أكثر الاجتماعات سرية في الولايات المتحدة.. لماذا لا يهتم بها ترامب؟

تم النشر: تم التحديث:
4
4

على مدار 8 سنوات، كانت الاجتماعات اليومية الأكثر خصوصيةً، ويمكن القول الأكثر أهمية في واشنطن. كل صباح، يجمع الرئيس أوباما دائرته المقرَّبة من أجل اجتماع الموجز المعلوماتي الرئاسي اليومي، وهو ملخص لأكثر المعلومات الاستخباراتية أهميةً من جميع أنحاء العالم.

وكانت القواعد في عهد أوباما صارمة لا تتزعزع: لا يُسمَح بأي ممثِّلين عن ذوي الحضور الدائم في حال تغيُّب أيٍ منهم للمرض أو السفر. ولا أحد يُسمَح له بالبقاء في المكتب البيضاوي لمتابعة تطورات الأوضاع بعد ذهاب الآخرين.

وهذا الاجتماع، على عكس كل الاجتماعات الأخرى التي تجري في واشنطن تقريباً، بما في ذلك اجتماعات المسؤولين الرسميين، لا يُسرَّب منه شيءٌ، بحسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.


مخاوف


والآن، يبدو أنَّ مكانة اجتماع الموجز الرئاسي كأكثر اجتماعات واشنطن أهمية قد شارفت على نهايتها. وقال الرئيس المُنتَخب دونالد ترامب، الذي يعقد هذه الاجتماعات مراتٍ قليلةٍ فقط أسبوعياً: "أعقد هذه الاجتماعات عندما أحتاج إليها". ويضيف: "أنا شخصٌ ذكي. لا أحتاج إلى تذكيري بنفس الشيء ونفس الكلمات كل يوم على مدار السنوات الثماني المقبلة".

وأطلقت هذه التعليقات مخاوف من أنَّ ترامب قد تفوته معلوماتٍ استخباراتية حسَّاسة وأثار تساؤلات أكبر حول حرص واهتمام الرئيس المُنتَخب بالسياسة الخارجية. وعبَّر بعض الديمقراطيين عن مخاوفهم من قرار ترامب بعدم حضور اجتماعات الموجز الرئاسي كل صباح مع طاقمه. وقال ديريك شوليت، المسؤول السابق البارز في إدارة أوباما: "أعتقد أنَّ هذا الأمر غير مسؤولٍ تماماً في عالم ما بعد 11 سبتمبر". وأضاف: "إنَّه نوعٌ من إساءة التصرُّف".

وقلل بعض الجمهوريين من شأن هذه المخاوف، مشيرين إلى أنَّ الجنرال المتقاعد مايكل فلين، الذي اختاره ترامب لمنصب مستشار الأمن القومي، يمكنه أن يلخِّص المعلومات الاستخباراتية له. وقال ستيفن هادلي، الذي تولّى نفس المنصب (مستشار الأمن القومي) في إدارة جورج بوش الابن: "هذه طريقةٌ مشروعةٌ للقيام بالأمر". وأضاف: "الأمر حقاً يتوقَّف على الطريقة التي يرغب الرئيس في الحصول على المعلومات من خلالها".

هذا أمرٌ واضح، ومع ذلك: قرار ترامب بتفويت اجتماعات الموجز الصباحي مع كبار أعضاء إدارته يمكن أن يغيِّر الطريقة التي تُتَّخذ بها قرارات السياسة الخارجية الكبرى في واشنطن ويغيِّر ميزان القوى في مدينة يملؤها هوس الوصول إلى مراكز صنع القرار والنفوذ والسلطة.

ولم يقم كل الرؤساء باستدعاء أكثر أعضاء إداراتهم الذين يثقون فيهم إلى المكتب البيضاوي من أجل اجتماع الموجز المعلوماتي اليومي. فالرئيس جون كينيدي كان يتلقّى قوائم تدقيق استخباراتية رئاسية يومية، تُعرَف باسم "PICL"، وكان يطويها في سترته ويتشاور بشأنها مع معاونيه على مدار اليوم. وبعض الرؤساء الآخرين أمثال الرئيس جيمي كارتر، وجيرالد فورد، ورونالد ريغان اعتمدوا على مستشاري أمنهم القومي للاطّلاع على الموجز بدلاً منهم ثم يخبرونهم بفحواها. وكان الرئيس بيل كلينتون يحب وضع الأسئلة والتعليقات في موجزه وعرضها على وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي.

