جردة حساب: روسيا ما بعد التجربة الأفغانية.. انتصارات حاسمة في 4 حروب دون مواجهة "الكبار"

تم النشر: تم التحديث:
RUSSIAN TROOPS PUTIN
ru_ via Getty Images

يبدو أنّ تركة الامبراطورية الروسية من الحروب تلاحق كل “قيصر” يحكم موسكو، فلا يمضي وقتٌ قصير إلا وقد دخلت البلاد حرباً هنا أو دعمت أخرى هناك.

وما يميّز حروب روسيا وقبلها الاتّحاد السوفييتي والامبراطورية الروسية، هو عدد الضحايا الضخم؛ نتحدث هنا عن أعداد لا تقلّ عن مئات الآلاف عادةً والجرحى والمشردين بالملايين.

وتنوّعت حروب روسيا والاتّحاد السوفييتي من حيث العمل المستقل والعمل المتحالف، فنجد أوّل قرار اتخذته "الثورة البلشفية"، عند اعتلائها الحكم وقتل آخر قياصرة عائلة رومانوف بعد أكثر من 300 عاماً من الحكم، هو الخروج من تحالف كتلة الوفاق - إنكلترا وفرنسا وروسيا - في الحرب العالمية الأولى، وتوقيع اتفاق صلح مع ألمانيا في العام 1939.

تلى ذلك الحرب الأفغانية - السوفياتية، التي يصطلح عليها بـ"حرب فيتنام الاتحاد السوفياتي"، بسبب الخسائر الفادحة. واستمرت الحرب على أفغانستان 10 سنوات لتنتهي في العام 1989 بتوقيع اتفاق سلام من طرف الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباشيف، الذي قرر الإنسحاب من الحرب بعد الخسارة الاقتصادية والعسكرية الفادحة التي تكبدها الاتحاد.

وتعدّدت الدول والوجهات التي بادلتها روسيا العداء في حروبها فنجدها في حربٍ مع جيرانها بفنلندا شمالاً والشيشان جنوباً، وحرباً متحالفة مع إيران ونظام الرئيس بشار الأسد في سوريا مؤخراً. وتباينت حروبها بين العسكرية الدامية والباردة التنافسية.

إلا أننا فيما يلي، سنكتفي بالفترة التي تلت هزيمة الاتحاد السوفياتي في الحرب الأفغانية التي انتهت سنة 1989، لنتعرف على أهم الحروب الداخلية والخارجية التي خاضتها في هذه الفترة:


1- حربا الشيشان.. الأولى والثانية




dzhokhar dudayev

لم تتوقّف محاولات الشيشانيين للاستقلال عن الاحتلال منذ ضمّها للامبراطورية الروسية في العام 1870، مروراً بمحاولات الاستقلال بعد سقوط الامبراطورية الروسية ثم سقوط الاتّحاد السوفيتيّ.

وبعد أن أصبحت روسيا وريثة للاتحاد السوفيتي، سعى بوريس يلتسين لضم الشيشان ضمن اتحاد فيدرالي مع 88 فيدرالية أخرى، إلى أن رفضت الشيشان ذلك ولم يلجأ أيٍ من الطرفين للحوار أو المفاوضات، ليتم إعلان استقلال الشيشان عن روسيا بشكل رسمي عام 1991 وتعيين جوهر دوداييف رئيساً لها.

في السنوات الثلاث التالية، عملت روسيا ضد الشيشان من خلال دعم المعارضة إلا أنّها لم ترَ أنّها على قدر من الاستعداد للإطاحة بدوداييف سياسياً فقررت التدخل عسكرياً ابتداءاً من 11 من ديسمبر/كانون الأوّل 1994 لتبوء أولى محاولاتها بالفشل.

وبعد قيام المقاتلين الشيشان بغزو داغستان المجاورة، أعلنت روسيا الحرب مرة أخرى على الشيشان في العام 1999 - الذي شهد وصول فلاديمير بويتن إلى السلطة -، وتم التمهيد للاجتياح الروسي من خلال غارات جوية مكثّفة على جميع الأراضي الشيشانية، ثم حصار العاصمة غروزني لأكثر من عام.



dzhokhar dudayev

ورغم انسحاب القوّات الشيشانيين من العاصمة، إلّا أن الجيش الروسي ارتكب مجزرة كبيرة ضد المدنيين، لتسقط العاصمة في يناير/كانون الثاني من العام 2000.

شارك في الحربين حوالي 500 ألف جندي روسي وأرسلت روسيا أكثر من 11 ألف دبّابة. بلغ عدد القتلى من الشيشانيين ما يزيد عن 300 ألف - أي نحو ربع السكان في ذاك الوقت -.


2- الحرب الباردة مع الولايات المتحدة






كما انخرط الاتحاد في حرب مرعبة دارت في الخمسينيات من القرن الماضي وحتى العام 1985، إلا أن البعض يؤخرها حتى سقوط الاتّحاد السوفيتي في ديسمبر/كانون الأول من العام 1991، حين اختلفت قوّات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية على إدارة ما بعد الحرب.



russian american cold war

ويستخدم مصطلح "الحرب الباردة" للتعبير عن حالة القلق والتنافس والصراع بين الولايات المتحدة الأميركية والاتّحاد السوفياتي وحلفائهم، دون وجود إعلان لحربٍ عسكرية.

وتنوعت وسائل المواجهة بين التحالفات العسكرية والتنافس على غزو الفضاء، والتكنولوجيا والتطوير، ومواجهات سياسية لا عسكرية، وأخرى عسكرية بالإنابة عبر استخدام طرف آخر كأنظمة الحكم والاقتصاد، إلى جانب الثقافة والفن وطبعا الدعاية وتشويه صورة الآخر.


