جريمة قتل في كردستان تثير انتباه الأمم المتحدة والحقوقيين في العالم.. إليك تفاصيل القصة

تم النشر: تم التحديث:
5
5

طوال أغسطس/آب الماضي؛ كانت أشبه بالعادة اليومية لوداد حسين علي –الصحفي الكردي ذي الـ28 ربيعاً واللحية المقلمة والشعر المصفف للأعلى- أن يستيقظ في الصباح الباكر ليقود سيارته ويوصل أخيه الأكبر ساردار إلى مكان عمله. وتستغرق الرحلة عادةً حوالي النصف ساعة من قرية كورى القديمة العامرة بالمساحات الخضراء في قلب جبال كردستان العراقية، إلى مدينة دهوك التي تعتبر أكبر المدن القريبة.

في الـ13 من أغسطس/آب وصل الأخَوَان إلى موقع البناء الذي يعمل فيه ساردار في تمام الـ9:15 صباحاً. خرج ساردار من السيارة، ومضى علي في طريقه.

بعدها بدقائق، قطع الطريق على عليّ سيارتان لا تحملان أي أرقام. خرج منهما 3 رجال، وجَّه أحدهم مسدسه إلى رأس الصحفي، بينما قام الاثنان الآخران بتقييد معصميه وتغطية وجهه. وعلى مرأى ومسمع من شهود العيان، أعلن الرجال بصوتٍ عالٍ أنهم مخوَّلون رسمياً بالتعامل مع علي. قاموا بعد ذلك بوضعه في إحدى سيارتيهما، واقتادوه بعيداً.

وبعد عدة ساعات، تلقت عائلة علي اتصالاً هاتفياً من ضابط شرطة يخبرهم بوجود جثته في مشرحةٍ محلية. وأشار الضابط إلى أن الجثة تم نقلها إلى المشرحة بعد أن عثرت عليها الشرطة ملقاةً على جانب الطريق في قريةٍ مجاورة. كان علي مصاباً بجروحٍ قطعية وسحجات وكدمات، وبدا وكأنه تعرض للضرب بأداةٍ طويلةٍ مثل مضرب أو هراوة، كما أضاف أحد الأطباء. ولاحظت أسرة علي أنه تعرَّض على ما يبدو لحروق من الدرجة الثالثة، وكدمات نتيجة الضرب بكابلات كهربائية. كما بدا وكأن عيناه تم تمزيقهما بالسكاكين.

5

هنالك الكثير من الجهات يشتبه في تورطها بجريمة قتل علي. ويحتفظ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بخلاياه النائمة في مختلف أرجاء العراق، بما في ذلك كردستان؛ حيث تقع دهوك على بعد ساعةٍ فقط بالسيارة من الموصل، التي تعتبر المركز الرئيسي لداعش في البلاد. وتقوم الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران بتعذيب وترويع الآلاف من إخوانهم العراقيين طوال العقد الماضي، مع التركيز على أتباع المذهب السني المنافس لهم في الإسلام، وهو حال معظم الأكراد. كما تضم كردستان العراق منذ وقتٍ طويل الحركة الكردية التي تمت إدانتها دولياً، والمعروفة باسم "حزب العمال الكردستاني"، الذي أصدر عقوباتٍ قاسية تشمل الإعدامات بحق الأكراد الذين يرفضون التعاون معه.

لكن أسرة علي ترفض تحميل داعش أو الميليشيات الشيعية أو حزب العمال الكردستاني مسؤولية اغتياله. بل يصرون على تحميل قادة كردستان العراق، أصدقاء الولايات المتحدة، مسؤولية وفاته.


تورُّط الولايات المتحدة


بعد 9 أسابيع على مقتل علي؛ عقد مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، مؤتمراً صحفياً حافلاً، حيث بدأ في اليوم السابق للمؤتمر 4000 مقاتل كردي عراقي التحرك في طريقهم إلى الموصل، مدعومين بعشرات المستشارين الأميركيين، بينما شاركت المقاتلات الأميركية من طراز B-1 وF-15 بتقديم الدعم الجوي.

