"تأميم" الصحافة يعود بمصر السيسي للستينات.. هذه أسباب غضب الصحفيين من القانون الجديد للإعلام

تم النشر: تم التحديث:
ASSHAFH
social media

الجدل الذي صاحَب المطالبة بإصدار قوانين لتنظيم الإعلام في مصر، لم ينتهِ بإقرار مجلس النواب أول هذه القوانين، قانون "التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام"؛ بل زاد من الجدل، وأعرب قطاع واسع من المهتمين بحرية الرأي والتعبير عن قلقه مما ستكون عليه القوانين التي تتعلق الإعلام في الفترة المقبلة.


لماذا صدر هذا القانون؟


صدر قانون "التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام"، تنفيذاً للنص الدستوري الذي طالب بإنشاء هيئات لتنظيم الإعلام: "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام"، و"الهيئة الوطنية للصحافة"، و"الهيئة الوطنية للإعلام"، وهي هيئات تحتاج قوانين لإنشائها.

وبموافقة مجلس النواب النهائية على القانون، يتبقى أن يوقعه رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي وينشر بالجريدة الرسمية، ليكون فاعلاً وتبدأ إجراءات تشكيل المجالس الثلاثة.


ما دور المجالس الجديدة الثلاثة؟


وفقًا للنص النهائي الذي وافق عليه مجلس النواب، يكون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هيئة مستقلة يختص بتنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي والرقمي والصحافة المطبوعة والرقمية وغيرها، ويتمتع المجلس بالاستقلال الفني والمالي والإداري في ممارسة اختصاصاته، ولا يجوز التدخل في شؤونه.

أما "الهيئة الوطنية للصحافة"، فتتولى إدارة المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة ملكية خاصة، وتعمل على تطويرها، وتنمية أصولها، وضمان تحديثها، واستقلالها، وحيادها، والتزامها بأداء مهني وإداري واقتصادي.

بينما تكون "الهيئة الوطنية للإعلام" مسؤولة عن إدارة المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة لتقديم خدمات البث والإنتاج التلفزيوني والإذاعي والرقمي والصحفي والخدمات الهندسية المتعلقة بها.


ولماذا الاختلاف حول القانون؟


نقابة الصحفيين أصدرت بياناً بملاحظتها على القانون، واعتبرت أن الملاحظة الرئيسية على القانون تتعلق بمواد تشكيل هيئات الإعلام الثلاث (المجلس الأعلى للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام).

ووفقاً لنص القانون النهائي، تكون الأغلبية في المجالس الثلاثة لغير الصحفيين والإعلاميين، يختارهم رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى أعضاء يختارهم مجلس النواب ومجلس الدولة، أما ممثلو الصحفيين والإعلاميين والجهات الأخرى، فمرَّر أعضاء المجلس المقترح الذي نص على أن تتم مضاعفة الأعداد المرشحة لعضوية المجلس، ويختار رئيس الجمهورية من بينهم.

بيان نقابة الصحفيين اعتبر أن المواد التي أقرها النواب خالفت ما تم الاتفاق عليه بين ممثلي الصحفيين والإعلاميين والحكومة من قبل.

ويرى النقابي رجائي الميرغني، أن "السلطة قررت رسمياً ودون أى مواربة أن تستبيح حرية التعبير والصحافة والإعلام والنشر بنسبة تكاد تصل إلى مائة فى المائة، وهو أمر لم يحدث بهذه الصورة طوال العهود الملكية والجمهورية التي قامت بالتضييق على حرية الصحافة في مصر".

النائب أحمد الطنطاوي، يرى أن الأزمة هي وجود ممثلين كثيرين للسلطة، فبالإضافة إلى أعضاء تختارهم السلطة التنفيذية بشكل مباشر، هناك أعضاء سيختارهم مجلس النواب، والعلاقة بين البرلمان والسلطة التنفيذية جيدة، ما يعني أنه حتى من سيختارهم البرلمان لن يختلفوا عن الذين اختارتهم السلطة التنفيذية، لافتاً إلى أن هذه المجالس سيُؤخذ رأيها في القانونين المتعلقة بها "وهنا أصل الأزمة"، على حد قوله، مضيفاً أن القوانين المقبلة تتعلق بحرية الرأي والتعبير وغيرها من القضايا الشائكة.


