بهذه الطريقة يقنع بوتين شعبه بأهمية الحرب في سوريا

تم النشر: تم التحديث:
8
8

في معرضي صور كبيرين عُقِدا هنا مؤخراً، عُرِضت على الروسيين صورٌ للمدينتين السوريتين الجريحتين بالقنابل، حلب وتدمر، كما لا يراهما الغرب سوى نادراً.

وعوضاً عن صور الدمار والمجاعة، عرضت المعارض المموَّلة من الدولة أطفالاً أصحاء يضحكون، وناقلات أفراد روسية مصفَّحة تسرع دون عوائق وسط مناظر صحراوية شاسعة.

ويعكس الانفصال عن المجزرة في حلب، حيث ما زال آلاف المدنيين ينتظرون إجلاءهم بعد أن طردت الهجمة المدعومة من روسيا كل قوات المعارضة تقريباً، الرواية التي لفَّقها الكرملين عن الحرب لجمهوره المحلي: لا يمكن لروسيا سوى حلّ النزاع السوري الذي دام 6 سنوات تقريباً.

5


"التحرير"


تصف كل من الدولة والحكومة الروسية الموقف في حلب بـ"التحرير"، وحاور التلفزيون الرسمي الروسي الأسبوع الماضي الرئيس السوري بشار الأسد، الذي أثنى على موسكو لدعمها، وفق تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، الأحد 18 ديسمبر/كانون الأول 2016.

لقد وسَّع تدخُّل الرئيس فلاديمير بوتين، الذي بدأ منذ عامٍ، تواجد موسكو السياسي وشوكتها العسكرية في الحلبة العالمية، ما ألهم إنتاج أغنيات وألعاب فيديو وحتى كتابة جوابات من طلاب المدارس للقوات المتمركزة هناك.

"يتيح هذا الشر البشع (في سوريا) للعالم بأكمله أن يبصر الروح الروسية بشكلها الحالي"، كان هذا ما قال آرتم جريشانوف، وهو شاب عمره 28 عاماً يقيم في أقصى شرق روسيا ويؤلِّف أغاني عن بطولة الجيش الروسي وينشرها على قناته على موقع يوتيوب. وقد بلغت مشاهدات بعضها حوالي المليون.

يمكن أن تكون الصورة الوردية في روسيا عمَّا يحدث في سوريا أحياناً مختلفة مع الواقع القائم على الأرض.

أعاد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) مؤخراً الاستيلاء على تدمر، وهي مدينة قديمة وأحد مواقع التراث العالمي، وفق اليونسكو كانت القوات السورية والروسية قد انتزعتها من المسلَّحين في وقتٍ سابق من العام الحالي. قالت الولايات المتحدة في الشهر الجاري إنَّها ستضرب تنظيم داعش في المنطقة إذا لم تطرد القوات الروسية والسورية المسلَّحين ثانيةً.

وفي حلب، تأجَّلت الجهود التي تبذلها تركيا وروسيا لإخلاء آخر المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات المعارضة، رغم أنَّ قوات المعارضة قالت إنَّها قد تعود ليل الأحد أو صباح الاثنين الباكر.

واتَّهمت كلٌّ من الولايات المتحدة وبريطانيا روسيا بارتكاب جرائم حرب في سوريا. وكتبت جماعة الخوذ البيضاء السورية للدفاع المدني، إلى جانب آخرين، الأسبوع الماضي خطاباً إلى الأمم المتحدة، قائلين إنَّ الهجمات الجوية الروسية قد قتلت ما يزيد على 1000 مدني في حلب، بمن فيهم 380 طفلاً. لم تردّ روسيا بعد على هذه الادِّعاءات.

ومع ذلك فإنَّ نجاح الحملة المدعومة من روسيا في دحر قوات المعارضة في حلب قد سهَّل مهمة إقناع العامة في روسيا بالحرب.

5


تغطية جوية


على مدار نهاية الأسبوع، عرض التلفزيون الرسمي الروسي تغطية جوية لحلب المدمَّرة والخالية بدرجةٍ كبيرة، تصحبها موسيقى كلاسيكية مبتهجة بالنصر. خُصِّص لكلٍّ من حلب وتدمر وقت تغطية إضافي في الأيام الأخيرة الماضية، بالأبيض والأسود أحياناً، ما يثير الإحساس بأنَّنا في حقبة الحرب العالمية الثانية.

ساعد تحوُّل مسار الأحداث بوتين في عرض رؤيته لروسيا بصفتها مدافعاً، ليس فقط ضد الإرهاب، وإنَّما مدافعاً عن المسيحية والثقافة الغربية.

لقد طُوِّع حتى أشهر معارض البلاد لخدمة القضية، فقد عمل متحف الإرميتاج الحكومي في سان بطرسبرغ مع الخبراء وعلماء الآثار للحفاظ على تدمر. عندما كانت المدينة سابقاً تحت حُكم تنظيم داعش، دمَّرت المعابد الرومانية وقطعت رأس عالم آثار سوري شهير.

