وسط تقهقر المعارضة وتقليل التدخل الروسي وضعف الجيش السوري.. ما الخطوة المقبلة بعد سقوط حلب؟

تم النشر: تم التحديث:
1
1

في الوقت الذي انطلقت فيه حملة "مسعورة" بين السياسيين الأميركيين والأوروبيين، تراشقوا خلالها بالاتهامات حول سقوط حلب، حيث حاول الجميع التملُّص من المسؤولية تجاه الوضع المأساوي هناك، كانت كل من روسيا وإيران ونظام الأسد يحتفلون بالانتصار الذي حققوه والذي وصفوه بـ"التاريخي"، خاصة أنه ساهم في قلب موازين القوى بعد مرور 6 سنوات على اندلاع الحرب.

وفي وقت سابق، وخلال الأيام الأولى للحرب الدموية التي شنها نظام الأسد ضد المناطق التي تتحصّن فيها المعارضة، ندّدت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، سامانثا باور، بالأعمال الوحشية والبربرية لكل من القوات الموالية لبشار الأسد وحلفائه، إيران وروسيا، خلال محاولتهم للسيطرة على حلب. وأفادت باور، موجهة تساؤلاتها للحلفاء الثلاثة: "أما من شيء لن تكذبوا بخصوصه؟ ألا تشعرون بالخجل؟"، بحسب ما ذكر تقرير لصحيفة الغادريان البريطانية.

وتعقيباً على تصريحات باور، فإن أي شخص يتوقع أن تُظهر روسيا ولو القليل من الندم بخصوص المجزرة الإنسانية في حلب، عليه أن يعيد التمعّن في التاريخ ويعود بذاكرته إلى حرب الشيشان سنة 2000. فخلال هذه الحرب، أمر الرئيس المنتخب حديثاً آنذاك، فلاديمير بوتين، بإبادة المقاومة الانفصالية الشيشانية، كما لم يتوانَ عن إلحاق دمار شامل بعاصمة الشيشان غروزني بعد أن حاصرها، حتى أن منظمة الأمم المتحدة صرحت بعد معاينة الخراب الذي لحق المدينة بأنها "المدينة الأكثر دماراً على وجه الأرض".


استراتيجية وحشية


وإلى الآن، اتبع بوتين الاستراتيجية الوحشية نفسها لتدمير حلب، من خلال القصف الجوي المتواصل، في خطة محكمة لإنهاء الحرب بكل الوسائل العسكرية. والجدير بالذكر أن الدبلوماسيين الروس قد لجأوا للمفاوضات السلمية مع الولايات المتحدة الأميركية، التي توسّطت فيها الأمم المتحدة، كوسيلة لربح الوقت، حيث لعبوا على فكرة أن ولاية باراك أوباما على وشك الانتهاء، في حين واصلت القوات الموالية للأسد التقدم مع مساندة روسيا الكاملة لها.

الآن، وفي أعقاب سقوط حلب، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هو؛ ما الخطوة المقبلة في سوريا وما مصيرها؟ إن الحرب لم تنتهِ بعد على الرغم من أن الصراع قد تسبب في تقهقر صفوف المعارضة المدعومة من قبل الغرب، والمملكة العربية السعودية، وشركائها في الخليج. وفي المقابل، لا يزال نظام الأسد ضعيفاً للغاية، ولولا مساندة بعض القوى الأجنبية له، لسقط منذ أمد بعيد. في المقابل، قد لا يدوم هذا الوضع بالنسبة للقوات النظامية، حيث إن هناك مؤشرات تدل على أن حلفاءه المنتصرين قد بدأوا في التراجع تباعاً.

ولعل أبرز دليل على ما سبق ذكره، هو التوجهات العسكرية الجديدة لروسيا التي تسعى إلى تقليص حجم التدخل العسكري في سوريا، الذي كلفها أموالاً طائلة وخسائر لا تحصى منذ بداية تدخلها في عام 2015، خلال محاولتها اليائسة إبراز قوتها كأول صانع للقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط. ولهذه الغاية، أعلن الرئيس الروسي أمس الجمعة، أنه قد عقد محادثات سلام في وقت لاحق من هذا الشهر، مع كل من إيران وتركيا مع استبعاد لكل من دول الخليج والقوى الأوروبية.

