بعكس المتوقع.. كيف يقرب اغتيال السفير الروسي بين أنقرة وموسكو

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

لقاء مشترك لوزيري خارجية البلدين.. فريق تحقيقات روسي يصل أنقرة بعد سويعات من الحادثة.. اتصالات بين الرئيسين التركي والروسي تنتهي بتصريحات شبه متطابقة..

كلها مؤشرات أخلفت بوضوح الظنون، حول تداعيات اغتيال السفير الروسي بأنقرة أندريه كارلوف أمس الإثنين 19 ديسمبر/كانون الأول 2016، على يد شاب تركي، انتقاماً من روسيا لدورها الداعم للنظام السوري، وما أسفر عن ذلك من معاناة للمدنيين خاصة في مدينة حلب، (بحسب هتافات القاتل خلال عملية الاغتيال).

ففيما أثار اغتيال السفير مقارنات مخيفة بينه وبين اغتيال الأرشيدوق فرانتس فرديناند عام 1914، الذي أشعل شرارة الحرب العالمية الأولى، تحرَّك الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين بسرعة لاحتواء أي ضرر قد يصيب العلاقات بين البلدين.

وعقب الحادث اتصل أردوغان ببوتين لمناقشة مقتل سفير بلاده، وصرَّح بعدها بأنهما قد اتفقا على أن "تعاونهما وتضامنهما في محاربة الإرهاب يجب أن يزداد قوةً".

ويقول محللون إنَّ أردوغان وبوتين من المُرجح أن يجدا أرضاً مشتركة تتمثل في رغبتهما في إلقاء اللوم على خصومهما الاستراتيجيين المعروفين، وفق تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية الإثنين 19 ديسمبر/كانون الأول 2016.


كلمة السر.. سوريا


أعلن كلٌّ من الكريملين وأنقرة عن لقاء سيجمع بين وزراء الخارجية والدفاع من روسيا وتركيا وإيران، لمناقشة أنَّ الخطوات التي سيتخذها الحلفاء الثلاثة في سوريا سوف تتم كما خططوا لها في موسكو الأسبوع الماضي.

وصرَّح مصطفى أكيول، وهو معلق تركي، بأنَّ أردوغان وبوتين كليهما سوف يشيران بأصابع الاتهام نحو أعدائهما المعروفين، وأضاف: "يؤمن كلا الطرفين بوجود مؤامرة غربية للإيقاع بينهما".

السبب على ما يبدو هو سوريا، حيث يقول آرون شتاين، الخبير التركي بالمجلس الأطلسي، صراحة "تركيا تحتاج إلى روسيا لتعظيم مغانمها من الحرب. وتحتاج روسيا إلى تركيا لتحقيق الانتصار في سوريا. فكل طرف لديه دافع للتعامل مع الأمر بحكمة وجدية"، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أمس الإثنين 19 ديسمبر/كانون الأول 2016.

ويضيف شتاين "روسيا وتركيا تحرصان كل الحرص على إدارة هذه الأزمة. الإجلاء القسري لسكان حلب يساعد روسيا في مساعيها الحربية، بينما نالت تركيا موافقة روسيا على مساعيها في بلدة الباب، التي تهدف إلى الحد من التوسع الكردي".

ويوضح ذلك أن كلتا الدولتين تركزان على حماية أجندتها في سوريا، حتى إن قادتهما الوطنيين يفضلون استعادة هدوء العلاقات.

كانت الدولتان، ولا تزالان إلى حد ما، تتخذان موقفاً متناقضاً من الحرب السورية. فتركيا تعارض رئيس النظام السوري بشار الأسد وتدعم جماعات المعارضة، بينما تؤيد روسيا الأسد وقد شاركت في النزاع عسكرياً لصالحه بدءاً من خريف 2015.

وبعد تدخل روسيا بوقت قصير، شرعت طائراتها في قصف المناطق التي تسيطر عليها المعارضة التي تحظى بالدعم التركي والتحليق على امتداد الحدود التركية السورية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2015، أسقطت تركيا طائرة عسكرية روسية، بدعوى أنها عبرت مجالها الجوي، مما أدى إلى حدوث أزمة كبرى وظهور تخوفات من نشوب حرب بين الدولتين.

وكان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى تدخل الولايات المتحدة أيضاً، التي تلتزم باتفاقية دفاع مشترك مع تركيا، أحد حلفائها بحلف الناتو، وترغب في تجنب التصعيد في سوريا، لولا أن تقاربت مصالح البلدين مرة أخرى، خاصة خلال العام المنصرم.