تحرُّك الأكراد تم اعتباره دليلاً واضحاً على قيام الولايات المتحدة بتجهيز شركائها في العراق، والدفع بهم من أجل طرد داعش من البلاد للأبد. وعبَّر بريت ماكغورك، المسؤول الأميركي عن إدارة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش، عن أمنياته بالتوفيق للأكراد وغيرهم في مهمتهم، على تويتر، حيث أضاف: "نشعر بالفخر لأننا نساندكم".

ومنذ بدأ الأميركيون والأكراد التعاون واسع النطاق ضد داعش في أغسطس/آب 2014؛ دفع بارزاني بالمنطقة نحو الاستبداد أكثر من أي وقتٍ مضى، وهو رجل الميليشيات الشهير السابق الذي كان قريباً من الفوز بجائزة شخصية العام من مجلة التايمز.

ولكن إدارتي أوباما والرئيس المنتخب دونالد ترامب لطالما تجاهلتا علامات الخطر –مثل مقتل علي- التي تنذر بمستقبلٍ مظلم لكردستان.

توقف العمل بالبرلمان منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لأن بارزاني قد قام بمنع رئيسه –السياسي المعارض- من دخول العاصمة. وتعرض الآلاف من اللاجئين في المنطقة لتقييد حرياتهم. كما يتعرض العرب السنة على وجه الخصوص لمعاملةٍ قاسيةٍ من السلطات الكردية، فيما يشبه السياسات العراقية التي أثارت استياء السنة، وأدت لظهور داعش في المقام الأول.

وقامت القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة بهدم منازل السنة في الأراضي التي تم تخليصها من سيطرة تنظيم داعش. كما أخضعت كردستان العديد من اليزيديين –الأقلية التي أدت المجازر الجماعية بحقها إلى توسيع تحركات أميركا ضد داعش- إلى نقصٍ مؤلم في الغذاء والماء والوقود والدواء، بسبب ولائهم لحزب العمال الكردستاني المعادي لبارزاني، وهو ما أسهم في زيادة شعبية الجماعة الكردية المتشددة.

وما زال الصحفيون يلقون حتفهم كل يوم، حيث عُثر على مراسلٍ صحفي من منتقدي حكم بارزاني ميتاً في ديسمبر/كانون الأول الجاري.

وصرَّح كمال شوماني، الصحفي الكردي الحر الشهير لـ"هافينغتون بوست": "لطالما كنا نقول إننا مختلفون، على صعيد حماية حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحرية التعبير. لقد كان هذا مصدر قوتنا. وكان هذا في الحقيقة ما نسوقه، فكرة (الوجه الأفضل للعراق). لكن هذه الرواية قد انهارت تماماً".

ويقول مايكل روبين، الخبير في شؤون الأكراد بمعهد المؤسسة الأميركية، في بريدٍ إلكتروني: "لقد قامت قيادة كردستان العراق باستغلال تهديد تنظيم داعش كوسيلةٍ للتنصل من أي مساءلةٍ قانونية، ويبدو أن البيت الأبيض والخارجية الأميركية سيسمحون لهم بالإفلات من العقاب. الأمور تسير في الاتجاه الخطأ. فحرية الصحافة لن تضر بالحرب على تنظيم داعش في أي حالٍ من الأحوال".

ويعتقد دانيال سيروير، المسؤول السابق في الخارجية الأميركية وخبير بناء السلام الحالي لدى جامعة جونز هوبكينز ومعهد الشرق الأوسط، أن ما يحدث هو أكثر من مجرد خسارةٍ أخلاقية. حيث يرى أن بناء مجتمعٍ حر ومنفتح وعادل هو أمرٌ ضروري لمنع حالة الفوضى التي تستغلها جماعات مثل داعش، فسيادة القانون ليست مجرد رفاهية.

ولكن تصرفات بارزاني تظهر اختلافه مع الآراء السابقة.

