من داخل فيسبوك.. سوريون لحذف المحتوى غير اللائق وظروف عمل سيئة وتهديدات ألمانية لإيقاف الشائعات

تم النشر: تم التحديث:
FACEBOOK
sm

تمكنت مجلة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية من التواصل مع بعض موظفي فريق التعامل مع البلاغات عن خطاب الكراهية والمحتوى العنيف والأخبار الزائفة في برلين، من بينهم لاجئون سوريون، رغم أنه يُحظر على هؤلاء التواصل مع الصحفيين والسلطات أو الكشف عن طبيعة عملهم والقواعد التي يتبعونها.

وعبّر عدد من أعضاء الفريق المكون من 600 موظف، الموجودين وراء أبواب موصدة في مجمع مكاتب بعيد عن الأنظار ببرلين، عن تلقيهم دعماً ضعيفاً من شركة وساطة تقدم هذه الخدمة، كانت قد شغّلتهم، رغم عملهم الشاق في متابعة مناشير جزء من مستخدمي فيسبوك البالغ عددهم في ألمانيا 28 مليوناً، و1.8 مليار في العالم.

ويتوجب على هؤلاء النظر في البلاغات التي تصلهم واتخاذ قرار سريع فيما إذا كان يُسمح لهذا المحتوى بالنشر أو يجب حذفه.


غموض في القواعد


وكانت فيسبوك قد بدأت بحذف المنشورات ببرلين في خريف عام 2015 عبر وحدة "أرفاتو"، التابعة لشركة بيرتيلسمان الألمانية. ولم تكشف الشركة بعدها عن قواعدها الخاصة بحذف المنشورات أو الكشف عن مؤهلات العاملين في الوحدة، رغم تعرضها لضغوط من وزارة العدل الألمانية في هذا الشأن.

وأشارت المجلة إلى أن دافع هؤلاء العاملين للحديث معها، كان إلقاء الضوء على معاناتهم في العمل؛ إذ بيَّنوا أنهم يشعرون بأن الشركة التي يعملون لديها لا تحضّرهم بشكل كاف للقيام بمهامهم، ولا تهتم بالآثار النفسية للعمل عليهم في ظل الإرهاق والضغوطات التي يعانونها، لافتين إلى أن القواعد الناظمة، التي يجب عليهم وفقها حذف أو ترك المنشورات، غير واضحة.

وأبلغ عدد من الموظفين عن تعرضهم لأضرار نفسية جسيمة تصيبهم جراء مشاهداتهم المتكررة لمحتوى مروّع كفيديوهات وصور لجرائم قتل وتعذيب واعتداء على الأطفال، وعدم حصولهم رغم ذلك على مساعدة محترفة من إخصائيين.

وقال بعضهم معلِّقين على هذه المشاهدات: "لقد شاهدت أشياء جعلتني أشك بشكل جاد في الخير المتأصل في الإنسان، كالتعذيب وممارسة الجنس مع الحيوانات".

وأضافت موظفة أخرى: "منذ مشاهدتي فيديوهات إباحية عن الأطفال، لربما سأصبح راهبة، لم يعد بوسعي تقبّل فكرة الجنس. لم أمارس الجنس مع شريكي منذ أكثر من عام. أبدأ بالارتجاف في اللحظة التي يلمسني فيها".

وأشار إلى أنه بكل تأكيد على أشخاص القيام بهذا العمل، "لكن يجب أن يكونوا أناساً متلقين لتدريب مناسب، وأن يحصلوا على مساعدة إن احتاجوا إليها، لا أن يتم تكليفهم عملاً دون تحضير كشأننا، وقد قلت ذات يوم لقائد الفريق: (هذا غير معقول! فالصورة مليئة بالدماء والوحشية، ولا ينبغي لأحد أن يشاهد ذلك). لكنه قال: (هذا رأيك فقط، عليك محاولة التفكير على النحو الذي يريده فيسبوك، يتوجب علينا التفكير كآلات!)".

وأشارت وزيرة العمل، أندريا نالز، في تعليق لها على شكاوى الموظفين لصحيفة "بيلد أم زونتاغ" الأسبوعية، الصادرة الأحد 18 ديسمبر/كانون الأول 2016، إلى واجب العناية بهم المترتب على رب العمل، مؤكدة ضرورة أخذ الأعباء النفسية على نحو خاص بعين الاعتبار فيما يتعلق بالسلامة المهنية والصحية، وأن على رب العمل إتاحة الحصول على الرعاية الصحية لدى طبيب الشركة.