من العداء إلى الشراكة


كيف تطورت العلاقات الروسية التركية بهذا الشكل الدراماتيكي؟.. يبدو أن الدولتين قد استقرتا على اتفاق غير رسمي، يتمثل في قيام تركيا بوقف دعمها لجماعات معارضة محددة تهدد المصالح الروسية في سوريا، بينما تمتنع روسيا عن دعم الجماعات الكردستانية السورية التي تخشى أنقرة من اتساع نفوذها على الحدود التركية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعزيز الانفصال الكردستاني في تركيا.

في المقابل لم تسعَ روسيا لعرقلة قيام القوات التركية بالسيطرة على المنطقة الحدودية السورية التي كانت تخضع للأكراد وتنظيم "داعش".

وأطلق شتاين من المجلس الأطلسي على ذلك الإجراء اسم "حلب مقابل الباب"، حيث تحصل روسيا والأسد على حلب، بينما تحصل الجماعات المتحالفة مع تركيا على مدينة الباب ذات الموقع الاستراتيجي.

ونظراً لأن المدينتين متجاورتان تقريباً، تستفيد كل من الحملتين التركية والروسية من بعضهما البعض. وفي ذات الوقت، ومع وجود قواتهما على بعد أميال، فإن الشقاق حول اغتيال كارلوف قد يصعب احتمالُه أيضاً.


مَنْ خلف القاتل؟


من النقاط التي تقارب فيها أيضاً موقف أنقرة وموسكو، هو إلقاء اللوم في عملية الاغتيال على الخصوم الاستراتيجيين لكليهما.

حيث أشار بن علي يلدريم رئيس وزراء تركيا، إلى وجود "قوى ظلامية" مسؤولة عن الاغتيال. بينما وصف بوتين اغتيال كارلوف بأنه "استفزاز" يهدف لإفساد الروابط التركية الروسية، مستخدماً مصطلح "مؤامرة أعداء روسيا الخارجيين" الشائع.

وسارع المعلقون المؤيدون للحكومة في كلا البلدين باقتراح حتمية وجود أيادٍ غربية خفية وراء الاغتيال، مُصدقين بذلك على نظرية بوتين وأردوغان بوجود مؤامرة.

فرانتس كلينتسيفيتش، عضو مجلس الشيوخ الروسي، قال إنَّ من المُرجح أنَّ هناك ممثلين أجانب من الخدمة السرية للناتو وراء مقتل كارلوف. بينما ألقى أليكسي بوشكوف، وهو عضو آخر من أعضاء مجلس الشيوخ، اللوم على "الهستيريا السياسية والإعلامية" التي حاكها أعداء روسيا، وكتب تغريدةً يقول فيها إنَّ "السؤال الأساسي هو: مَن وراء الاغتيال؟ وهو ما يعني حرباً غير معلنة على روسيا".

من جهتهم بدأ سياسيون ووسائل إعلام تركية القول إنَّ القاتل كان مؤيداً لفتح الله غولن، رجل الدين الذي يحيا منفياً في الولايات المتحدة، والمتهم بالمسؤولية عن محاولة الانقلاب في شهر يوليو/تموز 2016. وتُعَدّ مطالبة تركيا بتسليم غولن أحد أسباب الخلاف الرئيسة مع الولايات المتحدة.

وقال سينان أولغن، وهو دبلوماسي تركي سابق يعمل الآن في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إنَّ حادث الاغتيال في أنقرة لن يُسبب أزمة علاقات كالتي سببها إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية على الحدود السورية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2015.

وأضاف: "هذه المرّة، لا يرغب أي من الطرفين في التصعيد، بل على النقيض، اتجهت التصريحات الرسمية الأولى إلى اعتبار هذا الهجوم محاولةً لهدم التقارب الحالي بين أنقرة وموسكو. ومع ذلك، ستنتظر روسيا تحقيقاً شاملاً حول طبيعة الهجوم من أجل الوصول لهوية الجناة. ولا نعرف بعد ما إذا كان الاغتيال حادثاً فردياً أم أن وراءه خلية جهادية منظمة تسللت داخل قوات الأمن التركية".

ووافق ماكسيم سوتشكوف، الخبير بشؤون الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية الدولية الروسية، على عدم وجود رغبة لا في موسكو ولا في أنقرة لتصعيد الأزمة، قائلاً: "كوَّنت روسيا وتركيا مؤخراً اتصالات متينة على المستويين السياسي والعسكري. هناك محاولات لتشبيه ما حدث ببداية الحرب العالمية الأولى، لكن لو نجح أردوغان في إدارة الأزمة بكفاءة وفي وقت مناسب مع بوتين، فقد لا تكون هناك آثار حقيقية على العلاقات الثنائية... الكثير من الأشياء تقع على المحك لكُلٍّ من أنقرة وموسكو".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية بتصرف. للاطلاع على المواد الأصلية اضغط هنا.