5


البرلمان القاصر


كان الحزب الديمقراطي الكردستاني الخاص ببارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بمثابة القوتين السائدتين في السياسة الكردية العراقية لعقودٍ طويلة. لكن في عام 2009، شكل أعضاء الاتحاد الوطني الكردستاني حركةً تحمل اسم حركة التغيير الكردية (كوران).

ونجح الحزب الجديد في بناء شعبيةٍ كبيرة بقاعدة ناخبين جعلت منه ثاني أكبر الأحزاب في البرلمان. واستفاد بارزاني في البداية، لأن حركة كوران قسمت أصوات الاتحاد الوطني الكردستاني، ولكن سرعان ما بدأ الحزب الجديد في تهديد طموحاته بتمديد ولايته لفترةٍ ثانية.

وكتب المحللون كريستيان ماكافراي وفان دين تورن ورعد القادري في مدونة على موقع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي بتاريخ سبتمبر/أيلول الماضي: "أظهرت حالة الجمود الحالية عدداً من الانقسامات بين النخبة السياسية، كما أوضحت مدى تدخل المصالح السياسية والشخصية في آلية صنع القرار، ويأتي ذلك على حساب التعددية وسيادة القانون".

وانتهى الجدل بعد قيام الحزب الديمقراطي الكردستاني بطرد كوران من الحكومة، ومنع رئيس البرلمان (القيادي في حركة كوران) من دخول العاصمة الكردية. ويعتبر الرئيس الحالي للبرلمان من الشخصيات العامة المعروفة بشدة انتقاده لسياسات بارزاني.

وبحسب تصريحات بلال وهاب من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فإن نوري المالكي –رئيس الوزراء العراقي الأسبق الذي تسببت سياساته في ظهور تنظيم داعش- بدأ في التقرب من كوران والاتحاد الوطني الكردستاني، في محاولةٍ لإضعاف القوات الصديقة للولايات المتحدة في العراق. وتشكل هذه المناورات بالإضافة لسياسات بارزاني الغليظة خطراً على التضامن الكردي وثقة الأكراد في وحدة واستقرار كردستان.

وأضاف وهاب: "ستكون الوحدة أمراً يسهل تحقيقه في حال قام بارزاني بطمأنة خصومه أنه لن يبقى رئيساً مدى الحياة".

ولا يرى منتقدو الرئيس أنه على استعدادٍ للقيام بذلك.


اللاجئون على المحك


منذ صيف عام 2014، حصل حزب العمال الكردستاني على الكثير من الدعم داخل كردستان العراق، وهو ما جعل منه منافساً قوياً للحزب الديمقراطي الكردستاني التابع لبارزاني؛ يأتي هذا رغم اعتبار حزب العمال جماعةً إرهابية من قبل الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا.

عبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، هو كردي تركي لم تكن له علاقة كبيرة بالسياسة الكردية العراقية. وكانت حركته في الأصل تعتبر المنطقة بمثابة قاعدةٍ مؤقتة وليس وطناً دائماً. واشتهر اسم زعيم الحزب بين الملايين في المجتمع الكردي بتركيزه على معاناة الأكراد داخل تركيا. ويرى العديد من الأكراد أن أوجلان والملا مصطفى (والد بارزاني) هم أبطالٌ من المقاتلين الذين قادوا تمرداً ضد الحكومات المركزية المستبدة.

ولكن حزب العمال الكردستاني يعتبر بمثابة الحركة الدخيلة. أوجلان الآن في السجن، بينما يتم استهداف قيادات حزب العمال بشكلٍ يومي في تركيا.

في الوقت نفسه أصبح بارزاني هو صورة النظام. وهو ما يعني أنه في وجه المدفع أمام الأكراد عندما يتعلق الأمر بفشل النظام الحاكم أو تردي أدائه.

