مدخرات سامة تقتل ببطء.. هكذا يقوم المُدخِّرون بخنق الاقتصاد العالمي

تم النشر: تم التحديث:
5
5

يُقال إن الادخار أمر جيد. ولا يُمر أسبوع واحد دون أن يخبرنا محافظ بنك مركزي أو وزير مالية بأنَّنا لا ندخر كفاية.

لكنهم يتحدثون عن أُسرٍ والنقود التي يتمكنون من توفيرها، لكن النقود السائلة لا تُمثل سوى نسبة صغيرة فقط من المدخرات التي يحتفظ بها معظم الناس، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية.

في هذه الأيام لدينا ثرواتنا المتراكمة هي مدخراتنا، وبعيداً عن كونها وسيلة لحمايتنا من الطوارئ المالية التي قد تواجهنا، فهذه المدخرات سامة، وهي تقتل اقتصادات العالم ببطء.


حجم هائل من المدخرات


أولاً ثمَّة حجم هائل من المدخرات التي يملكها الأفراد والشركات والحكومات. في وقت سابق من هذا العام، شعر صندوق النقد الدولي بالحاجة إلى حساب مجموع كل ذلك، وأعلن أنه يُمثِّل ما أطلق عليه "تخمة الادخار".

وقال الصندوق، إن المستثمرين المؤسساتيين، مثل صناديق التقاعد، وشركات التأمين، وصناديق الاستثمار المشترك، جنباً إلى جنب مع صناديق الثروة السيادية من الدول الغنية بالنفط والبنوك المركزية، لديها حوالي 100 تريليون دولار من الأصول الخاضعة للإدارة.

هذا المبلغ الهائل يُقارَن بالناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأميركية، الذي يبلغ نحو 18 تريليون دولار، والقيمة السوقية الإجمالية للشركات المُسجَّلة في الولايات المتحدة في عام 2015، والذي يبلغ 19 تريليون دولار (يُقدَّر الآن بنحو 25 تريليون دولار).

يُستثمر هذا المبلغ غالباً في البورصة والعقارات، أو يُقرَض للشركات أو الحكومات في صورة سندات. والمتبقي منه يُستَثمر في سلع مثل النفط، أو المشتقات المالية من مختلف الأصول ومنتجات التأمين التي تحوط من أي خسائر محتملة على تلك الأصول.

الحجم غير المسبوق لهذه المدخرات قد لا يعني الكثير لو كان المستثمرون لا يسعون إلَّا إلى عائد متواضع. لكنهم، لسوء الحظ، يتسمون بالطمع، وليس ثمَّة أشياء كافية يُمكن الاستثمار فيها لتعطيهم عوائد مرتفعة كالتي يريدونها.

إذاً ما رد فعل المستثمرين؟ لمدة عقود، قاموا بالضغط على الحكومات من أجل طرح أصول للبيع، يمكن تأجيرها مرة أخرى بعائدات أعلى. في المملكة المتحدة، كان هذا هو السبب وراء خصخصة الخدمات ومجموعة من الأصول الآمنة والمملوكة للدولة في السابق، ووضعها بين أيدي القطاع الخاص.

ثم يأتي الدور على الطريقة التي يتبعها معظم الأشخاص، والأعمال التجارية، والحكومات في تجميع مدخراتهم. مجرد نظرة سريعة على إجمالي الـ100 تريليون دولار أميركي، وسنجد أن معظم هذا المبلغ نتج عن التهرب الضريبي.

اليابانيون معروفون بمدخراتهم واستثماراتهم، ولكن الأسر متوسطة الدخل يمكنها فقط الادخار لأنها لا تدفع ضرائب كافية للمسؤولين في طوكيو من أجل توفير الخدمات الأساسية. في كل عام، تعاني الحكومة اليابانية من عجز في الموازنة بنسبة 10%؛ حتى الدين المتراكم حوالي 250% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.