ولماذا يؤيدونه؟


وعلى عكس هذا الرأي، ترى النائبة سحر عثمان، عضو مجلس النواب، أن القانون يؤسس لدولة يحكمها القانون، وأضافت في مداخلة هاتفية لبرنامج "بتوقيت مصر" على فضائية "العربي": "أنا عاوزه أعمل دولة يحكمها القانون، إيه يعني لما الرئيس يعين ربع المجلس الأعلى للإعلام، إحنا بنثق بالرئيس، والناس اللي هيختارها مصريون وطنيون". وتابعت: "والشعب كله يثق بالرئيس عبد الفتاح السيسي، والدولة في حاجة لإعلام ملتزم، يقف بجوارها في قضاياها ويتصدى لمحاولات تشويهها".


وأيدت جريدة الأهرام الحكومية، القانون في افتتاحيتها الصادرة صباح الخميس. واعتبرته "نقلة جديدة في العمل الصحفي والإعلامي".

http://www.ahram.org.eg/News/202114/4/568515/%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%A1/%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1%D8%A7-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85.aspx


كيف استُبعد أصحاب المهنة عن المشاركة في القانون؟


غير أن هذا ليس القانون الأول، وهناك قانون آخر تجاهله مجلس النواب؛ ففي نهاية 2014 أصدر رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب، قراراً بتشكيل اللجنة الوطنية ﻹعداد تشريعات الصحافة واﻹعلام؛ مهمتها إعداد قوانين إنشاء تلك المجالس وتوافقت اللجنة مع الحكومة على إعداد مشروع قانون موحد للإعلام، يضم تشكيل المجالس، واختصاصاتها، وكذلك القوانين المنظمة للإعلام والصحف، وأُعلن الانتهاء من مراجعة المشروع وتقديمه للحكومة استعداداً لإرساله للبرلمان.

ووقتها، ظهرت اعتراضات على القانون من جانب عدد من الشخصيات الإعلامية المحسوبة على النظام، فصرح المستشار مجدي العجاتي وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب، بأن لجنة في وزارة العدل ستعدّ مشروع قانون الصحافة والإعلام الجديد؛ نظراً لاختلاف الجماعة الصحفية على القانون المقترح من اللجنة الوطنية.

وهو ما أدانته نقابة الصحفيين، واعتبرته "يكشف عن نية ممنهجة ومبيّتة للتلاعب بقانون الصحافة والإعلام وضرْب الحريات الصحفية والإعلامية"، غير أن الحكومة أصرت على مشروعها وقدمته إلى البرلمان، دون التوافق مع نقابة الصحفيين.

صلاح عيسى، وكيل المجلس الأعلى للصحافة، وعضو اللجنة الوطنية لإعداد تشريعات الصحافة والإعلام، قال لـ"هافينغتون بوست عربي" إن عدم اكتراث مجلس النواب لآراء المعارضين للقانون، يمثل إعادة فكرة سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام مرة أخرى بشكل جديد.


وهل فعلاً يحاول النظام إعادة السيطرة على الإعلام؟



المعارضون للقانون يتذكرون مرحلة تأميم الصحافة في ستينات القرن الماضي عندما أصدر جمال عبد الناصر، عام 1960، قرارات تأميم الصحافة، وجعلها مملوكة للدولة باسم الشعب، بعدما كانت مملوكة لأفراد، بينما الفريق المؤيد للقانون يرى أن غياب مثل هذا القانون هو أحد أسباب الفوضى الإعلامية حالياً.

وكتبت د. نجلاء العمري، أستاذة الإعلام والصحفية في "بي بي سي" و"مونت كارلو" سابقاً، أن القانون يخلط بين صفتين ووظيفتين للهيئات؛ هيئة وضع السياسات وتتشكل من أصحاب المهنة، وأخرى فنية وتتشكل من الفنيين، "فجمع القانون بين الأعضاء من الشخصيات العامة وأصحاب المهنة، والفنيين كممثل وزارة المالية والهيئة القومية للاتصالات المختصة بتوزيع الترددات وهكذا. وهو ما رفع نسبة تمثيل المؤسسات في مقابل أصحاب المهنة".