ويقول روبين، خبير معهد المؤسسة الأميركية: "في الغرب، يميل الناس لوضع جميع قوات البشمركة في سلةٍ واحدة. بينما يعلم غالبية الأكراد أن مقاتلي حزب العمال الكردستاني هم وحدهم من يعيشون سيرة الأجداد المقدسين. المشكلة الرئيسية للدول ذات الحزب الواحد –وهو ما يسعى بارزاني لتحقيقه- هي أنهم يكرهون وضعهم في مقارنةٍ مع منافسيهم".

عندما هاجم تنظيم داعش اليزيديين –وهي أقلية دينية وجماعة كردية عرقية- في أغسطس/آب 2014؛ انسحبت القوات الكردية العراقية وتركت المدنيين اليزيديين يحمون أنفسهم أو يفرون. ولم ينجلِ للدفاع عن المدنيين سوى مقاتلي حزب العمال الكردستاني الموجودين داخل كردستان العراق، وحلفائهم من الجماعات الموالية لحزب العمال في سوريا وإيران، بعد أن اعتبر تنظيم داعش اليزيديين بمثابة (الكفار) الذين يجوز استعبادهم جنسياً.

ويعترف المسؤولون الأكراد الآن بأنهم ارتكبوا خطأً جسيماً بعدم الدفاع عن اليزيديين، زاعمين أن قواتهم كانت غير مجهزة للقتال. لكن عشرات الآلاف من اللاجئين اليزيديين والعديد من الأكراد الذين عانوا من سوء المعاملة، ما زالوا يشعرون بالغضب. وصرَّحت بلقيس ويلّي، باحثة "هيومان رايتس واتش" في كردستان، لـ"هافينغتون بوست": "هناك شعورٌ قوي في أوساط الطائفة اليزيدية أن القوات الكردية العراقية قد تخلت عنهم".

وقد تسببت خيبة الأمل الكبيرة في السماح لحزب العمال الكردستاني بتجنيد المئات من المقاتلين اليزيديين بين صفوفه. وتعتقد "هيومان رايتس ووتش" أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يُخضع الطائفة اليزيدية إلى عقابٍ جماعي، رداً على ذلك.

وتقول بلقيس إن الضغوطات المعادية لحزب العمال الكردستاني قد امتدت لمخيمات اللاجئين، حيث تقوم السلطات الكردية العراقية بطرد اليزيديين الذين انضموا لحزب العمال من مخيمات الطوارئ، وإرسالهم إلى مناطق لا تحتوي حتى على مياهٍ جارية، وفقاً للمعلومات التي حصلت عليها الباحثة.

لن ينتهي هذا التنافس في أي وقتٍ قريب، وهو ما يعني استمرار حملة القمع أيضاً. ولا يُخفي العديد من الأكراد (غير اليزيديين) إعجابَهم بحزب العمال الكردستاني، بسبب معاركه في سوريا التي نجحت في إحراز أبرز الانتصارات للأكراد في حربهم ضد تنظيم داعش.

ويمثل هذا مشكلةً كبيرةً لبارزاني وجاره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ حيث يشن أردوغان حملته الشرسة الخاصة ضد كل من يشتبه في كونهم على صلة بحزب العمال الكردستاني. وقال نيك دانفورث، الخبير في الشؤون التركية، لـ"هافينغتون بوست"، إنه من الصعب سياسياً على بارزاني مساعدة أردوغان بشكلٍ فعال في حربه ضد حزب العمال الكردستاني، لكن بارزاني ينتظر على أحرِّ من الجمر لكي يجني ثمار حرب أردوغان ضد عدوهم المشترك.

7


اضطهاد الصحفيين


محاولة التغطية على انتهاكات وتجاوزات الأحزاب السياسية لم تكن أبداً أمراً سهلاً في كردستان العراق. تعرضت المنطقة للدمار الشديد تحت وطأة الحرب الأهلية في التسعينات، وسمحت العلاقات بين الحكومة والولايات المتحدة في مرحلة (ما بعد صدام حسين) للقادة الأكراد بترسيخ دعائم سلطتهم الشخصية. ولكن بينما يتصارع الأطراف الآن على كردستان أكثر ثراءً، وتشتد جذوة الصراع الداخلي، ارتفعت تكلفة التغطية الصحفية النزيهة التي تخدم المصلحة العامة.

