تلتها هي التي أدت إلى انهيار إمبراطوريات روسيا وألمانيا والنمسا، ولا يختلفون في أن نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية كان أبعد ما يكون عما قبلها. فما الذي سيرويه مؤرخو حقبتنا؟