وفي الإطار نفسه، صرّح بوتين بأنه سيبقي على تواجده العسكري في سوريا من خلال السماح لقواعده الجوية والبحرية بمواصلة التمركز في المنطقة، كما أنه سيواصل دعمه ورعايته لبشار الأسد. وفي الأثناء، سيعمل بكل طاقته على دحض تنبؤات باراك أوباما، التي تفيد بأن روسيا ستسقط في مستنقع مفتوح مشابهٍ للحرب في أفغانستان في فترة الثمانينات.

وسرعان ما قد يتحول التحالف الروسي الإيراني القائم على المصلحة المشتركة في سوريا، إلى مشكلة كبيرة بالنسبة للطرفين. فقد تولَّت الميليشيات القادمة من لبنان، وأفغانستان، والعراق، والمدعومة من قبل إيران، مسؤولية القتال البري في حلب. وقد مثل انتصارها فوزاً عظيماً بالنسبة لإيران.


منظور طائفي


وفي السياق ذاته، فإن طهران على عكس موسكو، ترى نجاحاتها من منظور طائفي، ففي الآونة الأخيرة تم إحياء المخططات الرامية لخلق "الهلال الشيعي" الإيراني، الذي يمتد من أفغانستان عبر العراق واليمن وصولاً للبحر الأبيض المتوسط.

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الإيراني حسن روحاني قد اتصل بالرئيس بشار الأسد ليهنئه بالنصر المشترك، وأخبره: "نحن نرى أنه من واجبنا دعم كل القوى التي تحاول طرد التكفيريين الإرهابيين (الجهاديين السنة) خارج أراضيها".

ومن هذا المنظور، فإن روسيا لا تبدو على وفاق مع إيران حول الصراع الطائفي في سوريا، فموسكو ترفض أن تنتهج نفس الطريق الذي اتبعته الولايات المتحدة الأميركية في العراق، حيث إن الصدام الطائفي في سوريا يحمل أصداء التمرد السني ضد القوات الأميركية والمملكة المتحدة خلال غزو العراق.

ومن المرجح أن التوجُّه الإيراني المتشدد ضد السُّنة، قد يدفع بالأغلبية السنية التي هُجّرت من الكثير من المناطق وتفرقت في مختلف الأماكن، للالتفاف حول القوات المنتمية لتنظيم القاعدة، التي تتمركز في مدينة إدلب في الجنوب الغربي لمدينة حلب. كما أن الاستراتيجية الإيرانية المتعسفة قد تحفز وتعزز قوة تنظيم الدولة، الذي لا يزال يسيطر على رقعة ممتدة من الأراضي في جميع أنحاء الرقة شمالي البلاد.

إن الخطر الأساسي الذي يهدد العلاقات الروسية الإيرانية يتمحور حول السياسة المستقبلية للرئيس المنتخب دونالد ترامب. فبالنسبة لبوتين فإن نظرته للمشهد السياسي لا تقتصر على الحاضر بل تشمل الصورة الأكبر، التي تحمل مؤشرات على أن إدارة ترامب قد تسعى مستقبلاً لعقد تسوية مع موسكو.

وبما أن ترامب قد أظهر، على عكس أوباما، تجاوباً مبدئياً حول بقاء بشار الأسد في السلطة، شرط أن يكثف جهوده لمحاربة تنظيم الدولة، فإن العائق الوحيد أمام التحالف الروسي الأميركي في سوريا، يتمثل في عدائه لإيران ورفض فريقه الأمني الجديد لأي تحالف معها.

في المقابل، قد يسارع ترامب لتطبيع العلاقات مع روسيا وقبول موقفها في سوريا حتى أنه قد يتناسى أحقاده الدفينة فيما يتعلق بأوكرانيا. وقد تحرز العلاقات الأميركية الروسية تطوراً في حال امتثال موسكو لطلبات ترامب التي تقضي بتراجع بوتين عن علاقاته العسكرية بإيران وإنهاء أي تعاملات تجارية معها فيما يخص مبيعات الأسلحة وغلق باب التعاون الصناعي النووي معها، بالإضافة إلى تقديم موسكو دعمها الكامل له في الحرب ضد تنظيم الدولة ومساعدته في الحد من الطموحات الإيرانية الطائفية في كل من سوريا والعراق.

علاوة على كل ذلك، فإن صفقة كبيرة من هذا النوع بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، تتناسب تماماً مع مصالح إسرائيل، نظراً للخطر المتنامي للميليشيات المدعومة من إيران لاسيما حزب الله، التي ستنتشر عما قريب على حدودها مع سوريا، تحديداً في هضبة الجولان المتنازع عليها.