ويرى النائب أحمد الطنطاوي، عضو مجلس النواب، ومعارض للقانون، في حديث لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن السلطة التنفيذية في مصر، تحاول إعادة السيطرة على الإعلام؛ لكونه بدأ مؤخراً يفلت من يدها، (الصحف الخاصة والمواقع الإلكترونية)، وربط النائب بين القانون الأخير، وقوانين أخرى تتعلق بمواقع التواصل الاجتماعي. ويضيف طنطاوي أن المشكلة الأساسية الآن أن النظام لا يعرف بشكل محدد وظيفة الإعلام، ويرى أن دوره الوقوف بجوار سياسات الحكومة مهما كانت صعبة، وضرب طنطاوي المثل بحديث الرئيس السيسي أكثر من مرة عن الإعلام مبدياً إعجابه بإعلام الستينات في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وهاجم أكثر من مرة الإعلام، واتهمه بنشر عدم الوعي بين الناس.

النائب أحمد الطنطاوي، يرى أيضاً أن من بين أسباب خوف الدولة من الإعلام، وجود خلط لديها بين مفهوم حرية الرأي والتعبير، ومفاهيم الأمن القومي، وأضاف: "الحكومة تعتقد أن مطالبة الصحفيين والإعلاميين بنصوص قانونية تبيح حرية الرأي والتعبير هو تجاوز لمسألة الأمن القومي"، ويتفق مع هذا الرأي الكاتب الصحفي والمدرب الإعلامي ياسر عبد العزيز، مطالباً بضرورة وضع تعريفات واضحة لمفهوم الأمن القومي، ووضع حدود ظاهرة للفرق بين الأمن القومي، وحرية الرأي والتعبير.

ولذلك، يقع كثير من الصحفيين تحت مقصلة الحبس والاعتداءات، وفقاً لتقرير أصدرته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن وضع الصحفيين في 2015.

بينما يرى عبد المحسن سلامة وكيل مجلس نقابة الصحفيين السابق، في حديث مع "هافينغتون بوست عربي"، أن "هذا غير حقيقي، هناك دول لها تاريخ طويل في الديمقراطية كفرنسا، وألمانيا، تطبق مثل هذه القوانين في إدارة المنظومة الإعلامية لديها، ولا توجد هذه الحالة من القلق".


مستقبل العلاقة بين الإعلام والنظام


المرشح السابق لمجلس نقابة الصحفيين أبو المعاطي السندوبي، قال إنه بإقرار القانون تمت مصادرة الصحافة والإعلام رسمياً.

غير أن كارم محمود رئيس لجنة التشريعات بنقابة الصحفيين، قال في اتصال بـ"هافينغتون بوست عربي" إن هذا القانون ليس هو الوحيد، وإنما هو الأول، مضيفاً سننتظر ما سيحدث في القوانين الأخرى المنظمة للإعلام، وقال: "الجماعة الصحفية تناضل دائماً من أجل حقوقها وانظروا إلى التاريخ"، ويأمل كارم من وجود حكماء لدى الدولة "أن يروا وينظروا لمطالب النقابة المشروعة العادلة"، ويتوقع الكاتب الصحفي صلاح عيسى أن يستمر الوضع كما هو عليه، من حيث التوجه العام بحبس للصحفيين، وكذلك ستستمر الفوضى الإعلامية والصحفية، وستظل الصحف الإلكترونية دون أي تنظيم قانوني يحفظ حقوقها أو يلزمها بالضوابط. وكذلك، وفقاً لعيسى، ستظل الحكومة مسيطرة على الصحف القومية، مشدداً: "نحن على أعتاب إعادة فكرة مدرسة التعبئة الإعلامية كما كان قبل 25 يناير".

وهنا، يرى الخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز، في حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الفترة المقبلة ستشهد استمرار "التوتر" في التعامل بين الحكومة ونقابة الصحفيين، "على الأقل لحين انتخاب مجلس نقابة صحفيين جديد، وتشكيل الهيئات الإعلامية، وهنا ستخلق أرضية جديدة للتعامل مع النظام".