مراجعة 2000 منشور في اليوم


وعرضت المجلة بعضاً من أسرار عمل فريق مراقبة المحتوى في موقع فيسبوك ببرلين، وفقاً لما أدلى به بعض أعضائه، وهي على النحو التالي:

- يعمل أكثر من 600 موظف من مختلف البلدان لـ"أرفاتو" في برلين بتكليف من فيسبوك.

- هناك فرق داخل هذه المجموعة لعدد من اللغات منها: العربية والتركية والإيطالية والفرنسية، علماً أن العديد من الموظفين لا يتحدثون الألمانية.

- راتب مراقبي المحتوى يزيد بالكاد على الحد الأدنى للأجور في ألمانيا.

- يضم الفريق العربي لاجئين فارين من الحرب في سوريا، بات واجباً عليهم في مناوبتهم مشاهدة فيديوهات جز الرؤوس والبروباغاندا الإرهابية.

- يشير جميع الموظفين الذين تم إجراء مقابلة معهم إلى أن هناك توجيهات عمل صارمة لكنها غامضة، وكثيراً ما تتغير.

- يُتوقع من الموظفين في أسفل الهرم الوظيفي فحص 2000 منشور يومياً.

- الموظفون الأعلى مرتبة يفحصون المنشورات أيضاً، ولديهم قرابة 8 ثوانٍ فقط لاتخاذ قرار بشأن حذف أو ترك منشور.

وتشير المجلة إلى أن لفيسبوك صيغتها الخاصة لحرية التعبير، التي يتم وفقها حظر أو السماح بتداول المحتوى، وهي غالباً ما ترفض بشكل قاطع التعليق على قواعدها أو كيفية تطويرها.

ويضم كتاب القواعد التوجيهية مئات الأمثلة، فعلى سبيل المثال، تنص على أن محتويات صورة ليس لها أي دور بحد ذاته؛ بل مزيج الصورة والنص يحدد فيما إذا كان يجب حذف المنشور، كشأن التعليقات التي تمجد العنف، فإذا كتب أحدهم تعليقاً "انظر لهذا.. يبدو رائعاً" تحت صورة لشخص يموت، فيجب حذفها.

وينص الكتاب على قواعد واضحة بشأن التعامل مع كراهية الأجانب، فعلى سبيل المثال التعليقات التي تشير إلى المهاجرين بـ" لصوص قذرين" مسموح بها، فيما تُحذف التعليقات التي تصفهم بـ"الإرهابيين والقتلة ومرتكبي جرائم جنسية"، كما تُحذف الجمل التي تقارن بين المهاجرين والهوام أو القمامة فقط إن كانت في صيغة الاسم على نحو " اللاجئون قمامة"، فيما يسمح بها في صيغة الصفة.


الحكومة الألمانية تزيد من ضغوطها على فيسبوك


وشهدت الأشهر الأخيرة تصعيداً مستمراً من قِبل وزير العدل الألماني، هايكو ماس، ضد فيسبوك مع ما اعتبره تفاعلاً بطيئاً مع التبليغات عن منشورات الكراهية والأخبار الزائفة. وأصبحت الأخبار الزائفة من أبرز القضايا التي تعمل الحكومة الألمانية لايجاد حل لها، بعد أن شعر الساسة بأن مستقبلهم السياسي بات على المحك قبل قرابة عام من الانتخابات البرلمانية، جراء الزلزال السياسي الذي أحدثه فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية وما قيل عن دور لعبته الأخبار الكاذبة في ذلك، وما تلاه من توجيه اتهامات إلى فيسبوك بالمساهمة في انتشارها، إلى جانب اتهام روسيا بمحاولة التدخل في الانتخابات الألمانية مستخدِمة هذا الأسلوب. وكان موقع "بزفيد" قد أثار ضجة إعلامية بكشفه، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016، أن مقارنته للتفاعل مع القصص الإخبارية الرئيسية عن الانتخابات الأميركية أظهرت تفوق التفاعل مع المزيف منها على تلك الحقيقية التي نشرتها وسائل الإعلام السائدة.

وأفادت تقارير صحفية بأن التحالف الحكومي الكبير يعتزم البدء في وضع قانون خاص بهذا الشأن قبل الانتخابات القادمة، وأنه سيتم العمل على ذلك بشكل مكثف بعد عطلة عيد الميلاد.

وقال توماس أوبرمان رئيس الكتلة النيابية للحزب الاشتراكي الديمقراطي، يوم الجمعة الماضي، لمجلة "دير شبيغل"، إنهم سيتبعون نهجاً أقسى مع فيسبوك وغيرها من المنصات فوراً، بشأن رسائل الكراهية، والأخبار الزائفة.