اتهامات لإيران


وخلال هذا الأسبوع، وفي تحذير مباشر للرئيس الإيراني، وجَّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تهماً لإيران تتعلق بضلوعها في مخططات ترمي لتدمير بلاده. وورد على لسان نتنياهو متوجهاً لروحاني: "لا تهددنا. نحن لسنا بأرانب، نحن نمور. إذا هددتنا، فإنك تضع نفسك في خطر كبير".

إن إسرائيل في الفترة الأخيرة، تعتبر موسكو حليفاً لها، إذا ما أخذنا في الاعتبار العلاقة السيئة التي تربط نتنياهو بأوباما. كما أبدت قبولها المبدئي بأية تسوية تقوم بها روسيا في سوريا إذا ما حققت الاستقرار في المنطقة وساهمت في تقليص دور إيران. ومما لا شك فيه أن كل هذه الاحتمالات سيتطرق إليها نتنياهو خلال الاجتماع المرتقب بينه وبين الرئيس المنتخب دونالد ترامب، والمرشح لمنصب وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، المقرب من موسكو.

إن مستقبل سوريا واستقرارها لا ينحصر في دور روسيا والولايات المتحدة الأميركية، بل يعتمد في جزء كبير منه على التدخل التركي، حيث تعتبر تركيا العضو الوحيد في حلف شمال الأطلسي الذي تجرأ على نشر قوات عسكرية تركية شمالي سوريا.

قام أردوغان، بغية تحقيق مساعيه الأمنية، بالتواصل مع بوتين، بعد أن شهدت علاقتهما توتراً شديداً بسبب إسقاط القوات الجوية التركية مقاتلة حربية روسية العام الماضي. كما رتبت كل من روسيا وتركيا خلال هذا الأسبوع اجتماعاً للتحدث حول صفقة لإجلاء المدنيين من حلب، مع استثناء واضح لوجود القوى الغربية في اللقاء.

ولم تقتصر علاقات تركيا على التعاون مع روسيا، بل شملت أيضاً إيران، بغض النظر عن أنها تمثل المنافس التاريخي للأغلبية السنية في تركيا.

لكن المصالح المشتركة بين الدولتين ترتكز على أهداف موحَّدة أبرزها كبح توسع تنظيم الدولة وسحق الحكم الذاتي الكردي، حيث إن إيران مثل تركيا تماماً، تضم أقلية كردية كبيرة.


تعميق التوترات


وفي الإطار نفسه، أكدت مجموعة من الدراسات الحديثة التي أجرتها مجموعة الأزمات الدولية المستقلة، أن هذا التعاون قد يقع ضحية الخلافات القديمة وشكوك كلا الطرفين حول مساعي كل منهما فيما يتعلق بصفقة التسوية السورية في المستقبل.

وفي هذا الصدد أشارت مجموعة الأزمات الدولية إلى المزاعم القائلة إن جندياً تركياً قتل شمالي سوريا مؤخراً، من قبل طائرة استطلاع إيرانية، أن "الأحداث الأخيرة تسير نحو تعميق التوترات الطائفية، بالإضافة إلى مزيد من سفك الدماء وتزايد مؤشرات عدم الاستقرار في المنطقة".

على الصعيد العالمي، وتحديداً بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، فإن سقوط حلب وانتصار كل من الأسد وروسيا، بالإضافة إلى استمرار الهيمنة الإيرانية في المنطقة، تعد بمثابة انتكاسة لسياستها الخارجية. ويمكن الجزم بأن الهجوم العنيف من قبل سامانثا باور أكبر دليل على ضعف واشنطن وعجزها الشديد.

والجدير بالذكر أن النفوذ الأميركي في منطقة الشرق الأوسط بلغ أدنى مستوياته على الرغم من أن المنطقة تشهد مرحلة من الفوضى تعتبر الأصعب في تاريخها. في المقابل، لا يوجد مجال للشك بأن إدارة أوروبا للأزمة التي تقف على عتباتها تعتبر كارثية بكل المقاييس.

ومن المتوقع أن تعاني الدول الأوروبية طويلاً من العواقب الوخيمة للإرهاب وأزمة الهجرة وعدم الاستقرار في المنطقة، علاوة على الأضرار الجسيمة التي ضربت مصداقية الاتحاد الأوروبي كعنصر فعَّال في حل الأزمات الدولية. أما فيما يتعلق بما سيحدث مستقبلاً في سوريا، فأوروبا لن يكون لها أي دور حقيقي في القرارات التي ستُتخذ بشأنها.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.