3- حرب أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية




abkhazia war

هي أقصر حرب روسية، إذ لم تتجاوز مدتها أكثر من 5 أيام، إلا أن حصيلة القتلى والجرحى والمفقودين خلال هذه المدة القصيرة تجاوزت الألفين، بالإضافة إلى نزوح أكثر من 192 ألف مدنياً.

اندلعت الحرب في 7 أغسطس/آب سنة 2008 بين كلٍّ من روسيا وجورجيا، وذلك بعد أن قامت الأخيرة بقصف أوسيتيا الجنوبية الموالية لروسيا، فروسيا تعترف بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية كجمهوريتين مستقلتين، بينما تعتبرهما جورجيا جزءاً من أراضيها وتحت سيادتها.

يذكر أن هذه الخطوة العسكرية التي اتخذتها جورجيا جاءت كرد على الهجوم الذي شنه انفصاليون أوسيتيون على القوات الجورجية، خارقين بذلك اتفاق وقف إطلاق النار.

هذا القصف الذي شنته جورجيا أغضب روسيا التي ردت مباشرة بقصف مضاد على شرق جورجيا، لتنطلق معارك عنيفة بين الدولتين، أعلنت جورجيا على إثرها أنها في حالة حرب في 9 أغسطس/آب.

انتهت الحرب بانسحاب قوات جورجيا من عاصمة أوستيا الجنوبية بعد أن أحكمت روسيا قبضتها عليها، بالإضافة إلى إقامة اتفاق بين البلدين بوقف إطلاق النار والعودة إلى ما كان عليه الوضع قبل بداية المعارك.


4- الاجتياح الروسي لشبه جزيرة القرم




russian troops ukrain

أحكمت القوات الروسية سيطرتها شبه الكاملة على شبه جزيرة القرم في 27 فبراير/شباط من العام 2014 بدعوى حماية الرعايا الروس الذين يشكِّلون الأغلبية في أوكرانيا، وشاركت عدة تشكيلات عسكرية روسية في الحملة، منها الفرقة المجوقلة 76، وأسطول البحر الأسود، والمخابرات العسكرية الروسية، وتعداد عام للقوات يزيد عن 16 ألف عسكري.

أتت أزمة القرم بعد الثورة الأوكرانية ومطالبة الجماهير بتسريع عملية انضمام أوكرانيا إلى الاتّحاد الأوروبي، الأمر الذي اعتبرته جماهير القرم عملاً معادياً لروسيا فثارت ضد هذه المطالب وأجرت استفتاءً للانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا، فجاء لصالح روسيا بنسبة 95% في 16 مارس/آذار من نفس العام.


5- روسيا والثورة السورية




russian troops syria base

بدأ التدخّل الروسي في الثورة السورية لصالح نظام بشار الأسد من خلال الضربات الجوية في 30 سبتمبر/أيلول من العام 2015، مدّعية أن ضرباتها الجوية موجّهة ضد تنظيم الدولة في العراق والشام المعروف باسم "داعش"، إلا أن رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق خالد خوجة صرّح بأن الغارات قضت على مدنيين في مناطق لا تتبع للتنظيم.

اقتصر التدخّل الروسي في الأراضي السورية على القوات الجوية، وتحديداً 21 طائرة هجوم أرضي من نوع سوخوي سو-25، و12 مقاتلة اعتراضية من نوع سوخوي سو-24، و6 قاذفات متوسطة من نوع سوخوي سو-34، و4 طائرات من طراز سوخوي سو-30، بالإضافة إلى 15 مروحية من نوع ميل مي-24.

تربض جميع هذه الطائرات في مطار باسل الأسد في اللّاذقية لحماية أنظمة الدفاع الجوي (من نوع إس إيه-22)، بالإضافة لمهام القصف الجوي للمعارضين للنظام السوري.

تضمّنت القوات الروسية أيضاً 6 دبابات من طراز تي-90 و15 قطعة مدفعية و35 عربة جند مدرعة و200 من مشاة البحرية (مع منشآت إسكان تسع 1,500 فرد). كذلك رصدت قاذفات بي إم-30 سمرش قرب اللّاذقية.

في 30 سبتمبر/أيلول من نفس العام طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من مجلس الاتّحاد الروسي "دوما" السماح لنشر قوات مُسلّحة برية في سوريا، إلا أن العدد لم يُعرف بعد، فعلى الرغم من أن التصريحات الرسمية لروسيا تفيد بوجود 4500 عسكري روسي في سوريا، إلا أن تقارير استخبارية تشير لرقم أكبر قد يصل إلى 20 ألف عسكري وما يرجّح هذا الرأي عدّة مؤشرات أهمها: الانتشار الروسي الواسع في منطقة الساحل السوري برياً وبحرياً وجوياً، وجعل المياه الدولية السورية مسرحاً لقطع الأسطول الروسي.

نجحت روسيا في حسم الكثير من المعارك التي كانت مشتعلة على الأراضي السورية، فاستعادت مدينة تدمر من تنظيم الدولة (تمكن “داعش” من إعادة السيطرة على المدينة لاحقاً)، وحسمت العديد من المعارك في ريف دمشق، كما قتلت العديد من قادة المعارضة المسلحة، إلى جانب إجبارها القوات المنهاضة لرئيس النظام السوري على إخلاء الشطر الشرقي من مدينة حلب بعد 4 سنوات من السيطرة.