ووجه أوبرمان انتقادات لاذعة لفيسبوك، موضحاً أن وزير العدل عرض بشكل مكثف ولمدة طويلة على الشركة بناء جسور بينهما، لكن فيسبوك ضيعت فرصة تنظيم معالجة الشكاوى بفاعلية بنفسها، مطالباً في الوقت نفسه بأن تفرض عقوبة قانونية على المنصات المسيطرة على السوق، كفيسبوك، لتوفير خدمة حماية قانونية على الأراضي الألمانية، طوال السنة وعلى مدار الساعة، كي يستطيع المتضررون التواصل معهم وتقديم دلائل على أنهم ضحايا للأخبار الكاذبة.

وأكد السياسي الألماني البارز أنه إذا لم تحذف فيسبوك دون تباطؤ خلال 24 ساعة من وصول البلاغ وفحصه بشكل ملائم، عليها توقع أن تفرض عليها غرامة تصل إلى 500 ألف يورو، مقترحاً أيضاً أن يوفر فيسبوك تصحيحاً للخبر يكون مدى وصوله للمتصفحين مماثلاً للخبر الكاذب، إذا طلب المتضرر ذلك.

وطالب وزير العدل هايكو، الأحد، في تصريح لصحيفة "بيلد أم زونتاغ" القضاة والمدعين العامين باتخاذ إجراءات مشددة حيال الأخبار الزائفة وملاحقة ناشريها على شبكة الإنترنت، موضحاً أن القدح والذم غير مغطىً من حرية التعبير، مؤكداً أن عقوبة السجن حتى 5 سنوات تهدد مرتكبي جرم قدح وذم شخصية عامة، مشدداً على أن ذلك يجب أن يكون واضحاً "لأي شخص يحاول التلاعب بالنقاش السياسي بمثل هذه الأكاذيب".

ودعا الوزير الألماني فيسبوك لتحمل مسؤولياته قائلاً: "فيسبوك تجني أيضاً الكثير من المال وراء الأخبار الزائفة، من يربح المليارات في شبكة الإنترنت، يترتب عليه واجب اجتماعي أيضاً. يجب حذف التشويه المعاقَب عليه جنائياً، بعد التبليغ عنه سريعاً، كما يجب أن يصبح التبليغ عن منشور على أنه مزيف أسهل للمستخدمين".

وكان سياسيون ألمان قد وقعوا ضحية مثل هذه الأخبار مؤخراً، لعل أشهرها ما حدث مع السياسية في حزب الخضر ريناته كوناست؛ إذ نُشر تصريح كاذب على لسانها زعم أنها قالت معلقة على حادثة اغتصاب وقتل الطالبة "ماريا.ل"، التي تشتبه السلطات في أن طالب لجوء أفغانياً ارتكبها، إنه "حتى لو كان اللاجئ الشاب المصدوم قد قُتل، لكن على المرء أن يقوم بمساعدته"، ورغم محاولة "كوناست" بشتى الوسائل التواصل مع فيسبوك وطلب حذفه، فإن الأمر استمر أياماً حتى أُزيل بعد أن تمت مشاركته 4500 مرة.

كما نُسب تصريح كاذب إلى مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم يواخيم لوف من قِبل يمينيين مناهضين للأجانب، مفاده: "وإن كانت تَظهر الألمانية على منتخبنا الوطني، لكن نحن مندمجون ثقافياً، ونسمى اليوم فريق الاندماج".

وذكرت "بيلد أم زونتاغ" أن وزيراً وقع ضحية خبر زائف، بيّن أن الاقتباس الكاذب الذي نُسب إليه تمت قراءته 3 ملايين مرة في الإنترنت، لافتاً إلى أن أياً من تصريحاته الحقيقية لا يحقق مثل هذا الانتشار.


خطوات أولى لمواجهة الشائعات


وكانت فيسبوك قد طرحت يوم الخميس 15 ديسمبر/كانون الأول، جملة من التحديثات التي قالت إنها جزء من "تجارب مبكرة"، تهدف إلى منع انتشار الشائعات والأخبار المضللة، وتتوافر في جزء صغير من حسابات المستخدمين الأميركيين حالياً.

وتتضمن التحديثات أداة جديدة تسمح للمستخدم بوسم المنشورات على أنها أخبار زائفة، وعلامة تبين أن منشوراً ما قد وُصف بـ"مثير للجدل" من قِبل طرف ثالث ممثلاً بشركة مختصة بالتحقق من صحة المنشورات، وتغييرات في خوارزمية صفحة الأخبار، إلى جانب قمع ناشري الدعاية غير المرغوب فيها بهدف جمع المال من خلال الإعلانات.

وستعمل فيسبوك مع مؤسسات، مثل "سنوبس" المتخصصة في مراجعة الحقائق و"Abc news" و"أسوشييتد برس"، في مسعى للتأكد من مصداقية القصص.