ربما أشهر موجز معلوماتي شهده البيت الأبيض كان في السادس من أغسطس/آب 2001 وفيه حُذِّر من أنَّ "بن لادن عقد العزم على مهاجمة الولايات المتحدة". هذا الموجز كان أُعِدَّ ردَّاً على تساؤلات نقلها بوش إلى مسؤول الموجز المعلوماتي في وكالة الاستخبارات المركزية عمَّا إذا كانت أية تقارير استخباراتية قد أشارت إلى هجومٍ محتملٍ للقاعدة داخل الولايات المتحدة.


دور الموجز المعلوماتي


ولعب الموجز المعلوماتي دوراً أكبر في ظل حكم أوباما الذي ركَّز عملية صنع السياسة الخارجية في البيت الأبيض وكان يمقت التسريبات. وعادةً، يقرأ أوباما نسخته من الموجز على جهاز الآي باد الخاص به قبل أن يجتمع بطاقمه. ويستمر الاجتماع فعلياً نحو 10 دقائق فقط كل صباحٍ، تتبعه نقاشات أطول بين الرئيس وأفراد طاقمه الحاضرين.

ويتسلَّم بضع عشراتٍ من مسؤولي الإدارة البارزين نسخةٍ ورقيةٍ من الموجز الذي يقدِّمه أيضاً مسؤول تقديم الموجز المعلوماتي الرئاسي في وكالة الاستخبارات المركزية كل صباح. وتقول جولي سميث، مستشارة السياسة الخارجية السابقة لنائب الرئيس جو بايدن والزميلة البارزة في مركز الأمن الأميركي الجديد: "عندما تكون خارج الحكومة ولا تحصل على الموجز، تشعر وكانَّك تعيش دون أوكسجين". وتضيف: "تشعر بأنّّه يتم إبعادك عمداً".

وتجتمع مجموعة أصغر مع الرئيس كل صباحٍ لمناقشة الموجز وأولويات السياسة الخارجية الكبرى للإدارة.

وتقول سميث، التي لم تحضر اجتماعات الموجز أبداً لكنَّها حصلت في كثيرٍ من الأحيان على إيضاحات من نائب الرئيس: "بالنسبة لي شخصياً، أكثر الأفكار التي تمكَّنتُ من الحصول عليها حول أولويات الرئيس ووجهات نظره قيمةً كانت نِتاجاً لذلك الاجتماع".

ووصف مسؤولون بارزون في البيت الأبيض الموجز اليومي والمداولات التي تعقبه، التي تستمر نحو الساعة، بأنَّها "مهمةٌ ضرورية". فمعظم القضايا التي تُعرض على مكتب الرئيس محليةٌ بطبيعتها. وقال مسؤول بارز بالإدارة، الذي مثل غيره من المسؤولين تحدَّث شريطة عدم الكشف عن هُويته لمناقشة هذه الممارسات الداخلية، أمَّا الموز الصباحي فكان جزءاً مضموناً في جدول أوباما كل يوم "يركِّز فيه بشدَّةٍ على الشؤون الخارجية".

كان الاجتماع الصباحي في عهد أوباما أكثر من مجرد عرضٍ للمعلومات. وقال المسؤول ، بمرور الوقت أصبحت طريقة الرئيس في "مُسائلة أعضاء إدارته على الفور". فأوباما كان يستخدم الموجز المعلوماتي لطرح الأسئلة على مسئولي طاقمه البارزين أو الضغط عليهم لاتباع أساليب جديدة في مواجهة أكبر المشكلات.

وبالنسبة لأولئك المسؤولين الذي لا توجد مكاتبهم داخل البيت الأبيض، بما في ذلك وزير دفاع أوباما ووزير خارجيته، كان الاجتماع الصباحي مصدراً للتذمُّر. فقد انتقد وزير الدفاع السابق روبرت غيتس، عند مغادرته للحكومة، البيت الأبيض في عهد أوباما قائلاً "إنَّه الأكثر مركزيةً وسيطرةً على الأمن القومي منذ ريتشارد نيكسون" (يعني غيتس سيطرة البيت الأبيض على القرارات التي تتعلَّق بالأمن القومي).