خسائر مالية


يتسبب العجز الضريبي نفسه في خسائر مالية بالمملكة المتحدة، ولكن على مستوى أقل. قام المصوتون المتقدمون في العمر، الذين يمتلكون منزلاً ويحصلون على معاش والكثير منهم مستثمرون أيضاً، بالتصويت على دفع ضرائب أقل منذ الثمانينات.

جاءت الخصخصة بالسيولة النقدية لسد جزء من هذه الفجوة، ولكن لم يكن ذلك كافياً. الحكومات المتوالية قامت بتمويل مشروعات رأسمالية، بعيداً عن الميزانية العمومية للدولة، من خلال وسائل مثل مبادرات التمويل الخاص، التي كانت بمثابة طريقة أخرى للمستثمرين لتحقيق دخل.

المصوتون سألوا أنفسهم: لماذا ندفع ضرائب في حين أنه يمكننا ادخار المال وجني عائد من إقراضه للحكومة (أو نهب الحكومة بالاستثمار في متعاقد خاص متعاقد مع الحكومة).

السبب التالي الذي يجعل المدخرات "سامة" هو الطريقة التي يضيق بها المستثمرون الخناق على الحكومات، من أجل البقاء في وضع آمن. على مدار 20 عاماً مضت، كان هناك جدل مثار حول أن معظم مبلغ الـ100 تريليون دولار في صندوق النقد الدولي كان في الحقيقة استثمارات خطرة ومختلفة تماماً عن مدخرات البنوك. ولكن خلال العقدين الأخيرين، وخاصةً منذ أزمة عام 2008، اعتُبرت الاستثمارات آمنة مثلها مثل الودائع المنتظمة.

أمَّا العقارات فهي محمية من أي انخفاض ملحوظ في القيمة من خلال معدلات فائدة منخفضة جداً. ربما زعمت الجهات المختصة أن الممولين العقاريين يمكن أن يفشلوا في ظل النظام الجديد الذي تبع الأزمة العالمية، ولكن للثروة العقارية للحصول على ثقة المستهلك أهمية بالغة، حتى أكَّد السياسيون بوضوح ضرورة حماية الأسعار لمنع حدوث انهيار اقتصادي عام.

وأوضحت جانيت يلين، رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الحماية التي تم توفيرها للبورصة. وقالت يلين في العام الماضي إن خطر انهيار البورصة كان عاملاً أساسياً في خفض البنك المركزي لمعدلات الفائدة إلى مستويات تاريخية.

والآن تقوم يلين برفع معدلات الفائدة، ولكن بمعدلات ضئيلة فقط، وبسبب وصول دونالد ترامب إلى مقعد الرئاسة ووعده بتوفير إنفاق حكومي سخي بدلاً من أموال البنك المركزي القليلة جداً.

وتُعد صناديق التقاعد عنصراً آخر من مبلغ الـ100 تريليون دولار، ترى نفسها غير ضارة إن لم تكن ذات فائدة. حتى الآن تدخل نسبة كبيرة من المدخرات في دفتر حسابات المعاشات، بعد تجنب معدل ضرائب بنسبة 20% أو40% على الأرجح.

إذا دفع هؤلاء المدخرون الضرائب أولاً، ثم ادخروا صافي أرباحهم، لم تكن الحكومات لتمتلك أموالاً كافية لتوفير الخدمات دون الحاجة إلى مزيد من الاقتراض. يقول صندوق النقد الدولي إن الحكومات يجب أن تعمل بجد لجذب أموال المستثمرين لبناء بنية تحتية ضرورية، وسد عجز ميزانياتها.

ولكن عندما تطلب البنوك الاستثمارية عائدات تتراوح بين 10% و15%، وترى صناديق التعاقد أننا يجب أن نشعر بالرضا لأنهم يطلبون 6% إلى 9% فقط، فإن صندوق النقد الدولي يدعم عملية "نهب"، يقوم بها المدخرون في وقتنا الحالي، ويدفع ثمنها دافعو الضرائب في المستقبل. بدلاً من ذلك، يجب أن يستغل صندوق النقد سلطته في تبديل وجهة النظر، ودعم فرض ضرائب أعلى على الثروة.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.