حي "ماريه" الباريسي الفاخر.. حيث الجرذان أكثر من السكان

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

حل الظلام في حي ماريه الباريسي الفاخر، أحد أقدم أحياء مدينة النور الفرنسية، الشوارع خاوية والأشجار عارية، لكن هناك في حديقة الحي صوت صريرٍ آتٍ من تحت أوراق الخريف المصفرّة. فجأة ينسلّ ذيل من بين الأوراق الذابلة، ويخرج جيش جرذان من تحت جنح الظلام يركض فوق الأرصفة، يتمسّح بحيطان وجدران مباني الحي العتيقة، ويسن أسنانه للهجوم على أقرب حاوية فضلات.

خوت الشوارع من المارة في هذه الساعة المتأخرة، لكن القلة القليلة التي جافاها النوم شاهدت بذهول منظر اجتياح القوارض.

تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية اليوم الإثنين 19 ديسمبر/كانون الأول 2016 تحدث إلى آن-لور، إحدى سكان الحي، التي ما إن فتحت باب منزلها حتى رأت نصف دزينة جرذان يركضون في خوف. تقول "أعيش هنا منذ 10 أعوام ولم يسبق لي أن رأيت جرذاناً قط في هذه الساحة، أما الآن فوجودهم كبير جداً، لا تراهم في وضح النهار، لكنهم بعد الغسق يهبون من مكامنهم للركض على أرصفة الشوارع في هجوم على حاويات النفايات."

في اليوم التالي تصطحب آن لور كلبها في جولة صباحية في شارع بوليفارد ريشار-لينوار. أجِل بصرك فوق، ترَ الصباح جميلاً والسماء صافية وفي الجو نسمة منعشة، ولكن انظر إلى أسفل هذه المرة، ترَ القوارض تجول منتشرة من حولك كأن ما عاد يخيفها لا ضوء نهار ولا عابر سبيل.

social media

تقول آن-لور "لقد ألِفنا منظر الجرذان الآن، فباتت تروح وتجيء حالها كحال الحمام الطائر، لكن مع ذلك إن رؤية العديد منها في آنٍ يثير في النفس الوجل."


فأران لكل مواطن


منذ تأسست المدينة وأهلها وجرذانها يعيشون معاً، فإن سمعت هسيساً وصريراً من أسفل سياج النباتات فلا خوف ولا دهشة ولا استغراب، إنه مجرد فأر على الأرجح. أما حين يحل الظلام، تخرج الفئران والقوارض من مخابئها للتجول في طول المدينة وعرضها حتى في أشهر شوارع المدينة، جادة الشانزيليزيه، لتجوب أرصفته. حتى محطات مترو الأنفاق لم تسلم هي الأخرى، فترى الفئران تتقافز هنا وهناك على أرصفته بحثاً عن بقايا طعام تركه راكب أو ألقاه متشرد ينام ليلته في محطة ما.

ورغم أن الجرذان مأواها المفضل هو المجارير إلا أنها مؤخراً بدأت تخرج إلى السطح بأعداد متزايدة مدفوعة بإغراء فتات الطعام الذي يلقيه لها المارة إما صدفة وإما عن قصد. وقد كان فيلم ديزني الكارتوني الشهير Ratatouille قد حاول تقديم هذه الكائنات بصورة لطيفة محببة، إلا أن مشهد سقوط الآلاف منها من السقف المتهاوي على رأس العجوز المتقاعدة يبقى مشهداً تقشعر له الأبدان. رغم أن بطل الفيلم، الجرذ ريمي، كان طاهياً من أمهر طهاة المطبخ الفرنسي الفاخر، ولكن مع عرض الفيلم وانتهائه ورغم كل لطافة وظرافة البطل الطباخ الماهر ريمي، يبقى الجرذ جرذاً.

أما الآن وقد وصلت أعداد سكان باريس من القوارض أكثر من 4 ملايين نسمة جرذونية –أي ما يعادل 2 لكل 1 من أهالي باريس البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة من البشر- فقد أطلقت بلدية باريس حملة جديدة للقضاء على هذا الوباء الموسمي.

د. جورج سالين رئيس فرع خدمات باريس البيئية ذات الصلة بالتعامل مع الفئران؛ يقول إن مكافحة هذه القوارض قد تأثرت جزئياً بتغييرات قوانين الاتحاد الأوروبي الخاصة باستعمال السموم "فمثلاً لم يعد بإمكاننا رش الحبوب السامة التي كنا نستعملها من قبل عند مخارج ثقوب وأنفاق الفئران في الحدائق."

وعملاً بحملة المكافحة أغلقت 9 حدائق عند نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2016 من أجل "برنامج مكافحة الجرذان". ويأمل المسؤولون وخبراء الصحة أنه بإغلاق الحدائق أمام مرتاديها المتنزهين الذين يتركون الطعام وبقاياه لتقتات عليه القوارض فإن هذه الفئران ستنجذب إلى مصيدة السم. وقد قالت صحيفة Le Parisien المحلية أن زوج جرذان ولودة قد تنتج 936 جرذاً خلال عامين.

لكن بلدية باريس تصر على أن لا انفجار سكانياً في أعداد القوارض وأن كل ما في الأمر أن تسليط الإعلام لأضوائه على الجرذان نبه أهالي باريس إلى وجودها أكثر من ذي قبل، وقالت متحدثة باسم البلدية أن المشكلة "ليست أسوأ من قبل."

وتتابع المتحدثة "الأمر متداول في الإعلام وقد شوهدت القوارض في أماكن سياحية كالشانزيليزيه، ما دعى الجميع ليظن أن القوارض زادت. لقد أغلقنا الحدائق لأن الناس بالفعل يطعمون هذه القوارض، صدقوا أو لا تصدقوا."


لا داعي للقلق


الخبير المستقل بيير فالغايراك قضى ساعات في مجارير باريس ليدرس الجرذان ثم تحدث إلى صحيفة Le Monde الفرنسية قائلاً إنه ما من داع للقلق.

وتابع "في المدن الكبرى كباريس المبنية في القرن الـ19 والتي تحظى ببركة نظام مجاري في قلب المدينة يوجد لكل مواطن حوالي 1.75 جرذاً. لكن المشاكل تبدأ حينما تزداد الكثافة إلى أكثر من جرذين 2 مقابل كل مواطن 1."

ويقول فالغايراك إن الجرذان بحاجة إلى أشياء 3 كي تعيش وتنمو بنعيم: الماء والغذاء والمأوى الذي تعشش فيه، فبزوال أحد هذه الأشياء الـ3 تتوقف الفئران عن التزاوج. يقول أيضاً "الجرذان ليسوا غزاة ولا محتلين، فحياتهم محصورة ضمن 20 متراً مربعاً يقضون فيها 75% من حياتهم. يجب علينا التوازن مع كل التخويف من الجرذان، فهي ليست عدوانية بطبيعتها، بل في المعتاد لطيفة مسالمة وجبانة كثيرة الخوف. متى انخفضت أعدادها إلى أقل من 1 لكل نسمة فلن يلحظهم أحد."

وفي الوقت نفسه أطلقت الطبيبة النفسية الباريسية جو بينشيتري حملة التماس عامة تطالب فيها بـ"وقف مجزرة الجرذان" ودانت "فوبيا الجرذان" التي لدى بلدية باريس.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.