ونشأت بعض فصول هذه الإدارة الغارقة في التفاصيل بلا شك نتيجة الموجز المعلوماتي الرئاسي اليومي.

وقد ضغط مسؤولون بارزون في البيت الأبيض على مدار ثماني سنوات من أجل الوصول إلى المكتب البيضاوي لحضور جلسات الموجز الاستخباراتي اليومية، لكنَّهم تقريباً لم ينجحوا أبداً في ذلك.

وقال مسؤول كبير سابق في البيت الأبيض لم ينجح في حضور أي اجتماع صباحي أبداً: "يَضيع الكثير من وقتنا في الكفاح للحصول على مقاعد في هذه الاجتماعات". ويضيف: "هذه هي العُملة التي نستخدمها في عملنا. ليست لدينا أسلحة. وليست لدينا قواتٌ ننشرها. فقط كلماتنا ومقاعدنا في هذه الاجتماعات. هذه هي الطريقة التي تحدد بها قدرك، وإذا لم تستطع مجاراة ذلك سينتهي أمرك".

وكان فريق السياسة الخارجية الخاص بهيلاري كلينتون، قبل هزيمتها في الانتخابات، يتحدث حول الكيفية التي قد تعيد بها إعادة تنظيم جلسات الموجز لتناسب نمط قيادتها. ومن بين التساؤلات التي نُوقِشَت من قِبَل فريقها إذا ما كان ينبغي عليها أن تضم وزراء الدفاع والخارجية إلى اجتماعاتها.


التساؤل الكبير


التساؤل الكبير الآن هو كيف سيغيِّر قرار ترامب بعدم حضور أحد أهم جلسات الموجز الاستخباراتي السرية الطريقة التي تُدار بها السياسة الخارجية في واشنطن. فغياب الاجتماعات اليومية ربما سيُحوِّل بعضاً من الصلاحيات إلى الوزراء في وزارة الخارجية والبنتاغون (وزارة الدفاع). وقال بروس ريدل، وهو زميل بارز في معهد بروكنجز ومحلل سابق في وكالة الاستخبارات المركزية إنَّ "دور الرئيس ربما لن يكون إلا في نهاية العملية بعد أن تكون البيروقراطية (الوزارات والإدارات..) قد انتهت منها بالفعل".

وبدأ المطِّلِعون في واشنطن التساؤل عن البديل الذي سيقدِّمه ترامب لهذا الاجتماع الثمين. وتساءلت سميث: "هل من الممكن أن يكون البديل زيارةً إلى مبناه في نيويورك لإجراء اجتماعٍ أو ربما سيكون عليك أن تركب معه الطائرة؟". وأضافت: "هل من الممكن أن يكون البديل هو أن يحاول الناس دخول مكتب فلين؟".

وتكهَّن آخرون بأنَّ وكالة الاستخبارات المركزية ربما تعدِّل الموجز اليومي ليتناسب مع رغبات ترامب بشكلِ أفضل. فوكالة الاستخبارات المركزية أعدَّت أفلاماً قصيرةً لتجهيز ريغان، الذي كان ممثلاً سابقاً وخبيراً في السينما، لرحلاته الأجنبية وقممه الخارجية.

وعند سؤال ترامب عن الكيفية التي حصل بها على المشورة العسكرية العام الماضي، أجاب مضيفه تشاك تود: "تابعتُ الصحافة"، وأضاف: "أشاهدُ البرامج التلفزيونية". وقال شوليت أنَّ وكالة الاستخبارات المركزية ربما قد تستفيد من حب ترامب لقنوات الأخبار لجذب انتباهه بطريقةٍ أفضل.

وأضاف: "هل من الممكن أن يجهِّزوا له موجزاً يومياً يشابه نمط قناة فوكس نيوز Fox News؟". وأردف: "ربما يكون ذلك أكثر إثارةً للانتباه بالنسبة له".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.