قال ميخائيل بيوتروفسكي، مدير متحف الإرميتاج وعالم الآثار البالغ من العمر 72 عاماً والذي زار تدمر بعد أن ساعدت القوات الروسية النظامَ في إعادة الاستيلاء عليها من أيدي الجماعة المتطرِّفة في مارس/آذار: "من واجبنا حماية الثقافة. وعلينا أن نفعل هذا بالقوة، حتى إذا كانت القوة شرسة".

يبث التلفزيون الرسمي قرع طبول ذا تقنية عالية وضربات جوية روسية جراحية، ويُقال إنَّ المشاهد القليلة للبؤس والموت التي تعرضها من صنع قوات المعارضة السورية.

بعض هذه الأمور، مثل المعارض والبث، مموَّلة من الدولة، وبعضها الآخر نبع من موجة غطرسة الانتصار التي أثارها التدخل العسكري.

يعمل دميتري بابكين، وهو مصمم ألعاب عمره 32 عاماً، في شركة صغيرة مقرها موسكو تتيح لعبة الفيديو التي أنتجتها، "الحرب السورية"، لمستخدميها لعب دور شرطي سوري يهزم تنظيم داعش بمساعدة جيش روسيا. تبلغ اللعبة، التي من المفترض طرحها في فبراير/شباط، أوجها في تدمر.

وقال بابكين: "لقد ساعد ظهور روسيا البلاد في تجنُّب الانهيار وتكرار المصير الذي واجهته دول أخرى علمانية بدرجةٍ كبيرة كانت مزدهرة في السابق مثل ليبيا والعراق، حيث يزدهر الإرهاب".

ويبدو أنَّ الرسالة قد اجتذبت العامة. وفق استقصاء أجراه مركز ليفادا المستقل في أكتوبر/تشرين الأول، فإنَّ 49% من الروسيين يعتقدون أنَّ على بلدهم أن يظل متدخلاً في سوريا، بينما شعر 28% فقط منهم بأنَّ هذه فكرة سيئة.

بينما أعلن الجيش الروسي عن 15 حالة وفاة على الأقل من بين أفراده، فإنَّه يقلِّل عادةً من أعداد الخسائر.

5


صورة متضادة


توضَع الصورة مفرطة الإيجابية لدور روسيا في سوريا غالباً في تضادٍ مع تدخُّل الولايات المتحدة في المنطقة. فالعمليات المدعومة من الولايات المتحدة التي يقودها العراق ضد تنظيم داعش في الموصل تحظى بتغطية مكثَّفة على التلفزيون الرسمي ويُصوِّرها المسؤولون الروسيون بأنَّها حملة فوضوية تفتقر إلى التوجيه.

قالت المتحدِّثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا على صفحتها على موقع فيسبوك في نوفمبر/تشرين الثاني: "يوجد أمر واحد واضح وهو أنَّ التحالف (الأميركي-العراقي) يعامل العراقيين المسالمين في الموصل أسوأ ممَّا يفعل المسلَّحين في حلب".

يربط متحف الإرميتاج أعمال الترميم التي يخطِّط لها في تدمر بالإرث الذي تتشاركه روسيا مع العالم المسيحي القديم والروابط بين المتحف والمدينة: فإحدى حجراته التي تزيد عن الألف مليئة بآثار تدمر التي حصل عليها في مطلع القرن العشرين.

قال بيوتروفسكي، مدير متحف الإرميتاج: "هذا جزءٌ من وعينا القومي: سوريا لا تمثِّل لنا تدمر فقط، بل كذلك المسيحية الأرثوذوكسية"، ما يردِّد تأكيدات الأسد العام الماضي على أنَّ بوتين هو المدافع عن المسيحية.

وأوضح بيوتروفسكي، مشيراً إلى جهود الإرميتاج من أجل تخليص كنوزه الخاصة خلال حصار لينينغراد النازي الذي دام 900 يومٍ، أنَّه يأمل استجلاب تلك الروح نفسها من أجل ترميم تدمر.

تعرَّضت أعمال الإرميتاج لانتقادات السوريين الذين يعارضون نظام الأسد قائلين إنَّها تزيين للواجهة لا يخاطب مأزق السوريين اليائس بعد سنواتٍ من الحرب.

قال عمرو العزم، الأستاذ المساعد في الأنثروبولوجيا وتاريخ الشرق الأوسط بجامعة شاوني الحكومية في أوهايو: "بدلاً من هذه التصريحات الشجاعة عن أنَّهم سينقذون تدمر ويرمِّمونها، لماذا لا يفعلون شيئاً مفيداً عوضاً عن ذلك، مثل جعلها آمنة بالفعل؟".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Wall Street Journal الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.