ويقول شوماني، المراسل الصحفي الذي كتب عن هذه القضية: "عندما نكتب، فالأمر يشبه المخاطرة بحياتك. عندما يكون هناك صراع بين الأحزاب السياسية، فإن أول من يتم استهدافهم هم الصحفيون. على سبيل المثال؛ عندما يغطي الصحفيون التظاهرات العامة، أحياناً لا تستطيع قوات الأمن استهداف المتظاهرين (لأن الميليشيات الحزبية قد تتدخل)، لكنها تقوم باستهداف الصحفيين عوضاً عن ذلك".

وقع 3 صحفيين على الأقل ضحيةً لعمليات القتل المستهدفة في كردستان منذ عام 2003. عام 2008، قام مسلحون في سيارة BMW بإطلاق النار على ماما حما ذي الـ23 ربيعاً، بعد أن نشر قصةً تهاجم السلطات المحلية في منطقة تقع تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني. وتعرض زردشت عثمان –أحد منتقدي عائلة بارزاني- للتعذيب، قبل أن يُعثر على جثته مصاباً بطلقاتٍ نارية في الرأس عام 2010، وكان يبلغ من العمر وقتها 23 عاماً أيضاً.

وتعرض كاوة كرمياني (35 عاماً) للقتل بالرصاص خارج منزله في الخامس من ديسمبر/كانون الأول 2013، بعد عامٍ ونصف العام من التهديدات التي تلقاها من الاتحاد الوطني الكردستاني. ويعتبر علي وشكري زين الدين -المراسل الذي تم اغتياله في ديسمبر/كانون الأول بعد تهديدات من الحزب الديمقراطي الكردستاني- آخر المنضمين لقائمة الاغتيالات.

وكانت قضية كرمياني هي الوحيدة التي وصلت في نهاية المطاف إلى المحكمة. لكن عائلته تعتقد أن الجاني الحقيقي في الجريمة قد أفلت من العقاب، وهو أحد كبار ضباط الاتحاد الوطني الكردستاني حسب مزاعمهم.


الولايات المتحدة تغضُّ الطرف


الأكراد سيكونون جزءاً رئيسياً من الاحتفالات والأفراح التي ستعقب النجاح المتوقع للحملة العسكرية على الموصل. لكن ليست هنالك أية أدلة تظهر اهتمام الزعماء الأميركيين بمستقبل كردستان.

ويتفق الخبراء على أن أي انتصار على أرض المعركة لن يكون حاسماً أو قاطعاً. فالانتصار على داعش لا يعني فقط استرداد الأراضي التي سيطر عليها التنظيم، بل ضمان الحيلولة دون قيام أي تمرد مسلح آخر خلال السنوات المقبلة، وهو ما يشير إليه قادة داعش باستمرار في خططهم المستقبلية. ولتجنب هذا المصير؛ على العراق بأكمله –بما في ذلك كردستان- أن يعالج المشكلة التي مَنحت الأصوليين شعبيةً كبيرة وقابلية لدى الكثيرين، وفَّرت للتنظيم الآلاف من المجندين.

وحذَّر النائب آدم شيف (كاليفورنيا) -المسؤول الديمقراطي في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي- من أن المعركة الحقيقية ستأتي بعد الموصل. كما يحاول النائب سيث مولتون (الديمقراطي) –من قدامى المارينز المحاربين في لجنة الخدمات المسلحة بمجلس النواب الأميركي- لفت الانتباه لأهمية الحلول السياسية في المنطقة منذ أكثر من سنة.

وكتب مولتون في واشنطن بوست الصيف الماضي: "قد يجادل البعض أن التدخل في السياسات الخارجية عادةً ما يجعل الأمور أسوأ، وسأكون أول القائلين إنه من الصعب تأدية عمل جيد في هذا الصدد. لكن البديل للتوجيه السياسي الكبير في العراق هو الاستمرار في إرسال الشباب الأميركيين تباعاً إلى المنطقة. الإصلاح السياسي العراقي هو أمرٌ صعب، لكنني أفضل أن نحظى بوجود دبلوماسي كثيفٍ وطويلِ الأمد، على أن نفقد المزيد من الأرواح في إعادة خوض المعارك التي انتصرنا فيها بالفعل".

ويضيف سيروير، المسؤول السابق في الخارجية الأميركية، أن الكثيرين في الغرب متعاطفون بشكلٍ متزايد مع فكرة حصول كردستان على استقلالها من العراق، كنوعٍ من المكافأة على دورها الكبير في الحملة ضد تنظيم داعش. ويعتقد سيروير أن هذه الخطوة ستكون قصيرة النظر، من شأنها أن تعزز من سلطة بارزاني وتصرف الانتباه عن الحوار حول الإصلاح، وتثير المزيد من الغضب داخل العراق.

ورفضت الخارجية الأميركية الاستجابة لطلبات العديد من الجهات بغرض التعليق على هذه القصة. كما شاركتها السلطات الكردية العراقية هذا الرفض، على الرغم من أن مصدراً قيادياً واحداً قد أشار إلى أن اغتيال علي كان من فعل حزب العمال الكردستاني. ونفى المسؤولون الأكراد مراراً مزاعم "هيومان رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية، التي اتهمتهم بإساءة معاملة اليزيديين والعرب.

وأضافت ويلّي أن الحكومات الغربية الداعمة للأكراد تعارض فكرة الضغط عليهم بشأن القضايا الحقوقية في الوقت الذي تستمر فيه المعركة ضد تنظيم داعش. وقالت لـ"هافينغتون بوست"، إنه على الرغم من قيام المسؤولين الأميركيين بالحديث عن مخاوفهم المتعلقة بحقوق الإنسان –مثل تمييز الأكراد ضد اللاجئين من العرب السنة- في الاجتماعات رفيعة المستوى، فإن القضية تم تنحيتها جانباً في الوقت الحالي.

ويقول روبين: "بالتبعية.. فإن صمت المسؤولين الأميركيين المتواصلين مع بارزاني في الوقت الحالي، يدفع ثمنه الصحفيون الأكراد المستقلون ونشطاء المجتمع المدني من دمائهم".


العدالة لعلي


4 أشهر مضت على مقتل علي، اعتادت فيها أسرته على أسلوب الحياة التي كان مضطراً أن يعيشها، خاصةً بعد أن بدأ العمل في وكالةٍ إخباريةٍ معروفةٍ بانتقادها لبارزاني، وقربها من حزب العمال الكردستاني.

ويشعرون بأنهم تحت المراقبة طوال الوقت، وفقدوا ثقتهم بالكامل في السلطات، ويشعرون بالخوف على حياتهم. لكنهم اختاروا الثبات على موقفهم والاستمرار في الحديث عن القضية، رغم الشكوك والخوف والترهيب المتكرر.

وبالحديث عن علي بوصفه "شهيداً"، أطلقت أسرته حملةً للمطالبة بالقصاص العادل، وهو ما لفت انتباه الأمم المتحدة وكبار السياسيين الأكراد ودبلوماسيين أجانب مبتعثين في المنطقة، وجماعات دولية لحقوق الإنسان. وهو ما دفع بارزاني إلى أن يصرح شخصياً أن مرتكبي هذه الجريمة لن يفلتوا من العقاب.

ورغم كل ذلك، لا تعلق أسرة علي الكثير من الأمل.

وكتبت الأسرة في رسالتها لـ"هافينغتون بوست": "نسألكم جميعاً.. أصدقاء الأكراد، ونشطاء حقوق الإنسان وحرية التعبير، خاصةً في الولايات المتحدة وأوروبا؛ أن تساعدونا في تصعيد قضية وداد دولياً. فسيادة القانون ليس لها أولوية داخل كردستان".

- هذا الموضوع مترجم عن النسخة الأميركية لـ"هافينغتون بوست". للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.